الدرس في شرح مسائل الجاهلية 108، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يشرح كيف اتهم أهل الجاهلية أتباع الرسل بعدم الإخلاص وطلب الدنيا، وكيف رد الله عليهم، ويبين أن هذه الاتهامات كانت تهدف إلى الإطاحة بالدين والتشويه به. يوضح أيضًا كيف وجه أهل الجاهلية سهامهم ضد الأنبياء وأتباعهم.
يشرح قاعدة إسلامية مهمة وهي أن الحكم على النيات والضمائر هو أمر خاص بالله سبحانه وتعالى، وليس للإنسان أن يتدخل في ذلك. يُبين أن النبي صلى الله عليه وسلم نُهي عن التفكير في نيات الناس وأمر بالاكتفاء بما يظهر منهم.
يناقش مبدأ إسلاميًا وهو الحكم على الناس بما يظهر من أعمالهم، وليس بما في نواياهم أو سرائرهم، مستندًا إلى قول عمر بن الخطاب وآيات قرآنية تؤكد أن حساب السرائر على الله سبحانه وتعالى. يُشدد على أهمية عدم التوسع في الحكم على النوايا.
يتضمن دعاءً بأن ينفع الله تعالى السامعين بما قيل، ويجعلهم من الذين يستمعون القول ويتبعون أحسنه، ويختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: الثانية بعد المئة، رميهم أتباع الرسل بعدم الإخلاص وطلب الدنيا، فأجابهم الله بقوله: ﴿ما عليك من حسابهم من شيء﴾ الآية، وأمثالها. هذه الفقرة، إخواني في الله، وإن كان لها تعلق بالفقرة التي سبقت، وسيظهر ذلك معنا. قوله رحمه الله تعالى: رميهم، أي أهل الجاهلية، فإنهم قد صلتوا رهاء سهامهم، كما قال المؤلف رحمه الله تعالى: رميهم أتباع الرسل، فهم وجهوا سهامهم على أتباع الرسل بعدم الإخلاص وطلب الدنيا. بعدم الإخلاص وطلب الدنيا أمر معنى آنفًا أن أتباع الرسل هم الفقراء والمساكين، وهذه حكمة أرادها الله سبحانه وتعالى. فاستغل الفقراء أهل الكفر من أهل الجاهلية استغل هذا الوضع الاجتماعي لأتباع الرسل من وجود حالة البؤس والشقاء والفقر والمسكنة فيهم، أن دخولهم في الدين واتباعهم لرسلهم ما كان ذلك عن قناعة، ما كان ذلك عن قناعة، وإنما ذلك كما قالوا هنا طالبًا للدنيا، طالبًا للدنيا، أي أن هؤلاء أغلقت عليهم أبواب الدنيا، فما وجدوا ملجأً ليسدوا به جوعتهم أو لقمة عيشهم إلا في الدخول مع الأنبياء والرسل، علَّى وعسى أن يجدوا شيئًا من هذه الأمتعة ومن هذا المتاع. وهذا كناية، إخواني في الله، على أنهم دخلوا وهم ما أرادوا وجه الله سبحانه وتعالى. وهذه الخصلة، وهي هذا الرمي، طبعًا أهل الجاهلية هم ما أرادوا بذلك كشف الحقائق، وإنما بذلك أرادوا الإطاحة بالدين والتشويه بالدين. ولهذا هم أولًا، أول ما بدأوا طعنوا بأنبياء الله وبرسل الله، طعنوا في موسى وطعنوا في هارون عليهم السلام، حتى قال ربنا جل وعلا حاكيًا عن آل فرعون: ﴿وتكون لكم الكبرياء في الأرض﴾، أي أن هارون وموسى أرادوا من هذه الدعوة، الدعوة إلى دين الله، إنما أرادوا منها الكبرياء في الأرض. وهكذا قال قوم نوح عن نوح: أنه ماذا يريد أن يتفضل عليكم؟ أي حاول أهل الجاهلية أنهم يطعنون في نية الأنبياء أولًا، بأن الأنبياء ما أرادوا إلا الزعامة، ما أرادوا إلا الرئاسة، ما أرادوا إلا السيادة. لكن طبعًا مثل هذه التهم أمام الناس ساقطة، فكيف لأنبياء الله يريدون السيادة والوجاهة ويريدون الدنيا، وهي تأتيهم وهم راغبون عنها؟ ما طلبوا يومًا من الدهر زعامة ولا رئاسة ولا سلطة ولا حكم ولا مال ولا نفوذ، تأتيهم الدنيا وهم قد عزفوا عنها، إذن سقط هذا المحمل. إذن فوجهوا سهامهم إلى أتباع الرسل، وهم من هو دونهم، فرموا أتباع الرسل بهذه الفرية. فقال رحمه الله تعالى: رميهم أتباع الرسل بعدم الإخلاص وطلب الدنيا. فأجابهم، أي أجابهم الله جل وعلا فيما أنزله من وحيه، قال بقوله: ﴿ما عليك من حسابهم من شيء﴾، أي أنك يا محمد، وعلى فرض ما يدار ويحاك عن أتباعك بأن هؤلاء من أهل الاستضعاف، ما دخلوا في دينك إلا طبعًا في مال أو جاه، فهذا ليس لك، هذا ليس من حسابك، أنك تتعقب النيات، لأن هذا أمره باطني، أمر يتعلق بالسرائر، فلا أحد يطلع على السرائر إلا الله سبحانه وتعالى. فأوقف ربنا جل وعلا تفكير النبي عليه الصلاة والسلام وعدم الاسترسال في هذا الباب، بأن يعلم أن السرائر هي لله سبحانه وتعالى. قال الشوكاني رحمه الله تعالى على هذه الآية: قال أمبين أن هذا الخطاب من ربنا في حق نبينا عليه الصلاة والسلام، قال: أي حساب هؤلاء الذين أردت أن تطردهم موافقة لما طلب ذلك منك؟ وقد مر ذلك معنا أن الكفار طلب من نبينا أن يطرد أهل الإيمان حتى لا يكونوا إلى جانبهم في مقعد سواء، أهل الكفر هم أهل العزة والنفوذ، وأهل الإيمان هم أهل استضعاف من العبيد والموالي، فقال لهم: أن لهؤلاء أن يجالسوا هؤلاء؟ فطلب من نبينا أن يطرد أهل الإيمان حتى يمكنهم من الجلوس، فنهاه ربنا عن ذلك. فقال الشوكاني رحمه الله تعالى: أي حساب هؤلاء الذين أردت أن تطردهم موافقة لما طلب ذلك منك؟ هو على أنفسهم، ما عليك منهم شيء، أي ليس هذا لك. ولهذا أمر نبينا عليه الصلاة والسلام أن يأخذ بما ظهر من الناس، أو ما جاء الوحي بكشفه. وهذا، إخواني في الله، قاعدة عظيمة: أن الحكم على النيات والحكم على الضمائر والحكم على السرائر هذه ما ردها إلى الله سبحانه وتعالى. قد يكون في الدعوة، قد يكون في دين الله من هو طامع، من هو زنديق، دخل في الإسلام أراد الهدم لدين الله، قد وقد، لكن كيف لي ولك أن نتحقق من ذلك؟ لا يمكن. لو فتح الباب، لو فتح الباب لكل أحد أن يتخرص، لما أبقينا أحدًا في دين الله. فأنا هذا الذي لا أرى أرتاح إليه نفسيا يقول: أرى هذا مدسوسًا على دعوتنا، وأنت الذي لا ترتاح لذاك يقول: أخي ما أرى هذا إلا مندسًا بين صفوفنا، وهكذا يفتح الباب لهذا ولذاك، وما أبقينا أحدًا، وكان ذلك ذريعة من أعظم الذرائع على القضاء على دعوة الإسلام والمسلمين. ولهذا يقول عمر رضي الله تعالى عنه، ما جاء في البخاري، قال: «إن أناسًا كانوا يأخذون بالوحي على عهد رسول الله، هذا كان في عهد نبينا، أناس يكشف أمرهم ما يظهر لنا، لكن يأتي الوحي بكشف هؤلاء أهل النفاق أهل الشقاق، هذا المنافق، هذا الزنديق، هذا خبيث، يأتي القرآن يتنزل في كشف خبايا هؤلاء». قال عمر: «إن أناسًا كانوا يأخذون بالوحي على عهد رسول الله، وإن الوحي قد انقطع، ما عندنا وحي حتى نعرف ما في الضمائر». فقال: «إن الوحي قد انقطع، وإنما نأخذ الناس الآن بما ظهر من أعمالهم، وإنما نأخذ الناس الآن بما ظهر لنا من أعمالهم، فمن أظهر لنا خيرًا أمناه وقربناه، وليس لنا من سريرته شيء، وسريرته وحسابه على الله، ومن أظهر لنا خلاف ذلك لم نصدقه ولم نؤمنه، وإن قال سريرتي حسنة». فهذه القاعدة التي سار عليها المسلمون: أنما الحكم على البواطن هذا ما رد إلى الله سبحانه وتعالى، لكن العمل أننا نعمل بما ظهر للناس. قال: «فمن أظهر لنا خيرًا، رجل ظاهر الصلاح، الخيرية، الاستقامة، الالتزام، الاستمساك بشرع الله، المحافظة على الصلاة وعلى شعار الإسلام، من أظهر لنا خيرًا أمناه وقربناه واجعلناه كأحد باقي المسلمين، ومن عداد أهل الإسلام، له ما لنا وعليه ما علينا». قال: «وحسابه على الله، وسريرته ليس لنا من سريرته شيء، سريرته الله أعلم بها». فلا يفتح الباب، إخواني في الله، في الطعن في النوايا: أن هذا إنما أراد كذا، وهذا ما دخل بين صفوفنا إلا لكذا، وهذا ما ليس في الإسلام إلا صورة وأراد هدم الإسلام. لا نسترسل، يا عبد الله، في الحكم على النوايا وعلى السرائر والضمائر. قال: «ليس لنا من سريرته شيء، يحاسبه الله على سريرته». هكذا قال عمر، هذا أمر، يا الله، وحكمة الله جل وعلا تأبى أن تجعل الدخن والخلل بين أهل الإسلام، من كان في قلبه دخن أو زغل أو ضلالة، فإن الله جل وعلا يكشف أمره. ﴿ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب﴾، ﴿ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب﴾، ما كان الله ليجعل الناس ثواسية، وفيهم المندس بين صفوفهم، ينزّي ربنا جل وعلا الفتن، ينزّي ربنا جل وعلا الابتلاءات، ينزّي ربنا جل وعلا التمحيص، فتظهر معادن الرجال، يظهر أهل الإيمان، فيتساقط من أراد ربنا جل وعلا فضحه وكشفه، يظهر هؤلاء من الله سبحانه وتعالى. لكن العصل أننا نقوم بما أمرنا به، نحكم على الناس بما ظهر. ولهذا قال ربنا جل وعلا: ﴿ما عليك من حسابهم من شيء﴾، هؤلاء الذين عندك معك يلازمونك، هؤلاء على ظاهرهم من أهل إسلام، نواياهم هذه ليس لك، وإنما عند الله جل وعلا. والله سبحانه وتعالى قد زكى هؤلاء في نفس الآية، قال: ﴿يريدون وجهه﴾، يريدون وجهه. وفي ذلك رد على زعم زعم الكفار عندما طعنوا في أمثال هؤلاء: أن هؤلاء يا محمد ما التحقوا بك إلا حبًا للمال وحبًا في الدنيا. فزكى ربنا جل وعلا الصحابي، قوله: ﴿يريدون وجهه﴾، وهذه تزكية عظيمة لأصحاب نبينا عليه الصلاة والسلام، وأنهم ما دخلوا في دين الله سبحانه وتعالى إلا حبًا في دين الله وإخلاصًا لله سبحانه وتعالى، وطمعًا لما عند الله جل وعلا. هذا ما يتعلق، إخواني في الله، في هذه الآية وما يتعلق بها من أحكام. فأسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.