الدرس في شرح مسائل الجاهلية 124، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول المقطع مسألة التفريق بين الرسل وما يتعلق بموقف أهل الجاهلية من باب النبوات. اختلف أهل الجاهلية في كيفية الجحود فمنهم من كفر بالأنبياء جميعًا ومنهم من آمن ببعض وكذب ببعضهم الآخر.
من يكفر بنبي واحد فقد كفر بجميع الأنبياء، وقد أجمع العلماء على أن من كذب بنبي واحد فقد كفر. يجب على المسلم أن يؤمن بجميع الأنبياء ولا يفرق بينهم.
يُنبه على ضرورة التفريق بين الأنبياء والرسل، ويُشرح أن التكفير لا يُطبق إلا على من ثبتت نبوته وجحدها. يُبين أيضًا أن النصارى كفار لعدم إيمانهم بجميع الأنبياء.
المقطع يتضمن دعاءً بأن ينفع الله تعالى السامعين بما قيل، ويجعلهم من الذين يستمعون القول ويتبعون أحسنه. يختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: الثامنة عشر بعد المئة: التفريق بين الرسل. هذه المسألة، إخواني في الله، التفريق بين الرسل وما يتعلق بموقف أهل الجاهلية من باب النبوات عمومًا، فهو يختلف، وإن كانوا اتفقوا على جحد هذا الباب، لكنهم اختلفوا في كيفية الجحود. فمنهم من كفر بالأنبياء جميعًا، وهذا الذي عليه أهل الإلحاد، والذي عليه المشركون، وهكذا ما عليه بعض الفلاسفة مما ينكرون النبوات. وهكذا منهم كفار العرب ممن كان ينكر الرسالة مطلقًا، فلا يؤمنون بنبي ولا يذعنون لرسول، وأن الله سبحانه وتعالى ما أرسل رسولًا إلى أهل الأرض البتة. فهذه عقيدة عند بعضهم عند أهل الجاهلية من الوثنيين والمشركين والملاحدة، وفي أخرى من أهل الكفر، وهم من كان من أهل الكتاب ممن آمن بهذا الباب، إلا أنه لم يؤمن بجميع الأنبياء، وإنما آمن ببعض وكذب ببعضهم الآخر. فتجد مثلًا أن اليهود أقرّوا بنبوة موسى عليه السلام لأنه أنزل عليهم، إلا أنهم بالمقابل كفروا بعيسى وكذبوا محمدًا عليه الصلاة والسلام. وتجد كذلك بالمقابل النصارى، فإنهم آمنوا بعيسى لأنه أنزل عليهم، وآمنوا كذلك بموسى لأنه قبل ذلك، إلا أنهم جحدوا نبوة محمد عليه الصلاة والسلام. بل لم يصل الأمر إلى أهل الكتاب إلى التكذيب تكذيب البعض لا، لكن بلغ بهم الجرح إلى أن يسفكوا الدم، إلى أن يقتلوا بعض الأنبياء. ﴿فكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقًا كذبتم وفريقًا تقتلون﴾. بلغ بهم التكذيب وتارةً كذلك إلى بسط للسلاح والسنان على أنبياء الله ورسله. إذن، فأهل الجاهلية بشكل عام هم ليسوا على وتيرة واحدة في تكذيبهم لأنبياء الله ورسله، فمنهم من أنكر جميع الباب باب النبوات، ومنهم من آمن ببعض وكذب ببعض. فقال رحمه الله تعالى: التفريق بين الرسل، إذن المعنى بهؤلاء هم أهل الكتاب خاصة ممن آمنوا ببعض الرسل وكفروا ببعضهم الآخر. وهنا علينا أن نعلم، إخواني في الله، وتأتي المسألة الثانية، بعدما علمنا حال أهل الجاهلية، تأتي المسألة الثانية، وهي علينا أن نعلم، إخواني في الله، وقد جاء ذلك مصرحًا: أن الذي يتجرأ على تكذيب رسول واحد هو بمثابة التكذيب بجميع الرسل، هو بمثابة التكذيب بجميع الرسل. وجه الشاهد من ذلك لأن الجميع قد اشترك بالإرسال، الجميع قد اشترك بالإرسال. وقد مر ذلك معنا في الفقرة السابقة عما يتعلق بالإيمان بالوحي المنزل، فالذي يؤمن ببعض الوحي ويكفر ببعض الوحي فهو كافر ومكذب بجميع الوحي، لأن الوحي كله منزل من عند الله. فعلى ما تفرق بين هذا وبين ذاك؟ وهكذا قل يا عبد الله في باب الأنبياء والرسل، فالكل مرسل من عند ربه. فإن قلت: أني سأؤمن بهذا ولا أؤمن بذلك، هذا التناقض، لأنك تفرق بين متماثلين، هذا مرسل وهذا مرسل. فعلى ما تؤمن بهذا وتكفر الآخر؟ إذن جحودك لأحد الأنبياء هو في الحقيقة جحود لجميع الأنبياء والرسل. وقد جاء ذلك في كتاب ربنا جل وعلا، كما قال سبحانه: ﴿كذبت قوم نوح المرسلين﴾. فقوم نوح كم نبي أرسل عليهم؟ رسول واحد نوح عليه السلام، ومع ذلك قال عنهم ربنا: ﴿كذبت قوم نوح المرسلين﴾. قد يقول قائل: ومن هم الرسل الذين أرسلهم الله إلى قوم نوح؟ ما أرسل إلا نوح عليه السلام، ومع ذلك قال العلماء: معنى هذه الآية أن هؤلاء الأشقياء عندما أنكروا نبوة نوح هو بالحقيقة أنكروا جميع الرسائل. وهكذا في قوله تعالى: ﴿كذبت ثمود المرسلين﴾، ﴿وكذبت عاد المرسلين﴾، فهؤلاء قوم ثمود وقوم عاد أرسل إليهم رسول واحد، لكن لما كذبوا هذا الرسول وهو الفرد الذي جاء إليهم، فإنكارهم لرسالته هو في حقيقة الحال إنكار لجميع الأنبياء ولجميع الرسل. وبهذا نعلم قضية التلازم، قضية التلازم، فأنت يا عبد الله، يعني الذي ليس من أهل الإيمان، إما أنه يلتزم بالإيمان بجميع الرسل للقاسم المشترك فيهم جميعًا وهو الإرسال من عند الله سبحانه وتعالى، أو أنه يكفر بجميع الرسل. أما أنك تقول: أؤمن ببعض وأجحد ببعض، هذا هو عين التناقض وعين الاضطراب. ثم تأتي المسألة الثالثة بعد ذلك، إذا علمنا أن التكذيب لنبي واحد هو في حقيقة الحال تكذيب بجميع الأنبياء، يأتي الحكم، فما حكمه؟ فلقائل أن يقول: أنا الله سأفرق، إذا رأيت أن قومًا من الأشقياء من الملاحدة أنكروا جميع الأنبياء، فهؤلاء كفار. وأما إذا رأيت فرقة من فرق أهل الكتاب أنكرت نبيًا واحدًا، فهذا تساهل به، لا، لا تتساهل، بل الكل كفار، الكل كفار. وقد ذكر العلماء الإجماع على أنه من كذب بنبي واحد فقد كفر، فقد كفر. وقد جاء ذلك مسطرًا في كتاب الله سبحانه وتعالى، كما في قول ربنا جل وعلا: ﴿إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلًا أولئك هم الكافرون حقًا﴾. تأمل يا عبد الله في كلمة «حقًا». قال العلماء: «حقهم» باب التوكيد، فقال العلماء: أهل التفسير، يعني كلمة «حقهم»، ما الذي أفاد؟ قال العلماء: أفاد تأكيد استحقاق هؤلاء لماذا؟ لو سم الكفر، وليعلم الجميع أن من كفر أو كذب بنبي واحد، ففرق بين رسل الله: «نؤمن ببعض ونكفر ببعض»، أولئك هم الكافرون حقًا. فحكم عليهم ربنا سبحانه وتعالى بتحقق الكفر عليهم. وبهذا، إخواني في الله، فإن وجد، وقد ذكرها العلماء الإجماع في هذه المسألة، وأن من كان مسلمًا وكان في عداد المسلمين، إلا أنه جحد نبوة نبي واحد من أنبياء الله ورسله، فإنه قد ارتد، فإنه قد ارتد وخرج عن الدين وخرج عن الملة. المسألة الرابعة، إخواني في الله، التي تلحق بهذه المسألة، إذن لنفكك يا عبد الله، ولا فرار من أن المسلم أو أن العبد الصادق مع ربه عليه أن يذعن بالسمع والطاعة والإذعان والاعتقاد بصحة نبوة الأنبياء جميعًا، ولا تفرق بينهما. ﴿آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله﴾. فمن صفات أهل الإيمان أنهم لا يفرقون بين رسول وبين آخر، بل على الجميع أن يذعن بأن كل هؤلاء هم من رسل الله، فيذعن لهم بالنبوة ويذعن لهم بالرسالة. مع التنبيه يا عبد الله، إذا علمت هذه العقيدة التي طلبت منك، عليك أن لا تظن كما يظن بعض الناس أن الأنبياء إذا كانوا كلهم من عند الله، فأنت مخير فيما بينهم، لك أن تأخذ من شريعة موسى، ولك أن تأخذ من شريعة عيسى، ولك أن تأخذ بشريعة محمد على حد زعم بعضهم، لأن الكل مرسل من عند الله، والكل الذي جاء به وحي من عند الله. هل هذا صحيح؟ لا، يا عبد الله، هذا ليس بصحيح. ومن استساغ ومن شرع ومن سوغ لنفسه أن يأخذ بشريعة غير شريعة نبينا عليه الصلاة والسلام، فقد كفر إجماعًا، فقد كفر إجماعًا. فعلى القول بصحة نبوة الأنبياء والرسل، لكن هذا ليس معنى، يا عبد الله، أنك تأخذ ما عندهم، لأن هذه النبوات وهذه الرسالة قد نسخت ببعثته عليه الصلاة والسلام، نسخت ببعثته عليه الصلاة والسلام. وقد مر ذلك معنا قريبًا في قصة عمر، وقال له نبينا: «فوالذي نفسي بيده لو أن موسى حَيًا ما وسعه إلا أن يتبعني». وجاء كذلك في أشراط الساعة أن عيسى عليه السلام إذا نزل فإنه يحكم بشريعة نبينا عليه الصلاة والسلام، دلالة على أن جميع الأنبياء وجميع الرسل تذعن لنبينا عليه الصلاة والسلام. وفي إسراء والمعراج عندما يرى نبينا الأنبياء قد جمعت لهم، فإنه يتقدم للصلاة فيصلي بهم، دالًا على أنه إمامهم، لأنه آخر الأنبياء ورسالته هي خاتم الرسالات وخاتم النبوات. إذن، عليك يا عبد الله أن لا تخلط هذا بهذا، فالمؤمن عليه أن يعتقد بأن الأنبياء كلهم من عند الله، فلا يفرق بين هذا وبين ذاك، فلا تأتي يا عبد الله وتتنقص نبيًا من أنبياء الله، تأتي تتنقص على يونس عليه السلام أو على يوسف عليه السلام، بل كل هؤلاء أنبياء، وكل هؤلاء رسل. كذلك مسألة ينبني عليها في هذا المقام، قد أشار إلى ذلك شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: أن المقصود بهذه الآية هم الكافرون حقًا، الذي يكذب أو الذي يكذب ببعض الأنبياء، هذا في حق نبي تحققت نبوته، تحققت نبوته. ووجه الشاهد من هذه المسألة أن بعض الأنبياء أو بعض الرسل أو قل بعض الشخصيات من الأعيان اختلف العلماء في نبوتهم وفي رسالتهم. يوجد من نظر إلى كتب التاريخ، وفي كتب الاعتقاد المطولة في باب الرسل والرسالات، هناك أشخاص اختلف العلماء: هل هؤلاء رسل؟ هل هؤلاء أنبياء؟ أنزل عليهم الله وحيًا من السماء أم لا؟ فمثل هؤلاء، فلو أن عالمًا رجح مسألة من المسألة بأن هذا الشخص ليس بنبي، وجد من أهل العلم، ووجد من طلاب العلم، ووجد من المسلمين من أخذ بهذا القول، وأن فلانًا من الناس ليسوا بأنبياء الله، ليسوا بأنبياء الله. مثل إخوة يوسف: هل هم أنبياء رسل أم لا؟ فعلى قول من يقول: أنا ما أراهم أنهم أنبياء الله ورسل الله، لأمور كثيرة، فيترجح هذا عنده أن تترجح عندك أنهم أنبياء ورسل، وأنهم من الأسباط الذين أنزل عليهم ربنا الوحي من السماء مع يوسف عليه السلام. فهل هذا يجعلك تتطاول على الذي أنكر رسالة هؤلاء بأنه كافر؟ وتأتي بهذه الآيات؟ أنت يا عبد الله تفرق بين أنبياء الله ورسله، لا، لا تطبق هذه القاعدة في هذه المسألة. إذا كان هناك شخص وأشخاص واختلف العلماء في نبوتهم ورسالتهم، فهذا ليس مجاله. إنما مجال هذه الآيات والإجماع قد تم في حق من قد ثبتت نبوته، نبوته ثابتة بالكتاب والسنة والأدلة والآثار، أدلة على نبوته، ثم تأتي بعد ذلك وتجحد هذه النبوة، لا لشيء، إنما عناد، إنما هوى، إنما استكبار، فهذا يجعلك يا عبد الله في عداد الكفرة. وهذا نبّه عليه شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: أن التكذيب الذي يجرىء الكفر هو التكذيب لمن تحققت نبوته، أما من اختلف العلماء فيه ولم يترجح نبوته، فمن أنكر رسالته لعدم رجحان الأدلة في ذلك، فلا يدخل في عداد هذه المسألة. وكذلك فائدة أخرى في هذا المقام، هذه الآية من الآيات الكثيرة، أدلة على كفر النصارى، على كفر النصارى، وخاصة، وهذه مسألة تسعفك يا عبد الله، ونحن في هذه الأزمان التي اختلطت فيها كذيمة الآراء حتى على بعض من ينتسب إلى الفكر الإسلامي، وظهور الهزيمة الفكرية عند بعض الدعاة، وعند بعض المتحمسين، ودخول بعض الأفكار الإلحادية في عقول بعض المسلمين، أن بعضهم أصبح ينظر لنصارى نظرة رأفة ونظرة رحمة، ويرى أن هؤلاء ما ينبغي أن نسميهم بالكفار. يوجد هذا في واقعنا المعاصر من بعض الكتاب، إما من الملاحدة اللادينيين، أو حتى عند بعض الإسلاميين، من يقول: بأننا ما يمكن أن نطلق على النصارى بأنهم كفار، فهم أناس مسلمون في دينهم، عندهم كتاب منزل، عندهم نبي منزل، عندهم كذلك شريعة مستقلة، لهم دينهم ولنا ديننا، فلا نلزمهم بديننا، فمن مات على دينهم فهو مسلم. لا، يا عبد الله، وقد قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: والأدلة على كفر النصارى كثيرة، والأدلة على كفر النصارى كثيرة، ومنها هذه المسألة. قال ربنا: ﴿أولئك هم الكافرون حقًا﴾. تجد أن هذا الوصف «نؤمن ببعض ونكفر ببعض» تتنزل على النصارى، لأن النصارى إن جئت لهم تقول: ما تقولون في موسى؟ قالوا: نبي مرسل. ما تقولون في محمد؟ قالوا: ما هو بنبي. إذن فرق هؤلاء، فأولئك يستحقون وصف الكفر، فهم كفار. فمن شك في كفر النصارى فهو كافر، كما قال العلماء، لأن كفرهم قد دلت عليه الدلالة الصحيحة الصريحة. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.