شرح مسائل الجاهلية  119

شرح مسائل الجاهلية 119

الدرس في شرح مسائل الجاهلية 119، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقدمة في لبس الحق بالباطل وكتمان الحق

يتناول المقطع الأول موضوع لبس الحق بالباطل وكتمان الحق، ويبين انتشار هذه الخصال في أهل الجاهلية وأهل الكتاب ونهي الله عنها. يشرح أيضا كيف يتم إضلال الآخرين بلبس الحق بالباطل أو بكتم الحق.

تفسير لبس الحق بالباطل وتطبيقاته

يفسر المقطع الثاني معنى لبس الحق بالباطل في الآية الكريمة، ويشير إلى خلط الحق بالباطل وتغييره، ويعطي أمثلة على ذلك من كلام اليهود وأهل البدع.

تحذير من خلط الأديان والثقافات بالإسلام

يناقش المقطع الثالث خطورة خلط اليهودية والنصرانية بالإسلام، ويشير إلى أن بعض المسلمين يخلطون بين دينهم وبين ثقافات أخرى، مما يؤدي إلى الجهل بمبادئ الدين وثوابته.

خاتمة الخطبة والدعاء

يتضمن المقطع الرابع دعاء بأن ينفع الله المستمعين ويجعلهم من أهل الهداية، ويختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: الثالثة عشر بعد المئة، لبس الحق بالباطل. وأيضا هذه عادة من عادات أهل الجاهلية، والتي تواطأ عليها أهل الكفر بشتى صورهم واختلاف نحلهم ومشاربهم، من يهودية ونصرانية وبوذية، ومن مشركي العرب، أنهم كانوا يلبسون الحق بالباطل. ولعظم هذا المأخذ الذي أخذ عليهم، فإن الله سبحانه وتعالى نهاهم عن ذلك، نهاهم على أن يلبسوا الحق بالباطل، فقال سبحانه: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، فنهاهم أن يلبسوا الحق بالباطل. وكانت هذه المسألة أكثر ما كانت موجودة في أهل الكتاب من اليهودية والنصرانية، ابتلوا بهذه الخصلة بكثرة عن سائر الأمم والأديان، لأنهم ممن علم الحق، فكانت هذه المؤاخذة فيهم أكثر وأفحش. ومن هنا جاءت الآيات الدالة والخاصة بحق هذه المسألة في أهل الكتاب. قال ربنا جل وعلا: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، هم لبسوا الحق بالباطل وكتموا الحق، فعلوا هذه المناهي، اللبس والكتمان، لألبسوا الحق بالباطل، هذه خصلة، وكتموا الحق، وهي الخصلة الثانية، وهذا على خلاف ما أمرهم به ربنا سبحانه وتعالى. فإن الله جل في علاه أمرهم بإظهار الحق، بل وأخذ عليهم من أهل الكتاب خاصة، أخذ عليهم العهود والمواثيق على ترك هذه الخصلة، فقال سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾. انظر لهذه الآية، فيها الأمر، وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه، إذن أمرهم بأمرين. وفي آية أخرى نهاهم عن شيئين، نهاهم عن اللبس، لبس الحق بالباطل، ونهاهم عن كتمان الحق. وفي هذه الآية التي أخذ عليهم ربنا الميثاق، أمرهم بأمرين، أمرهم بعدم الكتمان، وأمرهم بالبيان، لتبيننه للناس، فدل ذلك على أن ترك اللبس إنما يكون بالبيان الحق. فأنت يا عبد الله بين أمرين، إما أنك تلبس الحق بالباطل، فحينئذ وقعت في خصال أهل الجاهلية، أو أنك تبين الحق، تجعله واضحا موضحا لا لبس فيه. وهذه فائدة نبأ عليها بعض العلماء، قال أهل العلم: أن إضلال الآخرين، تريد أن تضل أناسا من الناس عن الصراط المستقيم، إنما يكون بأمرين اثنين. إضلال الآخرين إنما يكون بأمرين اثنين، وهذا على حسب ما عندهم من دلائل الحق. فإن كان هذا الغير قد سمع بدلالة الحق، فإضلاله أنك تلبس عليه، وإن كان الغير لم يسمع بدلائل الحق، فإضلاله هو أنك تبتم عليه الحق، فلا تجعل الحق يصل إليه. فهذه إخواني في الله من أعظم صور الإضلال، إضلال الغير. إذا أردت أن تضل غيرك، فأنت على أمرين، تنظر لهذا الغير، هو بين أمرين، إما أن الحق تبلغه، أو أن الحق لم يبلغه. فإن بلغه الحق وأردت إضلاله، فحينئذ عليك أن تدخل في اللبس، تلبس عليه هذا الحق. واللبس موضوعه طويل، يدخل في ذلك التغيير، يدخل في ذلك التصحيف، يدخل في ذلك التحريف، يدخل في ذلك التبديل، صور كثيرة، أنك تلبس الحق الذي عنده. وإن كان هذا الغير لم يصل إليه الحق، فكيف تضله؟ تضله يا عبد الله بأنك تبعده الحق عنه، وتجعل الحق لا يوصل لهذا الغير. فذلك كذلك طريقة من إضلاله، إذن إما اللبس وإما الكتمان. ولهذا جمع ربنا جل وعلا بينهما: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، فنهاهم ربنا عن اللبس وعن الكتمان، لأن هذه من أعظم صور إضلال الغير. وحتى أن المؤلف رحمه الله تعتنبه لهذه المسألة، فتجد هذه المسألة بين أيدينا، مثلا قال: لبس الحق بالباطل، وسيأتي الذي بعدها: كتمان الحق، إذن هذه مسألة وهذه مسألة. إذن المسألة التي بين أيدينا إخواني في الله، وهي التي نهى ربنا جل وعلا عنها أهل الكتاب، أنهم لا يلبسون الحق بالباطل. وهذه آية جاءت عامة لجميع الأديان والملل، وجاءت خاصة بأهل الكتاب، لأن البلية قد عظمت فيهم. نأتي إلى مسألة: ما معنى اللبس هنا يا أهل الكتاب؟ لما تلبسون الحق بالباطل؟ قال العلماء من أهل التفسير: يحتمل هنا أن اللبس مأخوذ من اللباس، تقول: لبس الثوب، ويكون هنا بمعنى: لا تغطوا الحق بالباطل، أي كأنك تجعل الباطل مثل الستار تسدله على الحق. والمعنى الثاني، وهذا الأشهر عند العلماء، بأن لا تلبسوا الحق بالباطل، أن اللبس هنا بمعنى الالتباس، بأن يكون مشتبه، بأن يكون غير واضح. وفسّر العلماء اللبس هنا بمعنى الخلط، بمعنى المزج، أي تمزج الحق بالباطل وتخلط الحق بالباطل، بحيث لا يتميز. قال المفسرون: كأن الأمر اختلط عليهم. فاللبس بمعنى الاختلاط، بمعنى المزج، بمعنى الخلطة، بحيث لا يتميز. ومنه قول علي رضي الله تعالى عنه للحارث: «إنه ملبوس عليك، إن الحق لا يعرف بالرجال»، قوله: ملبوس عليك، أي اختلط عليك الأمر. إذا معنى هذه الآية: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾، أي لا تمزجوا الحق بالباطل. وعلى هذا جرى كلام العلماء على هذه الآية. وأما الباطل، فمعناه: الزائل، ألا كل شيء ما خلا الله فهو باطل، أي زائل. قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، قصدنا الشطر الأول من الآية. فإذا معنى ذلك أنكم، كما قال العلماء: وإن كانت هذه الآية نزلت في أهل الكتاب، فإن الله أمر الأحبار منهم والرهبان أنهم لا يمزجون الحق بالباطل ليضلوا الناس. وهذا موجود، كما قال أبو العالية وجماعة من العلماء: كيف كان ذلك؟ مثاله: كان اليهود من أحبار اليهود يقول لأتباعهم، مثلا من باب إلباس الحق بالباطل، يقول: نعم، إن محمدا مبعوث، لكن ليس إلينا، وإنما لطائفة من العرب. هذا الذي ذكره العلماء كأبي العالية وجماعة من السلف، واضحة على كيفية الإلباس الحق بالباطل. فتجد أنهم أتوا بحق، ما هو الحق الذي أتوا به؟ وهو إقرارهم ببعثة النبي عليه الصلاة والسلام، لكن ما هو الباطل الذي أدخلوه؟ حين قالوا بأن دعوته عليه الصلاة والسلام مختصة بطائفة من العرب، فأدخلوا الحق بالباطل، فتم التغيير، فأصبح الكثير من أتباع اليهودي على هذا الفهم، وهذا منهم جحود لدين الله وكفران لشرع الله سبحانه وتعالى. وهذه حيلة، وغالب ما ذكره المؤلف رحمه الله تعالى من أول رسالة إلى هذه الفقرة، كل ذلك من الحيل، وكل ذلك من التلبيس في دين الله سبحانه وتعالى. فإذن معنى هذه الآية، أو من صور هذه الآية، أنهم يدخلون الحق بالباطل، وذلك مثل ما مثله العلماء، كأن يقولوا بأن محمدا مبعوث، لكن ليس إلى كل الناس، وإنما إلى طائفة. وعلى هذا فسّر العلماء هذه الآية، كما قال ابن عباس رضي الله تعالى عنه: أي لا تخلطوا ما عندكم من الحق في الكتاب بالباطل، وهو التغيير والتبديل. ويلحق بذلك كذلك ما عليه جماعات من أهل البدع، عندما أقدموا على كتاب الله سبحانه وتعالى، فغيروا وبدلوا وحرفوا وصحفوا، كل ذلك من إلباس الحق بالباطل. وكذلك قال العلماء: من إلباس الحق بالباطل، إيراد الشبهات على القرآن وعلى أحكام القرآن، هذا كذلك من إلباس الحق بالباطل. وأيضا إخواني في الله، ما جاء عن بعض المفسرين، كما نقل ذلك عن مجاهد وعن قتادة رحمهم الله تعالى، أنهم قالوا: أي لا تخلطوا اليهودية بالإسلام. وهذا من لبس الحق بالباطل، ومنهم من قال: لا تخلطوا اليهودية والنصرانية بالإسلام، وهذا قول قوي جدا وجيه. وإن كان قول ابن عباس أعم، لكن قول قتادة ومجاهد فيه خصوصية، أي أنكم لا تخلطوا دين اليهودية ودين النصرانية بالإسلام. وهذه الظاهرة إخواني في الله موجودة الآن، كيف الخلط؟ الخلط يا عبد الله، أنك ترجع إلى دين الله جل وعلا، إلى شريعة رب العالمين الموجودة في الكتاب والسنة، ثم تنظر إلى واقع الناس وما هم عليه من تدين لله سبحانه وتعالى، إما في تدينهم، وإما كذلك فيما عليه من مدنية، وما علق في الحياء المادية. تجد أن هناك أصابع يهودية وأصابع نصرانية موجودة في حياتنا، موجودة في أفكارنا، بل منها ما أدخلناه في دين الله سبحانه وتعالى، للأسف. تجد أن بعض الناس ممن يقول أنهم على الإسلام، قد تستمسك بالإسلام، تجد أن هناك ثقافات، ثقافة يهودية، ثقافة نصرانية، ثقافة بوذية، ثقافة إلحادية، موجودة في دين الإسلام. تجد هناك من المسلمين من يطالب بإدخال الاشتراكية في دين الله، وما دخل الاشتراكية في الإسلام؟ أو التحاكم إلى الأنظمة الوضعية، هذا ليس من دين الله سبحانه وتعالى. تجد أن بعض المسلمين إخواني في الله ممن لبس عليه الحق بالباطل، كما قال قتادة: أي لا تخلطوا اليهودية بالإسلام. تجد أن بعض الناس سيأتي ببعض الثقافات الاستعمارية، اليهودية النصرانية اللادينية، أي الإلحادية، ويدخلون في صميم الدين، في صميم الدين. تجد أن كثيرا من الناس من ينادي بالديمقراطية، ويجعل أن الديمقراطية هي الشورى، فيا عبد الله أين الديمقراطية وأين الشورى؟ بعيد كل البعد، ديمقراطية دين الكفر، ليس من الله، الإسلام الشورى مبدأ إسلامي. لكن من خلط الناس في الأوراق، يرون أن الديمقراطية هي هي الشورى، فأصبح يطالبون بإدخالها، بل بتنفيذها، بل يرحبون بها، ويرحبون بها. وهكذا قس في حياة الناس، الكثير ممن يطالب بحرية الاعتقاد، بالرأي والرأي الآخر، أهذا هو دين الإسلام؟ أهذا هو دين الإسلام؟ الرأي والرأي الآخر، يتكلم من يشاء، الملحد يتكلم، وأين قول ربنا سبحانه؟ وقول نبينا؟ «من بدل دينه فاقتلوه»، المرتد لا يتكلم أصلا، فضلا له منبر يتكلم وينافح، فضلا له حماية باسم الدين، حرية الرأي والرأي الآخر، ما عندنا هذه الثقافات. فأصبح خلط بين إدخال مبادئ يهودية نصرانية، وما كان هذا فقط حتى في دنيا الناس، بل حتى على مستوى الدعوات، على مستوى الدعوات ممن يدعي الإسلام ونصر الإسلام، لو ربما دخلت عليه هذه المبادئ، تجد جماعة من الجماعات من تنادي بقاعدة: الغاية تبرر الوسيلة، ما هذه القاعدة؟ هذه القاعدة الميكافيلي، قاعدة يهودية أدخلناها في دعوتنا. الغاية تبرر الوسيلة، مهما فعلت، ما دام الغاية محمودة، تفعل ما شئت، هذه الغاية تبرر الوسيلة، ما هي من قاعدة المسلمين؟ أصلا قاعدة ميكافيلي يهودية، أدخلت في دين الله، ما بأل بعض الناس ما يميز بين الحق والباطل، ما يميز بين دين اليهودية وما بين دين الإسلام. وهذا إخوانكم في الله من اللبس العظيم، من اللبس العظيم. وهذا الذي كان عليه جماعة من السلف، كقتادة وكمجاهد، أي لا تلبس الحق بالباطل، أي لا تخلط اليهودية والنصرانية بدين الإسلام. وهذا الذي نراه على كثير من الناس، وما أدى بهم ذلك إلا الجهل العظيم بمبادئ الدين، بركائز الدين، بثوابت الدين، بأركان الدين الإسلامي. لما ضاعت عندنا هذه الأصول العظيمة، وتأهت في عقولنا، أدخلنا بعض الأشياء وهي من الدخيل علينا، ليس من ديننا، ولا من صميم عقيدتنا، فضلا أن نتعبد الله سبحانه وتعالى به. وهكذا مساء الكثير، أدخل العلماء في هذه الفقرة، ويرجع إلى ذلك ما ذكره المفسرون عند هذه الآية. فأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصل الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.