شرح مسائل الجاهلية  104

شرح مسائل الجاهلية 104

الدرس في شرح مسائل الجاهلية 104، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

الافتخار بالصنائع والحرف في الجاهلية

كان أهل الجاهلية يتفاخرون بصنائعهم وحرفهم، وهذا الفخر مذموم في الإسلام حيث يكون التفاضل بالتقوى لا بالصنائع أو الحرف.

موقف الإسلام من التفاخر بالمهن

يذم الإسلام التفاخر بالمهن والحرف، ويستدل بموقف قوم نوح من نبيهم حيث استخفوا بأتباعه من أصحاب المهن البسيطة.

أهمية احترام جميع المهن

يجب احترام جميع المهن وعدم احتقارها لأن كل مهنة لها دورها في المجتمع، وطلب العلم مهنة عظيمة ومفخرة في الدنيا والآخرة.

ختام الدرس بالتأكيد على الصلاة على النبي

يختم الدرس بالتأكيد على أهمية الصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه، ويظهر علم الله تعالى.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال مؤلف رحمه الله تعالى: الثامنة والتسعون، الافتخار بالصنائع كفعل أهل الرحلتين على أهل الحرف. المؤلف رحمه الله تعالى استفاض في تتبعه لصور الافتخار، فمر معنا الافتخار بكونهم من ذرية الأنبياء، الافتخار بولاية البيت، الافتخار بالحسب، الافتخار بالنسب، كل ذلك من صور الافتخار، وقد تندرج يمكن أن تندرج تحت بند واحد وهو الافتخار وحكمه. إلا أن المؤلف رحمه الله تعالى بتعداده لهذه الصور من صور الافتخار، لربما عمد إليها رحمه الله تعالى لتنوع الأدلة فيها، إذ أن القرآن فيه بيان لمثل هذه الصور من صور الافتخار التي تليت بها أهل الجاهلية، فناسب ذكرها. أو أن المؤلف رحمه الله تعالى كان في زمنه يعاني بمثل هذه الصور التي فشت في زمنه، منه من يفتخر بالأعمال، منه من يفتخر بالأنساب، منه من يفتخر بالطبائع والقوة والشجاعة إلى آخر ذلك. فلعل أن ذلك مما ظهر في زمنه، فأراد رحمه الله تعالى أن يبين لهذه الصور التي أثيرت. أو لأن لهذا ولذاك، لوجوده في واقعه ولأن القرآن كذلك نص عليها. وهنا قال رحمه الله تعالى: الافتخار بالصنائع، وهذه صورة من صور الفخر التي كانت عند أهل الجاهلية، وأنهم كانوا يفتخر بعضهم على بعض بصنعته. والصنائع وهي جمع صنعة، وكل ما يزاوله المرء يزاوله من ممارسة حتى أمهر فيها، فأصبح بها ماهرا. فكل أمر يزاوله الإنسان يزاوله ويؤديه ويمارسه حتى أمهر فيه، يقال هذه صنعته. ويعبر عنه كذلك بحرفته. الصنعة هنا بمعنى الحرفة، وهو الشيء الذي زاوله الإنسان ومارسه حتى أتقنه، وحتى أصبح ماهرا فيه. قال رحمه الله تعالى: الافتخار بالصنائع كان من شأن أهل الجاهلية أنهم كانوا يفتخرون على بعض من البعض بصناعتهم وحرفتهم. فأتجد مثلا من كان تاجرا كان يتعالى بتجارتي على من هو دونه من الأيد العاملة. فمن كانت عنده مهنة رفيعة معه مهنة مرموقة في مجتمعه، يتكأ على هذه المهنة بأن تعلي شأنه وأن ترفع من قدره، فيترفع على الآخرين ممن هو دونه في مهنته وفي صنعته وفي حرفته. وهذا الأمر إخواني في الله يتوقع من أهل الجاهلية، إذ أنهم أناس المقاييس التي يستخدمونها هي المقاييس المادية النظرة الدنيوية، هذا متوقع. لكن أن يصل الأمر إخواني في الله إلى أهل الإسلام أن تجد أن أحدهم لربما يترفع على إخوانه من المسلمين لأجل حرفة ما أو مهنة ما أو صنعة ما، هذا عجيب. وهذا يلاحظ، وهذه المسألة إخواني ليست منحصرة في الصنائع والحرف والمهن، تدخل كذلك في المناصب، تدخل كذلك في باب الشهادات، تدخل كذلك في باب الوظائف، هذا كله تدخل في باب الصنعة. يعني تجد أن بعض من الناس من الله جل وعليه بمال حتى أصبح تاجر، كونه تجارة، فإذ به يرى من نفسه من العلو على غيره من المسلمين بحجة أنه تاجر، وأن هؤلاء أيدي عاملة. أو آخر لربما من الله عليه بمحل يعمل ويكتسب منه، وذاك يشتغل على سمي قاري على بسطة، يقول أنظر لهذا، فينظر ماذا؟ نظرة ازدراء واحتقار لمهنة فلان وفلان. أو ذاك يشتغل في بر، وذاك يشتغل في بحر، وذاك ما مهنته، وذاك ما حرفته، وذاك ما صنعته، فأصبح التفاخر والتعاظم. أو أنا الحمد لله الحمد عندي شهادة العليا، شهادة كذا وكذا، وأنت ما الذي عندك من الشهادات؟ أسمعني. وقصده من ذلك ليس المعرفة، وإنما قصد بذلك الغمض وغمز الناس وازدرائهم واحتقارهم. وهكذا يقول يا عبد الله في باب الوظائف: أنا وظيفة في المحال في الشركة الفلانية، وأنت أين وظيفتك؟ في دكان الفلاني، الله المستعان. وليش الله المستعان؟ لأنه عامل في هذا المحل. فما ينبغي هذا. الأتو أي توقع من أهل إسلام ممن ربوا على أن التفاضل بين المسلمين لا بصورهم ولا بأجسادهم ولا بأعمالهم ولا بحرفهم، وإنما التفاضل بين المسلمين بالتقوى. ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾. رب فقير مدفوع على الأبواب لا يؤبه له، ولا يرفع من شأنه، لكنه عند الله جل وعلا عظيم. لكنه عند الله جل وعلا له شأن. وبينه شخص آخر ربما قد ملأ الدنيا بأمواله، بملياراته، ملياردير، وهو مع ذلك من حطب جهنم، ومن حصب جهنم، ما يغنيه ماله ولا حرفته. فإن كان ذلك حاصل في أهل الجاهلية، فما ينبغي أن تكون هذه المعايير يا عبد الله تكون بين أهل الإسلام. والمؤلف رحمه الله تعالى استدل على وجود الفخر والتفاخر بالصناء عند أهل الجاهلية بقول رحمه الله تعالى: كفعل أهل الرحلتين على أهل الحرف. والذي يعنيهم بأهل الرحلتين هم أهل قريش، يقصد بهم أهل قريش الذين من الله جل وعلا عليهم برحلة الشتاء والصيف، كانت لهم رحلة في الشتاء إلى بلاد اليمن، ورحلة في الصيف إلى أرض الشام، وكانوا يزاولون في هذه الرحلة التكسب، وكان تكسبهم بالتجارة، كانوا يتاجرون بأموالهم. ويذكرون أن قريشا وهكذا بعضنا أن أحامي العرب أنهم كانوا يزدرون مهنة الحرف، الزراعة هذه كانوا لا يبالون بها، ليس فقط لا مبالاة، بل كذلك يرونها مذلة، يرونها مذلة. وأن المهنة الحق والصدق الذي لها الشأن هو التكسب، فكان قريش مشهورة بالتكسب، مشهورة بالضرب بالأموال يمنة ويسرة، حتى ضرب بها الأمثال. بل قيل أن حتى اشتقاق كلمة قريش من هذا الباب، قريش قالوا أنها من قرش، بفتح القاف إسكان الراء، قرش، ما معنى القرش؟ قرش بمعنى الجمع، بمعنى الجمع، فلان تقرش بمعنى تكسب، فلان تقرش بمعنى تكسب. فكان قريش مشهورة بالتكسب، لكنهم بدل أنهم يأتمر بأمر الله فليعبدوا رب هذا البيت، بدل التعبد والتوجه إلى الله بالحمد والشكر، جعلوا هذه المنقبة وهذه النعمة فرصة للتعالي والتعاظم على الآخرين. وهذا ما يتعلق في أمر الدنيا وهو مذموم. لكن زد على ذلك يا عبد الله أفحش أن من أهل الجاهلية من اتخذ من هذه المهن ومن هذه الحرف المهينة من جعلها وسيلة لأن يتفلت عن دين الله جل وعلا. فبعض الناس يقيس الدعوات ويقيس دعوة الحق بماذا؟ بأصحابها، ينظر إلى أتباع هذه الدعوة ما هم؟ هل هم تجار؟ هل هم من الناس الكبارات؟ أصحاب المناصب وزراء؟ هل هم أصحاب وجاهة؟ أصحاب شرف نسب حسب؟ أم أنهم من صغار الشببة ممن لا يؤبه له، ممن لا وزن له، ممن هو مغمور في مجتمعه؟ فلا ينظر إلى الحق ما هو الحق الذي مع الجماعة أو مع تلك الدعوات، وإنما ينظر إلى أصحابها إلى الهيئات إلى المهن والحرف. وهذا الذي وقع فيه قوم نوح، قوم نوح كان من دعاء من حججهم في ترك نوح ودعوته أنهم قالوا: «أنؤمن لك واتبعك الأرذلون». وفي قراءة: «وأتباعك الأرذلون» من الأرذلون؟ قال أهل التفسير: الأرذلون جمعوا أرذل، والأرذل هو الدون، هو الدون. وقد قال أهل التفسير: كان أتباع نوح من أصحاب المهن والحرف، من الحاكة، من الحياكة، أصحاب الخياطة، ونحو هؤلاء، هؤلاء كانوا أتباع نوح، من المستضعفين في الأرض، من أصحاب المهن، ما كانوا شرفاء، ما كانوا تجار، ما كانوا أصحاب مناصب. فكان أهل جاهلية من قوم نوح يقول: أن نؤمن لك واتبعك الأرذلون. وقراءة: وأتباعك الأرذلون. فكان هذا مقياس جاهلي. فالعبرة يا عبد الله ليس العبرة بأنك تقيس الناس بمهنهم، وإنما ذلك هي من سيمتي ومن شيمي أهل الجاهلية. وهكذا إخواني في الله نلجأ في هذه الأزمان كما بيّن ذلك العلماء، نرى من هذه القصرة أنها دبّت في بعض المجتمعات، مثل تجد أن بعض الناس يزدري الأشخاص بوظائفهم، وقد تكون وظيفة محبوبة عند الله جل وعلا، بل جليلة. مثل بعض المجتمعات لو سألوا شخص من الأشخاص: ما شاء الله يا أخي إيش تعمل؟ والله أنا إمام مسجد، إمام. فأنت قال له: أنا مؤذن، مؤذن. تجد أن مثل الإمام والأذان عند بعض الناس أصبحت ماذا؟ من المهن التي لا يؤبه لها. من إمام؟ ما مؤذن؟ أين الدكتوراه؟ أين البكاريوس؟ أين الماجستير؟ أين الوظائف؟ أين السكرتير؟ أين المدير؟ يا عبد الله ليس هذه المقاييس. أتذي من المؤذن؟ ثبت في صحيح مسلم قال عليه الصلاة والسلام: «المؤذنون أطول أعناقا يوم القيامة». هذه المفخرة، هذه المفخرة. والله لو تأتي بشهادات الدنيا، شهادات الدنيا دكتوراه، بروفوسور، وغيرها في كفة، وهذه المنقبة الحميدة للمؤذن أن يأتي يوم القيامة في ساحة الحشر أطول الناس أعناقة، مفخرة لا ما ساوت شيء أمام تلكم الشهادات. فلا تستحقر يا عبد الله عباد الله على مهنهم وعلى أعمالهم، بل ربما هذه المهن الذي أنت تستحقرها لو لم توجد في المجتمعات لما عشت. والله لما عشت. لو لم يكن هناك الذي يكنس، والذي كذلك الذي ينظف الشوارع، أو ذاك الذي يبيع في البسطات، والذي يبيع هذه الخردة، لو لم تكن في المجتمعات من هذه الأصناف، كيف ستعيش؟ من ذلك سينظف لك؟ التاجر الآخر؟ حاشا الدكتور الثاني؟ حاشا. ما عسى ينظف؟ إذن هذا كما قال من الله جبحانه وتعالى: ﴿رَبَّنَا فَرَّقْ بَيْنَ النَّاسِ﴾ في صورهم وفي أجسادهم، وهكذا في مهنهم وحيرفهم، حتى يتكامل المجتمع، كل ذلك من عند الله. فلا تجعل ذلك ذكما الربانية محل الطعم أو الغمز أو القدع. وعلى هذا المنوى الإخوان في الله هناك كذلك فئة أصبح الناس يستهجنون منهم، وهم من يحترف طلب العلم. بعض الناس يسأل: يا أخي أنت وإيش مهنتك في هذا الزمن؟ زمن المشغال والأعمال. والله طالب علم، طالب علم، يعني إيش؟ طالب علم، يعني إيش؟ أفهم. وطالب علم يا عبد الله أطلب العلم وإلى الحمد أبثه بين الناس تعليماً تدريساً توجيهاً، دروس هنا دروس هنا لك، قرآن تحفيظ صغار كبار دعوة، يا الله عز وجل هذا الذي أعمله. بس بس هذه المهنة يا عبد الله هذه المشكلة الآن، تجد أن بعض الناس مثل هؤلاء لو جاء قال: أنا مهنتي طالب علم، لربما دفع الأبواب لا يباله به، ولا يؤبه له. بل ربما إذا شفع لا يشفع، وإذا دخل في مشروع مشروع دنيوي أراد زواج لربما زوج، أراد دين لربما ما أقرض، أراد من أعان لو ربما لم يعن، كل ذلك لأنه طالب علم. إذا عبد الله طالب العلم تعتبر مفخرة الدنيا والآخرة، مفخرة الدنيا والآخرة. طلب العلم واجب قد يصل فرض الأعيان على المجتمع، لو أن المجتمع تكالب على ترك العلم لو ربما أثموا، هذا من حيث الإثم، ناهيك عن الفتن والرزايا والعظائم والشبى والشبهات التي تكتسح المجتمعات وتلتهمها، إن لم يكن هناك من يحمل العلم دراسة وتدريسا وتوجيها. فليست هي مهنة محتقرة، بل هي مهنة معظمة. في صحيح المسد مما ليس في الصحيحين لشيخنا مقبل رحمه الله تعالى، ذك من حديثه أنس أن رجلين في عهد نبينا عليه الصلاة والسلام أحدهما كان يحترف يعني من له مهنة، والآخر لا يحترف لا يعمل، أي بمعنى المهنة الدنيوية، لكن ما الذي يفعل؟ كان يلازم العلم، يلازم الرسول عليه الصلاة والسلام، يقبل على العلم الشرعي، هذه مهنته، وهذه حفظة التفرغ للعلم. فقام هذا الذي يحترف شكى إلى نبينا قال: يا رسول الله إني أحترف أعمل أكد أشتغل، وإن أخي لا يعمل ما عنده مهنة، مره أن يعمل معي. فقال عليه الصلاة والسلام: «لعلك ترزق به». لعلك ترزق به أنت يا صاحب المهنة ويا صاحب الحرفة الذي تعمل والذي تكد فيها، تجد هذه الأرزاق تأتيك لك. ولأخيك الذي تنفق عليك لا اعلم أن ما يأتيك من أرزاق ليست لمهنتك، وإنما هي بركة من الله لأخيك الذي يطلب العلم. لعلك ترزق به بهذا الشخص. فالعلم إخواني في الله بركة، العلم بركة، فليست مهنة مبتذلة كما يظنه الناس، بل هي مفخر لأصحابها في الدنيا وفي الآخرة. فالحاصل إخواني في الله فلنعلم ما أراد المؤلف رحمه الله تعالى أن من صيامي ومن صفات أهل الجاهلية الافتخار بالصناع. لا تفتخر يا عبد الله من جعلك الله تاجرا، من جعلك الله عاملا، أو من جعلك ذلك الله دون ذلك، فلا ترجع نفسك بالأسى والحسارات، ولا تجدري غيرك يا عبد الله بما آتاك الله. فكل ذلك رزق من أرزاق الله سبحانه وتعالى، يرزق من يشاء، يرفع من يشاء، ويذل من يشاء، وكل ذلك بحكمة أرادها الله سبحانه وتعالى. فلا تجعل ذلك يا عبد الله فرصة للتعاظم والتباهي على غيرك. فأسأل مولى جل وعلا أن ينكر ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.