الدرس في شرح مسائل الجاهلية 103، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول المقطع قضية الافتخار بكونهم ذرية الأنبياء، ويبين أن هذه النعمة يجب أن تشكر الله عليها والقيام بها، وليس التعالي والتفاخر على الآخرين. الافتخار بالنسب الصالح دون اتباع أخلاق وأعمال من يفتخر بهم لا ينفع.
النبي عليه الصلاة والسلام حذّر من التعالم والتفاخر الذي يؤدي إلى الكبر والتكبر على الآخرين. الآية الكريمة ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾ تبين أن كل فرد يحاسب بعملة ولا ينفعه نسبه لو لم يكن صالحًا.
النسب لا ينفع يوم القيامة، ولا أحد يغني عن أحد، حتى الأنبياء لم ينفعوا أقاربهم الذين ماتوا على الكفر. العمل الصالح هو الذي ينفع العبد عند الله سبحانه وتعالى.
يذكر المؤلف أن الله تعالى ذكر قوله تعالى لتفنيد افتخار بعض الناس بكونهم ذرية الأنبياء، ثم يختم بالتضرع إلى الله أن ينفع بما قيل ويجعل سامعه من المتبعين لأحسن القول.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: السابع والتسعون: الافتخار بكونهم ذرية الأنبياء، فأتى الله بقوله: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾. إخواني في الله، والمؤلف رحمه الله تعالى يعدد لنا من صور الجاهلية التي تُلِي بها من كان قبلنا قضية الافتخار، ومر معنى أن الافتخار بمعنى التباهي، ويدخل فيه كذلك معنى التعالي والتعاظم، إلا أن الافتخار في تلكم الأمم كان يختلف من بلد إلى بلد، ومن زمن إلى زمن، ومن صورة إلى صورة. وهنا ذكر رحمه الله تعالى الافتخار بكونهم ذرية الأنبياء، أي كان من فخر بعض أهل الجاهلية ما منَّ الله جل وعلا على بعضهم من أن من أصلابهم ومن ذريتهم من آبائهم وأجدادهم ومن سلالتهم من كان من أنبياء الله ورسله. فكان بعضهم يجعل هذه المكرمة، وهذه طبعًا تكرمه من الله جل وعلا، أن يكون في سلالة أحد من الناس أشرف الخلق، وهذه نعمة من الله سبحانه وتعالى، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾. ففي قوله تعالى في قضية موسى أن يذكر قومه بهذه النعمة: ﴿إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ﴾، فجعلها نعمة من أعظم النعم، لكن هذه النعمة إخواني في الله ينبغي أن تعطى حقها وقدرها، وذلك بأن يشكر ويتوجه بالشكر لله سبحانه وتعالى، وأيضًا بالقيام بها. فالحاصل إخواني في الله أن من منة الله على بعض الأمم أن الله سبحانه وتعالى جعل في ذريتها الأنبياء وجعل في ذريتها الرسل، لكن تأتي البلية، ما هي البلية؟ أن بعض هؤلاء اتخذوا من هذه المكرمة مسألة للتفاخر وللتمدح وللتعالم وللتعاظم. وقد مر معنا إخواني في الله في أبواب سلفت أن الافتخار إذا كان مطيً للتعالي والتعاظم على الآخرين فهذا منهي عنه ولا يجوز، ولو كان في عبادة ولو كان في أمر شرعي ولو كان في عمل صالح، فإن الله جل وعلا ما جعل هذه المقامات الشرعية من أوصاف ومن صفات ومن أعمال محبوبة عند الله لم يجعلها الرب سبحانه وتعالى ذريعة للتفاخر وذريعة للتعاظم وذريعة للتعالم أو التعالي عن الآخرين، ويكون مقابل ذلك الطعن والقمز والقدح في الآخرين ممن هو دونهم، هذا ليس من دين الله سبحانه وتعالى. وقد مر معنا تكرارًا قوله عليه الصلاة والسلام: «إن الله أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد»، فالفخر بهذه الصورة إخواني في الله الذي فيه معنى التعالم والتعاظم على الآخرين هذا لا يجوز، ولو كان تفاخرك بهذه المسألة أن من ذريتك الأنبياء ومن ذريتك الرسالة. وزد بلية على هذه البلية إن كان هذا الافتخار هو عار عن الدعوة، فمثل ما يقع ذلك كثيرًا في بني إسرائيل، إذ أن كان في أنسابهم وفي سلالتهم الكثير من الأنبياء والرسل، وهكذا ما وقع في كفار قريش في كفار العرب، كانوا يفتخرون بإبراهيم عليه السلام وأنهم من آله وأنهم من ذريته وأنهم من نسبه وأنهم البقية من بقايا ذريته. لكن هذا الانتساب لإبراهيم ولما كان من بني إسرائيل للأنبياء الذين قبلهم هذا الافتخار، هل كان ذلك موافقًا لما كان عليه الأنبياء؟ أم أن الأنبياء والرسل هم في واد وهؤلاء الذين يفتخرون بهم في واد آخر؟ وهذه الحقيقة، ما الذي يغني بني إسرائيل أنهم يفتخرون بأنهم من ذرية أنبياء الله ورسله وهم من أشقى الناس ومن أبعد الناس بل من أكذب الناس لأنبياء الله ورسله؟ بل هم القتلة وهم السفكة وهم السفهاء، هم الذين كانوا يبارزون الأنبياء بالقتل والمحادة وبعين المصادمة لدين الله سبحانه وتعالى. فما الذي يغني بعد ذلك الافتخار بهذا النبي أو بذاك النبي؟ وهذا إخواني في الله من الجلافة، وكذلك من الوقاحة أنك لا تأتسي بنسب لك ثم بعد ذلك تفتخر به، وكل ذلك ما هي إلا إرادة للشهرة، وكذلك دعاوى عارية عن الدليل. ولهذا استدل المؤلف رحمه الله تعالى على هذه المسألة بقوله تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾، أي هؤلاء الذين أنتم تفتخرون بهم من أمم قد مضوا. هذا على قول جماعة من أهل العلم، قال قتادة رحمه الله تعالى في هذه الآية في قوله تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾، قال قتادة: يعني إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب، أي هؤلاء الأنبياء والرسل أمة نعم قد خلت مضت، إذن ماذا؟ كل بعمله. بعد ذلك يقول ابن كثير رحمه الله تعالى معلقًا مبينًا هذه الآية، قال رحمه الله تعالى: أي أن السلف الماضين من آبائكم من الأنبياء والصالحين لن ينفعكم انتسابكم إليهم إذا لم تفعلوا خيرًا يعود نفعه عليكم، فإن لهم أعمالهم والتي عملوها، ولكم أعمالكم، أي كل يا عبد الله بعمله، فلا يغني انتسابك لأنك من سلالة عريقة أو أنك من سلالة مجيدة وأنت لم تعمل خيرًا. فليس العبرة يا عبد الله بالافتخار بالانتساب، وقد جاءت الأدلة الكثيرة الدالة على ذلك، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾، ما لك يا عبد الله إلا ما بذلته يدك، إن كان من خير فخير تجاز عليه، وإن كان من سيء فسيء تحاسب عليه. كما قال ربنا جل وعلا: ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا﴾، لا أحد يغني عن أحد، وقد صرح بذلك نبينا صلواته ربي وسلامه عليه في كثير من المقامات قائلًا: «من بطأ به عمله لم يسرع به نسبه»، إذا كان أنت يا عبد الله في باب السعي والعمل بطيء متكاسل متخاذل مثبت لنفسك ولغيرك عن طاعة الله جل وعلا، فلا تظن أن النسب سيسد هذه الخلة وهذه الثغرة، وأن ما كان من ضعف في العمل الصالح أن النسب سيدفعك دفعًا لاستكمال هذا النقص. لا يا عبد الله، من بطأ به عمله لم يسرع به نسبه، ولو كنت يا عبد الله من أعظم سلالة، ولو كنت يا عبد الله ممن كنت من آل البيت من سلالة نبيك عليه الصلاة والسلام، لك حفك من التشريف من التمجيد من التعظيم الشرعي الذي أعطي لآل البيت في هذه الدنيا، لكنهم في الآخرة حسابهم وعقابهم على أعمالهم، لا أحد يغني عن أحد. حتى أن جدهم صلوات ربي وسلامه عليه لن يغني عن أحد، ولو من أهله ولو من ذريته ولو من قرابته، كان يصرح بذلك، ما جاء في الصحيح كان يقول: «يا معشر قريش اشتروا أنفسكم، فإني لا أغني عنكم من الله شيئًا»، «يا فلان يا صفي عمة رسول الله لا أغني عنك من الله شيئًا»، «يا فاطمة بنت محمد سليني من ما شئت فإني لا أغني عنك من الله شيئًا»، قالها صريحة مدوية عليه الصلاة والسلام، مبينًا أن ليس هناك نسب يوم القيامة لا أحد ينفع أحد، ولا أحد ينتفع بنسب أحد. لأن عبرة عبد الله بالأنبياء الذين مضوا، إبراهيم عليه السلام لم يستطع ولن يستطيع أن ينفع أباه الذي مات على الكفر، وهكذا نوح لم ينفع ابنه الذي مات على الكفر، وهكذا لوط لم ينفع أهله وزوجه الذي ماتت على الكفر، وهكذا قل في حق نبينا لم ينفع أهله وقرابته والذين ماتوا على الكفر، لم ينفع عمه الذي كان حريصًا على إسلامه: «يا عمه قل كلمة قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله»، ومع ذلك ما تعال الكفر. وهكذا يتعلق بسلالته فلا أحد يكابر، لا أحد يكابر يا عبد الله في هذه المسائل، ولا أحد بعد ذلك يفتخر لا بحسب ولا بنسب، وبهذا إخواني في الله نعلم أن ذلك كان من صفات أهل الجاهلية أنهم أولًا يفتخرون، وليس هذا محل افتخار، وثانيًا بعد ذلك يتكلون على افتخارهم بأن يتركوا الأعمال ويتكوا على الأنساب، وأن لا يعملوا شيئًا. يقول أحدهم: يكفيني جدي، جدي هو الذي سيدخلني إلى جنان الخلد، لا يا عبد الله، لا جدك ولا سلالتك ولا شيء من ذلك، إنما الذي ينفعك عملك الصالح، عملك الصالح هو الذي ينفعك عند الله سبحانه وتعالى. فقال مؤلف رحمه الله تعالى: الافتخار بكونهم ذرية الأنبياء، فأتى الله بقوله: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأل سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمع القول فيتبع أحسنه، إن ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.