الدرس في شرح مسائل الجاهلية 111، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يشرح هذا الفصل المسألة الخامسة بعد المئة من رسالة المؤلف 'مسائل الجاهلية' وهي الكفر بالكتب السماوية، ويبين أهمية الإيمان بالكتب في الإيمان الصحيح. يُؤكد أن الإيمان بالكتب يشمل التصديق بأنها من عند الله.
الإيمان بالكتب السماوية يشمل الإيمان بأسمائها وأخبارها، ونؤمن بما صح من أخبارها، مثل ما جاء في القرآن وصحف إبراهيم وموسى. كما نؤمن بأن هذه الكتب قد اعتراها النسخ والتبديل، فلم يبق العمل إلا بما في القرآن.
يشرح هذا الفصل أن الكتب السماوية السابقة نسخت بالقرآن، ولا يجوز العمل بها لما فيها من تحريف وتغيير. يؤكد أن الإيمان بجميع كتب الله شرط من شروط الإيمان، لكن مع نسخ الكتب السابقة بالقرآن، لا يبقى إلا العمل بالقرآن.
يتضمن هذا الفصل دعاءً بأن ينفع الله تعالى بما قيل، ويصلي على النبي محمد وعلى آله وصحبه، مع التأكيد على علم الله تعالى المطلع.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فأنا استأنف إخواني في الله ما مضى من دروس خلت من رسالة المؤلف رحمه الله تعالى، المسمى بمسائل الجاهلية. قال المؤلف رحمه الله تعالى: الخامسة بعد المئة، الكفر بالكتب. أي من خصائص ومسائل أهل الجاهلية أنهم كفروا بالكتب. وهنا قوله رحمه الله تعالى: الكفر بالكتب، الكتب جمع كتاب، وكتاب مصدر، كتب يكتب كتابًا، وكتاب هنا بمعنى مكتوب، والمُراد هنا بالكتب أي الكتب السماوية، الكتب المنزلة التي أنزلها ربنا جل وعلا على أنبيائه وعلى رسله. فكان من شيمة ومن صور ومن صفة أهل الجاهلية أنهم كفروا بكتب الله سبحانه وتعالى التي أنزلها على أنبيائه. ولو تلاحظون إخواني في الله، أو من كان معنا في أوائل الدروس التي ألقيت من هذه الرسالة، تجد أن هذه الفقرة قد مرت مثيلاتها معنا، ففي بعض الفقرات مر معنا قول مؤلف رحمه الله تعالى: أن من مسائل الجاهلية أنهم يكفرون بآيات الله، وهذا قد مر معنا، وذكرنا أن آيات الله سبحانه وتعالى منها الآيات الكونية ومنها الآيات الشرعية. ومر معنا كذلك من مسائل الجاهلية الجحد بآيات الله، ومر كذلك ما يتعلق بصفة أهل الجاهلية أنهم أهل جحود لكتب الله سبحانه وتعالى، ومر معنا كذلك لي الألسنة أنهم يلوون ألسنتهم بكتاب الله سبحانه وتعالى، وقسمنا هناك اللي إما باللي اللفظي أو اللي المعنوي. فتلاحظون، فهذه فقرة إخواني في الله، الكفر بالكتب، قد مرت معنا ما يتعلق بمثيلاتها وأشباهها ونظائرها، حتى أن جماعة من الشراح عندما بلغوا إلى هذه الفقرة ما عرجوا عليها بكبير شرح لأنها قد مرت. فالحاصل إخواني في الله، قال المؤلف رحمه الله تعالى: الخامسة بعد المئة، الكفر بالكتب، لكن المؤلف رحمه الله تعالى ناسب أن يعيد هذه الفقرة في هذا المكان لأنه ذكر موقف أهل الجاهلية من أركان الإيمان، فقد ذكر الكفر بالملائكة، الكفر بالرسل، فناسب أن يذكر الكفر بالكتب. والإيمان بالكتب إخواني في الله من أصول الإيمان، ولا يصح الإيمان إلا في حق من آمن بكتب الله جل وعلا. فلو أن رجلًا ادعى أنه آمن بالله، آمن بخالقه ومولاه، إلا أنه كفر وجحد وأنكر كتب الله سبحانه وتعالى، فإن إيمانه لا يكفي، وإن إيمانه لا يجزئ حتى يؤمن بكتب الله سبحانه وتعالى. يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله والكتاب الذي أنزل من قبل. أما ربنا جل وعلا بالإيمان بجميع الكتب، بجميع الكتب. وأيضًا في قوله تعالى: ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والملائكة والكتاب. وقد ذكر ابن كثير رحمه الله تعالى أن كلمة الكتاب هنا قال: وهو اسم جنس يشمل جميع الكتب المنزلة، اسم جنس يشمل جميع الكتب المنزلة. إذن لا يتم الإيمان إخواني في الله إلا بالإيمان بالكتب. وقد ذكر العلماء أن الإيمان بالكتب يكون بعدة أمور، الأمر الأول التصديق بأنها من عند الله سبحانه وتعالى، التصديق بأنها من عند الله سبحانه وتعالى، فليست هي من قول بشر، وليست هي من اختراع الأنبياء كما يدعي أهل الكفر والشرك والإفك، لا بل هي منزلة من عند الله سبحانه وتعالى. والكتب التي أنزلها ربنا سبحانه وتعالى وهي من عنده جل في علاه، منها ما كان منه مسموع سبحانه وتعالى، ما كان منه مسموع من وراء حجاب، ومن كتب الله سبحانه وتعالى ما كان عن طريق الرسول الملكي، بلغه إلى الرسول البشري، أي عن طريق الوحي. ومن كتب الله سبحانه وتعالى ما كتبه ربنا سبحانه وتعالى بيده، ما كتبه ربنا سبحانه وتعالى بيده. فهذه كلها صور كتب الله سبحانه وتعالى، منها ما كان منه مسموع جل في علاه من وراء حجاب، ومنه ما كان عن طريق وحي أنزل به ربنا جل وعلا ملكًا لأنبيائه ورسله، ومنها ما كتبه ربنا سبحانه وتعالى بيده جل في علاه. فإذا نؤمن ونذعن بأن هذه الكتب هي منزلة من عند الله سبحانه وتعالى، ومن اعتقد أنها من عند غير الله فقد كفر. وكذلك من الإيمان بالكتب الإيمان بأسمائها، الإيمان بأسمائها، وما سمى الله به سبحانه وتعالى بعضها، فقد جاءت القرآن بذكر أسماء بعضها، فمن ذلكم التوراة وهي من أعظم كتب بني إسرائيل، أنزلها ربنا سبحانه وتعالى على موسى، وهناك كذلك الإنجيل الذي أنزله ربنا سبحانه وتعالى على عيسى، وهناك الزبور على داود، وهناك الصحف على إبراهيم، وهناك أسماء كتب لا نعلمها لكن نؤمن بها إجمالًا. وهل هناك مسألة يذكرها بعض العلماء وهي متعلقة بالإيمان بالكتب؟ هل هناك فرق بين التوراة التي أنزلها ربنا سبحانه وتعالى على موسى وبين الصحف التي أنزلها ربنا على موسى؟ فقد جاءت الآيات الدالة على أن الله أنزل التوراة على موسى، وجاءت آيات أن الله سبحانه وتعالى أعطى موسى الصحف، صحف إبراهيم وموسى، فموسى له صحف. فهل الصحف هي هي التوراة أم هناك فرق؟ على خلاف بين علماء من أهل العلم، منهم من لا يرى هناك فرقًا، بل يرى التوراة هي الصحف وصحف التوراة. ومن أهل العلم من استظهر الفرق، وأن هناك فرقًا بين التوراة وهي عبارة عن كتاب مستقل أوحاه ربنا سبحانه وتعالى إلى موسى، وهناك الصحف هي ليست كتاب مستقل بل هي صحف أنزلها ربنا وخطها بيده جل في علاه. فمن أهل العلم من يفرق بهذا الفارق بين الصحف وبين التوراة. فبالجملة إخواني في الله نؤمن بما صح من أسمائها الذي جاء به الأدلة. كذلك من الإيمان بالكتب الإيمان بما صح من أخبارها، بما صح من أخبارها، فكل ما جاء الدليل على صحة خبر من أخبارها فإننا نصدق به. فمثل القرآن كله صحيح فنؤمن ونصدق بما في القرآن، وهكذا جاءت الأدلة ببعض الأخبار الموجودة في صحف إبراهيم، ببعض الأخبار الموجودة في التوراة، فإننا نؤمن بها. قال ربنا جل وعلا: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾، إذن هذه الآيات بل تؤثرون الحياة الدنيا هذا موجود في صحف إبراهيم، موجود في صحف موسى. قال ربنا جل وعلا: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَى أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾، هذه الكلمات وجدت في صحف إبراهيم عليه السلام. وهكذا من نظر في السنة أخبر نبينا عليه الصلاة والسلام عن بعض الآثار وعن بعض العبارات التي وجدت في صحف إبراهيم، ووجد في الإنجيل، فكان نبينا يقرأها على أصحابه. فما ثبت به الدليل أن هذا من التوراة، وهذا من الإنجيل، فإننا نصدق بأن هذا كان من أخبارهم، نصدق بأن هذا من أخبارهم. وهكذا يا عبد الله، من الإيمان بالكتب أن نؤمن بأن هذه الكتب قد اعتراها النسخ، قد اعتراها النسخ واعتراها التبديل، فما بقي العمل إلا بما في القرآن، ما بقي العمل إلا بما في القرآن، فحسب، وليجوز أن نعمل بغيره. وقد جاءت الأدلة الكثيرة الدالة من القرآن والسنة على هيمنة القرآن على كل الكتب، ولم يبق منها إلا كتاب الله سبحانه وتعالى. لغة صحة في السنن من حديث عمر، عندما رأى تلكم القصاصة من التوراة، فذهب بها مستبشرًا إلى نبينا عليه الصلاة والسلام، فغضب عليه الصلاة والسلام من فرحه بهذه القصاصة، وقال: «لقد جئتكم بها بيضاء نقية، والله لو كان موسى حيًا لما وسعه أن يتبعني». قال في مطلعها: «أمتهوك أنت يا ابن الخطاب؟ لقد جئتكم بها بيضاء نقية، لو كان موسى حيًا لما وسعه إلا أن يتبعني»، دل ذلك على أن ما يوجد، وعلى أن إذا وجد شيء من التوراة، ووجد شيء من الإنجيل، فلا يكون العمل بما فيها لأنها قد ألغيت، وأنها قد نسخت، وذلك بما اعتراها من التبديل وبما اعتراها من التحريف. هكذا إخواني في الله ينبغي، وما في القرآن غنية، وما في القرآن غنية، فإن الله جل وعلا قد جعل القرآن يشتمل بجميع ما كان في الكتب السالفة، كل ما كان في الكتب السالفة من مضامين ومفاهيم ومعاني قد أوجده ربنا جل وعلا في كتابه المقدس، في كتابه القرآن الكريم. فشمل جميع الأشياء لا يعزب عنه شيء، وهذا من رحمة الله ومن فضل الله ومن شرف ليلة هذه الأمة المحمدية، أن جعل كتابها الشامل والخاتم لجميع الكتب ولجميع الرسالات. فكان الكتب السالفة في بعضها المواعظ والرقائق، وكان في بعضها الأمثال والحكم، وكان في بعضها الأمر والخبر والاستخبار. هذا كنعم كتب السماوية كانت تختلف في مضامينها وفي معانيها، لكن كل ذلك جمع في كتاب الله سبحانه وتعالى، ففيه المواعظ، وفيه الرقائق، وفيه الحكم، وفيه الأمثال، وفيه الأمر، وفيه الاستخبار، فيه كل شيء. وهكذا ما زاد عنها وغصها عن نبينا عليه الصلاة والسلام، أنه قال: بأن الله سبحانه وتعالى جعل لي مكان التوراة السبع الطوال، وجعل مكان الزبور المئين، وجعل لي مكان الإنجيل المثاني، وفضلت بالمفصل، وفضلت بالمفصل. فالتوراة والإنجيل والزبور وكل ما كان من الكتب السالفة أوجدها ربنا جل وعلا في القرآن، وأيضًا فضل نبينا بما زاد عنها. وبهذا إخواني في الله نعلم أن لا يجوز بعد ذلك أن يأتي آث ويقول: بأن الكتب السماوية أنها كتب باقية على هيمنتها، ويجوز العمل بما فيها، لا، لا يجوز العمل بالكتب السالفة السابقة، فإنها قد نسخت، فإنها قد نسخت، فلا يبقى إلا القرآن. وأما تلك المدعاة التي نسمعها بين الفينة والأخرى التي تدعو إلى جمع الكتب في كتاب واحد، وهذا مشروع قد ذكر قديمًا، وحاول بعضهم أن يطبقه حديثًا، فأن يجمع ما يسمى بالكتاب المقدس، ما هو الكتاب المقدس؟ كتاب كامل، كتاب واحد يشمل في مطلعه على القرآن وعلى الإنجيل وعلى التوراة. يبقى هذا الكتاب في الأماكن المقدسة، في الديار، في الأصمعة، في الكنائس، في مساجد، في مصليات، يوجد هذا الكتاب المقدس، تدقله كمقدس، إن شئت فتحت القرآن، وإن شئت فتحت الإنجيل، وإن شئت فتحت التوراة، وهذا ردة، هذه ردة، لماذا؟ لأنه كفر بكتب الله سبحانه وتعالى، لأن الله قد أخبر أن هذه الكتب قد صحفت وبدلت ونسخت وغيرت، فكيف تعمل بما فيها؟ لأن هذه بحق ليس هي كلام الله، بل هذه كلام البشر، كلام الأحبار، كلام القسيسين الذي دس فيه الشيء العظيم الذي تقشعر منه الأبدان. فبالله عليك، أتقرأ يا عبد الله التوراة هذه تسمى التوراة عند اليهود، وهي محرفة، أتقرأ فيها الطوام الذي كتبوها عن أنبياء الله جل وعلا؟ اليهود نسبوا في كتابهم المزور المسمى المقدس، نسبوا فيه أن سليمان عليه السلام ارتد وأنه عبد الأصنام، وأن هارون عليه السلام هو ممن صنع العجل، وأن لوط عليه السلام شرب الخمر وسكر حتى زنى، هذا موجود في كتبهم. أترضى أن يجعل هذا في كتاب الله سبحانه وتعالى، ويضم مع القرآن؟ وأما في النصارى فحدث ولا حرج، فجاء في بعض إصحاحاتهم، وفي بعض أناجيلهم أن اليسوع على حد زعمهم حكم على أنبياء بني إسرائيل أنهم كانوا نصوصًا، وكانوا سرقًا، وأن منهم من كان زانيًا، أعوذ بالله، هذا موجود في كتبهم. فكيف بعد ذلك تطنطل مثل هذه الحيلة، ويأتي من يأتي من الأفاكين، ويجعل هذه الكتب كلها كتبًا على حد سواء، ويعمل بما فيها، ويعتقد بما فيها؟ لا، لا يعبد الله، فإن القرآن قد جاء وهيمن على جميع الكتب، فلا يتعبد إلا بكتاب الله سبحانه وتعالى. فالحاصل إخواني في الله أن أهل الكفر وأهل الجاهلية كانوا مع كتب الله سبحانه وتعالى على مذاهب ثلاث، أهل الجاهلية كانوا مع كتب الله على مذاهب ثلاث، منهم من أنكرها جميعًا، جحدها، كذب بها، كفر بما فيها، كحال أهل الكفر، كحال أهل الشرك، كحال الفلاسفة. ومنهم من كان دون ذلك، كليهود والنصارى، آمن ببعض الكتاب وكفر ببعض الكتاب، آمنوا بما أنزل عليهم ويكفرون بما وراءه، وهؤلاء كذلك هم كفار حقًا. أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض؟ فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا، فهذا كافر بإجماع الأمة. الصنف الثالث هم الذين آمنوا بجميع الكتب، آمنوا بجميع الكتب بكتب الله سبحانه وتعالى، فلم يفرقوا بين كتاب وكتاب، وكما قال ربنا جل وعلا: ﴿وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ﴾، وفي قوله تعالى: ﴿وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ﴾، وتؤمنون بالكتاب كله، فمن صفات أهل إيمان أنهم يؤمنون بجميع الكتب، لا يفرقون بين شيء من كتب الله سبحانه وتعالى. فمن فرق، ومن كفر بكل الكتب، أو جحد بعضها وآمن ببعضها، فهذا كله في صميم أهل الكفر. فهذا إخواني في الله سورة عجالة، وإلا كما قلنا بعض المسائل وغيرها مما قد ذكرت في دروس ماضية، يراجع في مضانها. فأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.