التعليقات على كتاب الأدب المفرد 329

الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 329، ألقاها

أهمية السلام في الإسلام وتشريعه

يشرع السلام عند دخول المجلس وعند مغادرته، ويستحب الرد عليه بزيادة لتحصيل الأجر العظيم. يُعد السلام من أهم الأمور في الإسلام حيث يحث على التحية والترحيب بين المسلمين.

فضل ابتداء السلام وأجره العظيم

يُبين الحديث النبوي فضل ابتداء السلام حيث يكون للمبتدئ به أجر أكبر، ويكتب له ثلاثون حسنة إذا قال السلام كاملاً. يُشجع المسلم على المبادرة بالسلام لتحصيل الأجر.

أحكام هجران المسلم وفضل الرد على السلام

يُحذر من هجران المسلم لأخيه فوق ثلاثة أيام، ويشير إلى أن خيرهما الذي يبدأ بالسلام. كما يُبين فضل الرد على السلام بشكل كامل لتحصيل الأجر الأكبر.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين، نبينا محمد على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله في كتابه الأدب المفرد، في باب من بدأ بالسلام: حدثنا إسماعيل، قال: حدثني أخي، عن سليمان، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عتيق، عن نافع، أن ابن عمر أخبره أن الأغر -وهو رجل من مزينة، وكانت له صحبة مع النبي صلى الله عليه وسلم- كانت له أوسق من تمر على رجل من بني عمر بن عوف، والوسق مكتل يسع ستون صاعا، قال: اختلف إليه مرارا، قال: فجئت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأرسل معي أبا بكر الصديق، قال: فكل من لقينا سلم علينا، فقال أبو بكر: ألا ترى الناس يبدأونك بالسلام فيكون لهم الأجر؟ ابدأهم بالسلام يكون لك الأجر. يحدث هذا ابن عمر عن نفسه. وهذا الحديث حسنه العلامة الألباني رحمه الله. وفيه، كما سمعنا، أن ابن عمر أخبر أن الأغر المزني -رجل من مزينة من الصحابة رضي الله تعالى عنه- كانت له أوسق من تمر على رجل من بني عمر بن عوف، يعني يطالبه بها، فكان يختلف إليه مرارا، يعني يأتي إليه ويطالبه بهذه الأوسق بها أو بثمنها. قال: فجئت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأرسل معي أبا بكر الصديق. القائل: جئت، يعني عمر بن ابن عمر. فكل من لقينا سلم علينا، يعني يبتدئوهم بالسلام. فقال أبو بكر: ألا ترى الناس يبدؤونك بالسلام فيكون لهم الأجر؟ يعني لأنهم ابتدأوا وسارعوا بالسلام. إبداؤهم بالسلام يكون لك الأجر، يعني إذا سارعت بابتداء السلام تتحصل على الأجر، ويكون لك الأجر أعظم وأفضل. قال: يحدث هذا ابن عمر عن نفسه، يعني هذا حصل له بنفسه. ولهذا كان ابن عمر لا يبتدئه أحد بالسلام، كان يسارع ويسابق إلى ابتداء السلام. قالوا: حدثنا عبد الله بن يوسف والقعنبي، قال: أخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن عطاء بن يزيد، عن أبي أيوب، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يحل لمرء مسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث، فيلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام». وهذا الحديث صحيح، وهو في الصحيحين. فالنبي عليه الصلاة والسلام يخبر بحرمة الهجرة أو المهاجرة بين المسلم وأخيه. لا يحل لمرء مسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث، يعني فوق ثلاثة أيام. ومفهوم المخالفة أنه إذا كان أقل من ثلاثة أيام فإنه يجوز. إذا حصل بين المرء وبين أخيه شيء، فوقع في قلبه عليه شيء، يجوز له أن يهجره أقل من ثلاثة أيام. فإذا مرت الثلاثة الأيام فإنه يقطع هذه الهجرة، يقطع هذه المهاجرة. قال: فيلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام. وهذا في الأمور التي تتعلق بالدنيا، خلاف، تخاصم، شجار، فحصل في النفوس شيء، جاز التقاطع أقل من ثلاثة أيام حتى يذهب ما في النفس. وبعد ثلاثة أيام فينبغي أن يبدأ بالسلام، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام. جعل النبي عليه الصلاة والسلام الخيرية فيمن ابتدأ بالسلام. فالذي يبدأ الآخر بالسلام فهو أفضل وخير منه. هذا فيما يتعلق في أمور الدنيا. أما في أمور الدين، إذا كان الهجر لأجل أمر ديني، وكان فيه مصلحة، فيجوز أكثر من ثلاثة أيام. واستدل العلماء بقصة كعب بن مالك وصاحبيه حين هجرهم النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه خمسين ليلة. والشاهد هو قوله عليه الصلاة والسلام: «وخيرهما الذي يبدأ بالسلام». فجعل عليه الصلاة والسلام الخيرية فيمن ابتدأ بالسلام، فدل على أن ابتداء السلام والمسارعة فيه والمسابقة في ابتدائه أفضل وخير وأحسن. فلذلك يحرص المسلم أن يبادر بالسلام إذا لقي أخاه، فيبدأه بالسلام ويسارع بالسلام. قال: باب فضل السلام. قال: حدثنا عبد العزيز بن عبد الله، قال: حدثني محمد بن جعفر بن أبي كثير، عن يعقوب بن زيد التيمي، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، أن رجلا مر على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في مجلس، فقال: السلام عليكم، فقال: عشر حسنات. فمر رجل آخر، فقال: السلام عليكم ورحمة الله، فقال: عشرون حسنة. فمر رجل آخر، فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فقال: ثلاثون حسنة. فقام رجل من المجلس ولم يسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أوشك ما نسي صاحبكم، إذا جاء أحدكم المجلس فليسلم، فإن بدا له أن يجلس فليجلس، وإذا قام فليسلم، ما الأولى بأحق من الآخرة». والحديث صحيح، صححه شيخ الألباني رحمه الله. هذا الحديث فيه بيان ما يتحصل عليه المسلم من الأجر في السلام. ففي هذا الحديث أن رجلا مر على النبي عليه الصلاة والسلام وهو في مجلس، يعني جالس عليه الصلاة والسلام مع نفر من أصحابه، فقال هذا الرجل: السلام عليكم، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: عشر حسنات، يعني في ابتداء السلام بقولك السلام عليكم لك بذلك عشر حسنات. والحسنة بعشر أمثالها، الله عز وجل يضاعف الحسنة بعشر أمثالها، من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها، وهذا من عظيم فضل الله سبحانه وتعالى وكرمه. فعشر حسنات قد تصل بالمضاعفة إلى مئة حسنة. قال: فمر رجل آخر، فقال: السلام عليكم ورحمة الله، زاد ورحمة الله، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: عشرون حسنة، يعني له من الأجر عشرون حسنة. السلام عليكم عشر، ورحمة الله عشر. قال: فمر رجل آخر، فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فزاد وبركاته، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ثلاثون حسنة، يعني من سلم بهذا السلام: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فله ثلاثون حسنة. انظروا ما أعظم هذا الأجر، وما أيسر هذا العمل. تلقى أخاك المسلم فتسلم عليه، تجد هذا الأجر العظيم. ثلاثون حسنة، كم تلقى في اليوم من أصحابك وإخوانك ومن المسلمين الذين تمر عليهم فتسلم عليهم؟ لو قلت في اليوم عشرة، تسلم عشر مرات فقط على أقل تقدير، ستجد ثلاثمائة حسنة. ربما تسلم أكثر من ذلك إذا حرصت على تحصيل هذا الأجر العظيم كلما لقيت أحدا: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ثلاثون حسنة. قال: فقام رجل من المجلس ولم يسلم، أي انصرف من غير أن يسلم، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «ما أوشك ما نسي صاحبكم، إذا جاء أحدكم المجلس فليسلم»، يعني إذا جاء الإنسان إلى مجلس وفيه ناس جلوس يبدأ بالسلام، يسلم. «فإن بدا له أن يجلس فليجلس»، يعني إذا أراد أن يجلس يجلس، وإن أحب أن ينصرف ينصرف يسلم وينصرف. وإذا أحب أن يجلس جلس معهم طيب. فإذا جلس ثم أراد أن يقوم، هل يسلم؟ الجواب: نعم. قال: «وإذا قام فليسلم»، إذا جلس معهم ثم أراد أن يقوم يسلم عند القيام والانصراف. «ما الأولى بأحق من الآخرة»، يعني ما السلام الأول عند المجيء بأحق من السلام الآخر عند الانصراف. فكل السلامين أمر مطلوب، عند المجيء وعند الذهاب والانصراف. وأنت تتحصل بذلك على الأجر، تتحصل على هذه الحسنات الكثيرة، عند أن تسلم سواء كان عند مجيء أو عند ذهابك وانصرافك، فإنك تسلم وتجد هذا الأجر العظيم. بل شرع السلام حتى إذا كان يمشي المرء مع أخيه المسلم، ثم فصل بينهما فاصل، شجرة أو جدار أو غير ذلك، ثم لقيه، فيستحب أن يسلم عليه كما جاء في السنن. وهذا كله مما يؤكد أهمية السلام وفضله، وكذلك ما فيه من الأجر والثواب إذا حرص عليه المسلم. قالوا: حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، عن عبد الملك بن ميسرة، عن زيد بن وهب، عن عمر، قال: كنت رديف أبي بكر، فيمر على القوم فيقول: السلام عليكم، فيقولون: السلام عليكم ورحمة الله. ويقول: السلام عليكم ورحمة الله، فيقولون: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. فقال أبو بكر: فضلنا الناس اليوم بزيادة كثيرة. قالوا: حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، قال: حدثنا شعبة، قال: حدثني عبد الملك، عن زيد، قال: حدثنا عمر مثله. والحديث صحيح، صححه الشيخ الألباني رحمه الله. هذا الحديث يخبر عمر أنه كان رديف أبي بكر، يعني راكب خلفه على الدابة، فيمر على القوم، أي أبو بكر، فيسلم، فيقول: السلام عليكم. إذا مر على القوم يقول: السلام عليكم، فيردون عليه: السلام عليكم ورحمة الله، فيزيدون على سلامه. وإذا قال: السلام عليكم ورحمة الله، قالوا: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فيزيدون على سلامه. فقال أبو بكر رضي الله عنه: فضلنا الناس اليوم بزيادة كثيرة. فضلنا الناس اليوم بزيادة كثيرة، لأنهم زادوا على سلامه. وأبو بكر رضي الله عنه كان من المسابقين والمسارعين في أبواب الخير، فهو يريد أن يسبقهم فيبدأ بالسلام، فيردون السلام بزيادة، فيحصل لهم كذلك فضل أجر بزيادة السلام، وهو يشير بذلك رضي الله عنه إلى فضل رد السلام، وكذلك أيضا الزيادة فيه، فإن ذلك مما يكثر به الأجر. فضلنا الناس اليوم بزيادة كثيرة، لأن الذي يرد عليه إذا قال: السلام عليكم، قالوا: عليكم السلام ورحمة الله، له عشرون، والمسلم له عشر. فإذا قال: السلام عليكم ورحمة الله، رد عليه السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، تحصل الراد على ثلاثين حسنة، والمسلم على عشرين، فصار الأرد أعظم أجر وأكثر. نكتفي بهذا. صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

شاركنا على