الدرس في التعليق على كتاب العلم 63، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يبيّن ابن عثيمين أن الانشغال بالدراسة أو العمل الدنيوي يعذر المسلم عن طلب علوم فرض الكفاية بشرط أدائه فروض العين كتعلم الصلاة والطهارة والعقيدة الصحيحة. ويفرق بين فرض العين الواجب على كل فرد وفرض الكفاية الذي يسقط عن الباقين إذا قام به البعض، مع الحث على طلب ما تيسر من العلم الشرعي بجانب الانشغال الدنيوي.
يؤكد المقطع أن طلب العلم الشرعي أفضل من نوافل العبادات ويجب إعطاؤه جل الوقت لا فضله، مستدلاً بآيات وأحاديث في فضل العلماء. ويبين أن العلماء الممدوحين في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ هم علماء الشريعة الذين أوصلهم علمهم إلى خشية الله واستقامة على أمره، لا من يعلمون أسرار الكون فقط.
يحذر المتحدث من المبالغة في الإعجاز العلمي بالقرآن واعتماد النظريات العلمية المتغيرة دليلاً على صحته، مؤكداً أن الدين جاء كاملاً واضحاً في الكتاب والسنة. ويبين أن الغاية من الخلق هي العبادة لا الانشغال بالإعجاز، وأن علم الكون إن لم يهدِ صاحبه للإيمان والتقوى فلا فائدة منه.
يستدل النص بإحكام الكون وتناسق حركته — كدوران الشمس والقمر وتعاقب الليل والنهار — على استحالة أن يكون الوجود صدفة، مستشهداً بالآية الكريمة التي تصف هذا الإتقان. ويؤكد أن العقل السليم يرفض نسبة هذا النظام الدقيق إلى العشوائية.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: سئل فضيلة العلامة ابن عثيمين عليه رحمة الله، كما في كتابه "كتاب العلم": هل يعذر الشخص بعدم طلبه للعلم بسبب انشغاله بدراسته التي ليس بها طلب للعلم الشرعي، أو بسبب عمله، أو غير ذلك؟ فأجاب فضيلته بقوله: طلب العلم الشرعي فرض كفاية، إذا قام به من يكفي صار في حق الآخرين سنة، إذن يُعذر إن لم يكن هذا العلم فرضاً، سواء كان فرض كفاية أو فرض عين، كما سيأتي. وفرض الكفاية هي الفروض التي لا بد لأفراد من هذه الأمة أن يقوموا بها، فإن لم يقم أحد من هذه الأمة بهذا الأمر آثموا جميعاً. مثلاً علم الفرائض، فالقرية التي لا يوجد فيها عالم بالفرائض تضيع الفرائض، فروض قسمة المواريث تضيع، فإذن وجب وجوباً كفائياً على بعض أهل هذه البلاد أن يتعلموا هذا العلم، وغيرها من العلوم الأخرى. قال: وقد يكون واجباً على الإنسان عيناً، أي فرض عين، كما لو أراد الإنسان أن يتعبد لله بعبادة، الحمد لله، يهديكم الله، كما لو أراد الإنسان أن يتعبد لله بعبادة، فإنه يجب عليه أن يعرف كيف يتعبد لله بهذه العبادة. يعني الأشياء التي كل إنسان مطالب بها لا تتعين على أفراد معينين، بل على كل عين من المسلمين، كتعلم الصلاة، وقبل ذلك شروطها من الطهارة، وتعلم التوحيد والعقيدة الصحيحة حتى يحذر من الشرك والوقوع في الشرك. فهذه العلوم من الفروض العينية، إذ لا يستطيع الإنسان أن يتعبد لله عز وجل إلا بعلم وبصيرة، فإذا كان العلم من هذا النوع فهنا يجب عليه أن يتعلم. فمثلاً الذي يدرس دراسة دنيوية في تلك المدارس النظامية، أو يعمل ومنشغل بعمله، فإنه مطالب بمعرفة هذه العلوم العينية. ليس معنى أنه يُعذر بجهله بأمر الصلاة، فلربما صلى وهو على جنبه، أو صلى وكأنه لم يصل، لا يطمئن في صلاته ولا في سجوده ولا في ركوعه، وكذلك في غيرها من العبادات الأخرى. فلا يمنع من أن يعمل الإنسان ولا يتفرغ تفرغاً تاماً للعلم، لكنه يجب عليه أن يعلم الفروض العينية. أما الفروض الكفائية فكما تقدم، إذا وجد من يقوم بهذه الفروض الكفائية سقط الإثم عن الآخرين. هذا أولاً، قاعدة قرّرها الشيخ رحمه الله قبل تفصيله وإجابته على السؤال. ثم قال رحمه الله: وعلى هذا، فهذا الذي يشغله عن طلب العلم الشرعي حاجة أهله وغير ذلك من الصوارف، مع محافظته على ما يجب الحفاظ عليه من العبادة، نقول: إن هذا معذور ولا حرج عليه. إنسان منشغل بدراسة دنيوية نظامية أو بعمل دنيوي، ليس معنى هذا أن يترك العلم بالكلية وأن لا يتعلم شيئاً من دين الله، لا، وإنما يُعذر إذا قام بالفروض العينية كما تقدم. ولذلك قال: مع محافظته على ما يجب الحفاظ عليه من العبادة، فلا يضيع الصلوات، ولا يفرط في شروطها وأركانها، ولا يجهل أمر العقيدة والتوحيد، فهذا كله مما يجب على كل مسلم، فهذا يُعذر إذا علم هذه الأشياء العينية، فيُعذر. ولذلك قال الشيخ: إن هذا معذور ولا حرج عليه. ولكن انظر كيف أن أهل العلم يحثون ويرغبون فيما هو خير للإنسان في دينه ودنياه، ألا وهو طلب العلم، فلذلك قال: ولكن ينبغي أن يتعلم من العلم الشرعي بقدر ما يستطيع. نعم، الإنسان قد تمر به ضائقة يحتاج إلى أن يكثف جهوده في العمل الدنيوي، ولكن إذا أخذ بغيته وفتح الله عليه لا ينهمك في أمر الدنيا، فالعلم الشرعي لا يُعادله شيء. فمتى ما وجد الإنسان سعة في أمر رزقه فإنه يستغل وقته في طلب العلم النافع، فإن العلم النافع في هذا الزمان خصوصاً عبادة عظيمة لا يعدلها شيء، بل هي كما قرر ذلك الأئمة منهم الإمام الشافعي: طلب العلم الشرعي أفضل من نوافل العبادات، أفضل من نوافل العبادات. فينبغي للإنسان أن يتعلم من العلم الشرعي بقدر ما يستطيع، وأن يعطي العلم جل وقته، لا يعطي العلم ما فضل من وقته، فإن العلم إذا أعطيته كلك أعطاك بعضه، فكيف إذا أعطيته بعض وقتك فإنه يعطيك القليل والقليل. فلذلك ينبغي للإنسان أن يستغل وقته، وأن يعمل بما يكون سبباً في سعادته في دينه ودنياه، ولا شيء يوصل إلى ذلك بمثل العلم، بمثل العلم. قل: هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون؟ العلم الشرعي. قال الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾. وقال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾، فأشهدهم على أعظم مشهود وهو توحيده سبحانه وتعالى، والآيات في هذا كثيرة. قال عليه الصلاة والسلام: «من يرد الله به خيراً يفقه في الدين»، ومفهوم المخالفة: من لم يرد الله به خيراً لا يفقه في الدين. وهكذا الأدلة كثيرة من الكتاب والسنة على فضل العلم، فلا ينبغي أن يشغل الإنسان نفسه بغير العلم. سئل فضيلة الشيخ رحمه الله: ما المقصود بالعلماء في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾؟ فأجاب بقوله: المقصود بهم العلماء الذين يوصلهم علمهم إلى خشية الله، وهم علماء الشريعة، فإن العالم يطلع على أسرار هذه الشريعة، العالم يعلم من أسماء الله وصفاته ما يوجب اليقين في قلبه وما يؤثر في سلوكه وعمله، فإن العالم يعبد الله سبحانه وتعالى فتؤثر فيه هذه العبادة فيكثر منها وتكون سبباً في زكاة نفسه وفي صفاء قلبه. فبهذا العلم النافع هو الذي يوصل إلى خشية الله، مهما حفظ الإنسان ومهما جمع من المعلومات ومهما حفظ من المحفوظات، إن لم يسوقه ذلك العلم إلى خشية الله فهو علم لا ينفع، وتعوذ النبي عليه الصلاة والسلام من علم لا ينفع. فالعالم الرباني هو الذي يؤثر فيه العلم، فكلما ازداد علماً ازداد خشية لله سبحانه وتعالى. فهؤلاء هم العلماء المراد بهم في هذه الآية: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾. فالمقصود بهم الذين يوصلهم علمهم إلى خشية الله. فإذا رأيت العالم متقياً لله عز وجل، خائفاً من الله سبحانه وتعالى، مستقيماً على أمر الله، فعلم أن هذا العالم هو العالم الرباني الذي مدحه الله عز وجل في هذه الآية وفي غيرها من الآيات. هذا هو العالم الذي يوصله علمه إلى خشية الله، ما يأكل الحرام، ولا يكذب، ولا يسب، ولا يشتم، ولا يميل إلى شهوة ولا إلى شبهة، تجده مستقيماً على شرع الله وعلى دين الله، قدوة لغيره، قدوة لغيره، ترى أثر العلم على جوارحه، فهذا هو العالم الممدوح وهو المراد به في هذه الآية: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾. قال: وليس المراد بالعلماء من علموا شيئاً من أسرار الكون، كأن يعلموا شيئاً من أسرار الفلك وما أشبه ذلك، أو ما يسمى بالإعجاز العلمي. فالإعجاز العلمي في الحقيقة لا ننكره، لا ننكر أن في القرآن أشياء ظهر بيانها في الأزمنة المتأخرة، لكن غال بعض الناس في الإعجاز العلمي حتى رأينا من جعل القرآن كأنه كتاب رياضيات، وهذا خطأ. فنقول: إن المبالغة في إثبات الإعجاز العلمي لا تنبغي، لأن هذه قد تكون مبنية على نظريات، والنظريات تختلف، فإذا جعلنا القرآن دالاً على هذه النظرية ثم تبين بعد أن هذه النظرية خطأ، معنى ذلك أن دلالة القرآن صارت خاطئة، وهذه مسألة خطيرة جداً. نعم، وكثير من عامة الناس يميلون إلى هذا الإعجاز وهذا خطأ، وبعضهم يغالي في هذا الإعجاز فله أشرطة، وله كذلك النظريات التي يريد أن يدلل بها على صحة هذا الدين، وهذا خطأ، فإن دين الله سبحانه وتعالى قد أوضحه نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم أتم إيضاحه وبيانه. قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَنَزَّلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾، وقال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾، ما فرطنا في الكتاب من شيء. فلله الحمد والمنة، دين الله بين واضح. وكما ذكر الشيخ، أهل العلم لا ينكرون الإعجاز لكن لا يغالون فيه، ولا يجعلونه العمدة ويهملون ويزهدون في طلب العلم الشرعي، فهذا هو المراد. قال: وكما ذكر، ربما بعض هذا الإعجاز مبني على نظرية، فقد تكون هذه النظرية خاطئة، فربما يُنسب إلى القرآن الخطأ بسبب خطأ هذه النظرية. والنظرية هي أمور يقول بها بعض هؤلاء علماء الفلك، يريدون الوصول إلى حقيقة معينة، ثم بعد ذلك لا يستطيعون الوصول إلى هذه الحقيقة، لا يستطيعون الوصول إلى هذه الحقيقة، فتفشل هذه النظرية، تفشل هذه النظرية. قال: والآن يا إخواني، الله عز وجل اعتنى في الكتاب والسنة ببيان ما ينفع الناس من العبادات والمعاملات، ولهذا بيّن دقيقها وجليلها، حتى آداب الأكل والجلوس والدخول وغيرها، بل حتى آداب قضاء الحاجة. انظر حديث ذاك الكافر الذي قال: إن نبيكم علمكم كل شيء حتى الخراءة، يعني حتى آداب قضاء الحاجة. والحديث من حديث سلمان الفارسي الصحيح: إن نبيكم علمكم، قال لسلمان: «إن نبيكم علمكم كل شيء حتى الخراءة»، يعني حتى قضاء الحاجة، فقال سلمان: أجل، يعني نعم، قد علمنا النبي صلى الله عليه وسلم ألا نستقبل القبلة ببول ولا غائط، وأن لا نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار، فأقره سلمان رضي الله تعالى عنه، وكانوا يعلمون ذلك. فالكتاب والسنة فيهما كل ما يحتاج إليه الناس في أمر دينهم ودنياهم، فلا يحتاج إلى نظريات، ولا يحتاج إلى دلالات، فهو أدل وأوضح من أن يستدل عليه. قال: ولهذا بيّن دقيقها وجليلها، حتى آداب الأكل والجلوس والدخول وغيرها. لكن علم الكون هل جاء على سبيل التفصيل؟ ولذلك فأنا أخشى من انهماك الناس في الإعجاز العلمي أن يشتغلوا به عما هو أهم. إن الشيء الأهم هو تحقيق العبادة، لأن القرآن نزل بهذا. قال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾، فأنت مأمور بعبادة الله عز وجل وبطاعة الله سبحانه وتعالى، لا الانشغال بمثل ذلك من الإعجاز. قال: أما علماء الكون الذين وصلوا إلى ما وصلوا إليه فننظر: إن اهتدوا بما وصلوا إليه من العلم واتقوا الله عز وجل وأخذوا بالإسلام صاروا من علماء المسلمين الذين يخشون الله، فيدفعهم هذا العلم إلى الإقبال على دين الله والتفقه في شرع الله، فإن فقهوا وعلموا وصلوا إلى هذه المرتبة، مرتبة العلماء. وإن بقوا على كفرهم وقالوا: إن هذا لكل له محدث، فإن هذا لا يعدو أن يكونوا قد خرجوا من كلامهم، يعني له خالق، قد خرجوا من كلامهم من الأول إلى كلام لا يستفيدون منه لأنهم لم يؤمنوا، فما الفائدة من قولهم هذا، ولا يزالون على كفرهم. قال: فكل يعلم أن لهذا الكون محدثاً، لأن هذا الكون إما أن يحدث نفسه، وإما أن يحدث صدفة، وإما أن يحدثه خالق وهو الله عز وجل. فكونه يحدث نفسه مستحيل، لأن شيء لا يخلق نفسه، لأنه قبل وجوده معدوم، فكيف يكون خالقاً؟ ولا يمكن أن توجد صدفة، لأن كل حادث لا بد له من محدث، يعني كل مخلوق لا بد له من خالق. ولأن وجوده على هذا النظام البديع والتناسق المتآلف والارتباط الملتحم بين الأسباب ومسبباتها وبين الكائنات بعضها مع بعض، يمنع منعاً باتاً أن يكون وجوده صدفة، إذ الموجود صدفة ليس على نظام في الأصل. انظر إلى هذا الكون: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾، غاية في الإتقان والإحكام، فهل هذا صدفة؟ لا يقول بذلك من عنده ذرة عقل. قال: إذ الموجود صدفة