الدرس في كتاب الحج 20، ألقاها
يستحب الذبح من مسلم ويبدأ وقت الذبح بعد صلاة العيد ويمتد إلى آخر أيام التشريق. يحرم الذبح من غير المسلم.
يشرح كيفية تعيين الأضحية والهدي وتقسيم الأضحية إلى ثلاثة أثلاث: للأكل والهدية والصدقة. يحرم إعطاء الجزار أجرة من الأضحية.
يحرم بيع شيء من الأضحية ويستحب الأكل منها في الهدي التطوعي. يحرم أخذ شيء من الشعر أو الأظفار لمن أراد أن يضحي بعد دخول ذي الحجة.
يتضمن المقطع دعاءً لطلب الفقه في الدين ويختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه. يظهر الرجاء من الله لتحصيل العلم النافع.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد. قال الإمام أبو محمد موفق الدين ابن قدامة رحمه الله تعالى في كتابه "عمدة الفقه" في كتاب الحج منه، في باب الهدي والأضحية: ولا يستحب أن يذبحها إلا مسلم، أي الهدايا والأضاحي. لا يستحب أن يذبحها غير المسلم؛ وذلك لأنها قربة، والقربة ينبغي أن تكون ممن يصلح منه التقرب. وقد ثبت عن جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنهما أنه كره أن يذبح الأضحية غير المسلم. فإن ذبحها غير مسلم من أهل الكتاب، يهوديًا كان أو نصرانيًا، صح ذلك الذبح، بخلاف ما إذا ذبحه غير الكتابي، فإن الأضحية لا تصح. وكذا الهدي. ومن هنا ينبه على أمر وهو أن بعض الناس ربما تساهل في هذا الأمر، أي في مسألة ذبح الأضاحي، فيربو إنسان دفع أضحيتهم إلى إنسان -نعوذ بالله- مرتد، فيذبحها له مرتد، كأن يكون ممن يسب الله تبارك وتعالى، أو يسب دين الإسلام، أو يسب النبي عليه الصلاة والسلام. فهذا كافر مرتد خبيث، لا تقبل ذبيحته. وكذلك مسألة تارك الصلاة، الترك الكلي، يحكم عليه جماعة من العلماء رحمهم الله تعالى بأنه كذلك كافر مرتد، لا تحل ذبيحته. فينبغي لمن كان عنده أضحية أو كان عنده هديا أن ينحر هديا، أو يذبح أضحيته بنفسه بيده. فإن دفعها لغيره، ينبغي له أن يتحرى شروط الذبح، ومنها أن يكون الذابح أهلًا للذبيحة، أي ممن يصح ذبحه، وهو المسلم أو الكتابي، يهوديًا كان أو نصرانيًا. وأما غيرهم فلا تصح منهم الذبيحة. وقوله رحمه الله تعالى: "ولا يستحب" أي أنه يكره، كما سمعتم في أثر جابر بن عبد الله رضي الله عنه أنه كان يكره أن يذبح الأضحية غير المسلم. قال: "وإن ذبحها صاحبها فهو أفضل". لماذا أفضل؟ أولًا لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم كان يذبح أضاحيه، بل ونحر هديه بيده الشريفة، صلوات الله وسلامه عليه. كما جاء في الصحيحين من حديث أنس قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم ضحى بكبشين أقرنين أملحين. قال أنس رضي الله عنه وأرضاه: فأضجعهما النبي صلى الله عليه وسلم، ووضع قدمه على صفاحهما وذبحهما. الشاهد أن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي باشر ذبح أضحيته بنفسه. وكذلك جاء في حديث جابر بن عبد الله الطويل في صحيح مسلم في صفة الحج: أن النبي صلى الله عليه وسلم نحر من الهدي الذي ساقه ثلاثًا وستين بدنة، ثم دفع إلى علي فنحر الباقيات، أي تتمة المئة. فالشاهد من هذا أن المضحي وأن المهدي يستحب له أن يباشر الذبح والنحر بنفسه. فإن كان لا يستطيع، أو كان منشغلًا، أو به مرض أو عارض، فدفعها إلى غيره ممن هو أهل للذبح، فلا بأس بذلك. قال رحمه الله تعالى: "ووقت الذبح يوم العيد بعد صلاة العيد أو قدرها إلى آخر يومين من أيام التشريق". فهذه مسألة أخرى، وهي المسألة التي يذكرها الفقهاء رحمهم الله تعالى في وقت الأضحية: متى يشرع ذبح الأضحية وإلى متى يمتد ذلك الوقت؟ فأما ابتداء الذبح، فالصحيح الذي عليه جماهير الفقهاء رحمهم الله تعالى أن ذلك يبتدئ من بعد صلاة العيد. فإذا صلى المسلم صلاة العيد، فإن له أن يذبح أضحيته بعد ذلك، لما جاء في حديث البراء بن عازب رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من صلى صلاتنا ونسك نسكنا فقد أصاب النسك، ومن ضحى قبل الصلاة فليعد مكانها أخرى». وجاء في بعض الروايات: «من صلى معنا ثم ذبح النسك فقد أصاب النسك، ومن ذبح قبل أن يصلي فليعد مكانها أخرى». وفي بعض الرواية: فإن يعني جاء في حديث البراء أن خال البراء -في بعض الرواية عم البراء- قال: يا رسول الله، فإنه كان يوم عيد، فأحببت أن يكون أول ما يأكل أهل أضحية، فذبحت وقبل الصلاة. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «شاتك لحم»، أي أن لا تجزئ عن أضحية. فالشاهد من هذا أن وقت الأضحية لمن كان من أهل الأمصار ممن تقام فيهم صلاة العيد، يبتدئ من بعد صلاة العيد، ولو كان قبل الخطبة. فإن أخر إلى بعد الخطبة فهو أفضل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بأصحابه ثم خطب ثم ضحى، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، كما جاء في بعض روايات حديث البراء رضي الله عنه وأرضاه. فإن قد مع الخطبة، ولكن بعد الصلاة، أي صلاة العيد، فإنها أضحية صحيحة؛ لأنه ذبح في وقتها. هذا لمن كان من أهل الأمصار. أما من كان من أهل البوادي ممن لا تقام عندهم صلاة العيد، كأهل البوادي ممن يترحلون من مكان، إلى آخر، فمثل هؤلاء الغائب فيما أنهم لا يقيمون صلاة العيد، فمتى يبدأ الوقت الصحيح؟ من أقوال الفقهاء رحمهم الله تعالى: أن ذلك يكون من بعد خروج وقت النهي عن الصلاة، بعد صلاة الفجر. ويقدرون ويقدرون قدر صلاة أهل أمصار، أدنى ما يصلي أهل الأمصار. فإذا قدروا ذلك الوقت، شرع لهم أن يذبحوا. وهذه مسألة كذلك يذكرها الفقهاء رحمهم الله تعالى: وهي لو أن مدينة كبيرة، مصرا كبيرا، فكان العيد أو صلاة العيد تقام فيه في أكثر من مكان لكثرة الناس، فمتى يذبح المضحي أضحيته؟ قالوا: كل مضح يضحي بعد أن يصلي. كل مضح يضحي بعد أن يصلي. فمن فاته صلاة العيد -يعني إنسان كان مشغولًا، نام عن صلاة العيد، فاستيقظ حتى صلى الناس- فماذا يصنع؟ هل له أن يضحي؟ أم أنه يصلي ثم يضحي؟ الصحيح من أقوال العلماء أنه يضحي؛ لأن الصلاة قد أديت، أن الصلاة قد أديت في وقتها، فيشرع له أن يضحي. ويشرع له كذلك أن يصلي صلاة العيد بهيئتها، كما مر معنا في أبواب صلاة العيد، ثم يضحي. إن فعل هذا فحسن، وإن فعل الأول أجزأه ذلك. قال رحمه الله تعالى: "ووقت الذبح يوم العيد، بعد صلاة العيد أو قدرها إلى آخر يومين من أيام التشريق". وهذا قول الجمهور: أن مدة الأضحية يوم النحر ويومان من أيام التشريق. وذهب آخرون من أهل العلم إلى أن وقت الأضاحي يمتد إلى غروب آخر يوم من أيام التشريق، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر لله»، وحديث صحيح. وجاء في بعض الروايات: «أيام أكل»، أو جاء في بعض الروايات: «أيام ذبح». وهذه اللفظة التي يظهر -والله أعلم- أنها محل نظر، لكن يغني عنها اللفظ الأول. فالراجح والظاهر -والله أعلم- من أقوال العلماء رحمهم الله تعالى: أن وقتها يمتد إلى آخر يوم من أيام التشريق، فينتهي بغروب شمس آخر يوم من أيام التشريق. وعلى هذا تكون المدة ممتدة من يوم النحر إلى اليوم الثالث من أيام التشريق، فتكون أربعة أيام متتالية في أيام الذبح، وهي أيام الذبح. وهذا القول ذهب إليه الإمام الشافعي رحمه الله تعالى، وهو قول عند الحنابلة، قول الإمام أحمد، اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى. ومن المعاصرين جماعة منهم العلامة ابن عثيمين، والعلامة الوادعي، وجماعة من المحققين رحمهم الله. وهو الأظهر -كما سمعتم-. فإذا وقتها يبتدئ من بعد الصلاة، وينتهي بغروب شمس آخر يوم من أيام التشريق. هنا مسألة يذكرها الفقهاء رحمهم الله تعالى: وهي في أيام التشريق، أي بعد يوم النحر، متى يذبح؟ هل بعد الشروق، قبل الشروق، أو يذبح في أي وقت؟ يعني في يوم النحر تقدم أنه لا يذبح إلا بعد الصلاة، ولا تكون الصلاة إلا بعد أن يخرج وقت النهي. وبقية أيام التشريق متى يذبح؟ الصحيح من أقوال العلماء: أن له أن يذبح في أي ساعة شاء، من ليل أو نهار. وهذا قول الجمهور. فأيام التشريق لو أن يذبح في أي ساعة من ليل أو نهار، لو أن يذبح في الصباح، وأضحيته في آخر النهار، في الليل، كل ذلك يصح منه. قال رحمه الله تعالى: "وتتعين الأضحية بقول: هذه أضحية. والهدي بقول: هذا هدي، أو إشعاره وتقليده مع النية". فهذه مسألة أخرى، وهي مسألة تعيين الأضحية أو الهدي، وهي ما يعبر عنها بعض الفقهاء بالإيجاب، إيجاب الأضحية أو الهدي. والإيجاب بمعنى الإلزام. ومعناها أن يعين الأضحية، كأن يقول: عنده شاة كثيرة، فيقول: «هذه الشاة أضحية». فيسمي تعيينًا. أو يشتري أضحية من السوق، بعد أن يشتريها ويقبل ثمنها ويأخذها، يقول: «هذه أضحية». فيسمي تعيينًا كذلك في الهدي. الهدي إما أن يقول كذلك: «هذا هدي»، أو «هذا لله هدي لله»، أو «هذا لله تبارك وتعالى». أو أن يشعرها ويقلد مع النية. ما معنى يشعرها؟ يشعرها -كما قال علماء رحمهم الله تعالى- هو أن يطعنها في سنامها، بحيث يسيل الدم على شعرها، بحيث أن الناظر إليها يعلم أنها هدي لله، فلا يعترضوا إليها. وبحيث كذلك يراها الفقراء فيعلمون أنها هدي، وأنهم يستحقونها. والتقليد هو أن يلبسها القلائد، أن يلبسها أي يلبس الهدي القلائد. وقد كان ذلك من سنن النبي صلى الله عليه وسلم، فقد جاء في حديث عائشة في الصحيحين أنها قالت: إنها فتلت قلائد هدي النبي صلى الله عليه وسلم بيدها، ثم قلدها رسول الله صلى الله عليه وسلم، أي قلد الهدي. وكانوا يجعلونها من النعال، ومن الصوف، ومن الوبر، إلى غير ذلك. فتكون قلادة بحيث أن الرائي إذا رآها يعلم أنها هدي، فلا يعترضها. ويراها الفقراء فيعلمون أنها لهم. إذن تعيين الأضحية تكون بما تقدم، وتعيين الهدي يكون كذلك بما تقدم. بقي تحت هذه المسألة ما سيذكره الفقهاء رحمهم الله تعالى: أولًا: من كان عنده أضحية سالمة من العيوب، عينها، فقال: «هذه أضحية». ثم -مثلًا- أخذها فوضعها عنده في زريبة غنم عنده زريبة غنم، فوضعها بينها. فمثلًا نطحها تيس فأعورها، جعلها عوراء. فهل تصح هذه الأضحية أم لا؟ واضح. جماعة أخذها سليم، عين، قال: «هذه أضحية». أدخلها زريبة الغنم، نطحها تيس ففقأ عينها، صارت عوراء بين عورها. هل هذه الأضحية تصح أم لا تصح؟ الجواب أنها تصح؛ لماذا؟ لأن العيب طرأ عليها بعد التعيين؛ لأن العيب طرأ عليها بعد التعيين. فهي بعد التعيين تصير ماذا؟ تصير -كما يقول علماء رحمهم الله تعالى- ليست ملكًا له، وإنما هي لله بعد التعيين تصير لله تبارك وتعالى. فإن طرأ عليها طارئ، فإنه لا يؤثر في ماذا؟ في صحة تلك الأضحية، في كونها صحيحة. لماذا؟ لأنه عندما عينها، وأنها لله تبارك وتعالى عينها وهي سالمة من العيوب. قالوا: فهي عنده بمنزلة الأمانة، قبل أن يضحي بها. هي عنده بمنزلة الأمانة. إن أصابها شيء من غير تعد ولا تفريط، لا شيء عليه. إن أصابها شيء بسبب تعد منه أو تفريط، فإنه يضمن. واضح. جماعة، ما معنى يضمن؟ قال علماء: يضمن إما القيمة، قيمة المثل يوم أن حصل لها ما حصل من العيب، إن كان قيمة المثل مثلها أو أكثر. فإن كان أقل، فإنه يضمن المثل، أي يأتي بشاة مكان الشاة. هذا إذا فرط أو تعد. أما إذا لم يفرط ولم يتعد ولم يعتدي، فلا شيء عليه. يضحي بتلك الأضحية على هيئتها. قال رحمه الله تعالى: "ولا يعطي الجزار بأجرته شيئًا منها". هذه مسألة أخرى كذلك من مسائل الأضحية والهدي: لا يشرع للمضحي أو للمهدي أن يعطي الجزار شيئًا من الأضحية أو الهدي مقابل عمله. لما جاء في الصحيحين من حديث علي رضي الله عنه وأرضاه: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يقوم على بدن النبي صلى الله عليه وسلم، وأن يقسم جلودها وأجلالها، وأن لا يعطي الجزار منها شيئًا. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما نحن نعطيه من عندنا». ومعنى هذا: أنك إذا أتيت بجزار يذبح أضحيتك، لا تقول له: «خذ هذه اللحمة مقابل عملك». هذا لا يشرع ولا يجوز. ولكن ماذا تصنع؟ تعطيه ماذا؟ مبلغًا من المال من عندك. تعطيه مبلغًا من المال من عندك. لا يشرع لحديث علي رضي الله عنه هذا، من حيث الأثر، ومن حيث النظر؛ لأن الأضحية هي حق لله جل وعلا، فلا يجوز له أن يتصرف فيها بما يكون فيها نقص لها، بما يكون فيها نقص منها بسبب ذلك الإعطاء. قال رحمه الله تعالى: "والسنة أن يأكل من أضحيته ثلثها، ويهدي ثلثها، ويتصدق بثلثها. وإن كان أكثر جاز". أي إن تصدق بالأكثر، أهدى بالأكثر، أو أطعم، أكل الأكثر جاز ذلك؛ لماذا؟ لأن هذا التقسيم إنما هو مستحب، وليس بواجب. تقسيم الأضاحي هذا التقسيم إنما هو ماذا؟ مستحب وليس بواجب. من فعل فحسن، أجر على فعله ذلك. ومن لم يفعل فلا شيء عليه. منه يعلم خطأ بعض الناس، منه يعلم خطأ بعض الناس. هذا حصل وسئلت عنه أمس، وهي أن بعض الناس في بعض القرى يقول: «أنا عندي شاه صغيرة، يعني -يا الله- كما يقال تكفيني أنا وأبنائي». فإذا تصدق بثلثها -وهو قول في مذهب الشافعي رحمه الله أنه يجب التصدق- يقول: «ما سيبقى لي شيء». فماذا يصنع؟ يقول: «إذًا سأذبحها لا بنية الأضحية، سأذبحها لا بنية الأضحية؛ من أجل ماذا؟ من أجل أن يهرب من ماذا؟ من الصدقة الواجبة». وهذا خطأ. هذا خطأ من جهتين: الجهة الأولى أنه أولًا حرم نفسه الأجر والثواب والخير في كونه في يوم أضحى، وعنده أضحية مجزئة، فيذبح بغير نية الأضحية. الأمر الثاني: أنه تصور خلاف الصواب، وكان فرعًا عن ذلك التصور أن أوقعه فيما الخطأ والزلل فينبغي لطلاب العلم أن يبينوا للناس هذه المسألة: أن الأمر على الاستحباب والفضل، من باب الصدقات المطلقة، من باب الصدقات. إن تصدق الإنسان بثلثها حسن، بربعها حسن، بخمسها، بسدسها، بعشرها، على ما يسأل الله وطابت به نفسه. وهو يقدم لنفسه ما يقدم الإنسان من هذه الصدقات، إنما هو مما يقدمه لنفسه. فإن كان أهل بيت كثر، فإن كان أهل بيت كثر، وما عندهم إلا شاه، إذا ذبحها -كما يقال- قد تكفي وقد لا تكفي أهل البيت. فهل يتصدق؟ يقال: إن أخرج شيئًا فحسن. وإن كان لا يستطيع لقلة اللحم وكثرة الآكل، فأهل بيته أولى بصدقة أهل بيته؛ والحالة كذلك أولى بماذا؟ بصدقة. قال رحمه الله تعالى: "وله أن ينتفع بجلدها، ولا يبيعه، ولا شيئًا منه". وهذه مسألة أخرى. كما أنه لا يشرع له أن يعطي الجزار شيئًا من الأضحية أو الهدي، كذلك لا يشرع له أن يبيع شيئًا من الأضحية أو الهدي. يعني إنسان يذبح لحمًا، ثم يذهب إلى الجزار، يقول له: «خذ نصف هذا، خذ هذا». ما يجوز؛ لأن الأضحية لله، إما أن تأكلها، أو تتصدق بها، أو تهديها لمن شئت. فلا يجوز بيع شيء منها، لا جلدها، لا بيع جلدها، ولا بيع لحم منها، ولا بيع شيء منها. ولكن يشرع له الانتفاع منها، الانتفاع بها، كأن ينتفع بجلود، يدبغها وينتفع بها. هذا لا بأس. أما البيع، أما البيع فلا. إن أهدى غيره لا بأس، إن أهدى غيره جلود اللحم، شيئًا من اللحم، لا بأس، بل يستحب. أما أن يفعل ذلك على سبيل البيع والشراء لا. قال رحمه الله تعالى: "فأما الهدي إن كان تطوعًا، استحب له الأكل منه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر من كل جزور ببضعة، فطبخت وأكل من لحمها، وحسا من مرقها". ومعنى هذا: أنه يستحب للمضحي، وكذلك للمهدي، أن يأكل شيئًا من أضحيته والهدي. كما يقول العلماء: إن كان تطوعًا، استحب الأكل؛ لماذا؟ لفعل النبي صلى الله عليه وسلم؛ إذ أنه صلى الله عليه وسلم أهدى مئة بدنة، أهدى مئة بدنة، فأمر عليًا رضي الله عنه أن يأخذ من كل واحدة منها جزءًا، ويطبخ، فأكل صلى الله عليه وسلم من ذلك، وشرب من مرقها. قال رحمه الله تعالى: "ولا يأكل من كل واجب إلا من هدي المتعة والقران". هذه مسألة أخرى، وهي: إذا كان الهدي هدي تمتع أو هدي قران، فإنه يشرع للمهدي أن يأكل من هديه. أما إذا لم يكن كذلك، لم يكن كذلك، كان يكون فدية، أو أن تكون تلك الأضحية ذلك الهدي فدية؛ بسبب مخالفة، بسبب تقصير، بسبب ترك واجب، فإنه لا يشرع له أن يأكل منه. قال علماء رحمهم الله تعالى: لأن ذلك كفارة عن خطأه، والكفارات لا يشرع لأصحابها أن يأكلوا منها. واضحة. جماعة: الكفارات لا يصح لأصحابها أن يأكلوا منها. إنسان عنده كفارة يمين، هل يقول: «أنا واحد من العشرة، سأكل مع العشرة»؟ الجواب: لا. قال: فكذلك الهدي إذا كان على سبيل ما لا على سبيل هذا الباب، ليس هدي قران ولا تمتع، وإنما هو بسبب فعل محرم، أو محظور من محظورات الإحرام، أو ترك واجب من واجبات الإحرام، فمثل هذا لا يأكل من ذلك الفداء. قال: «وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «من أراد أن يضحي فدخل العشر فلا يأخذ من شعره ولا من بشرته شيئًا حتى يضحي». طيب، هذا حديث أم سلمة عند مسلم، وجاء في بعض الروايات: «من شعره ولا من أظفاره». والصحيح من أقوال العلماء رحمهم الله تعالى: أن النهي ها هنا النهي تحريم؛ لأنه الأصل في النهي أنه للتحريم. فقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من أراد أن يضحي فدخل العشر». من أراد أن يضحي فدخل العشر، فلا يأخذ من شعره. وقوله: «من شعره» يدخل فيه جميع الشعور، أي لا يجوز له أن يأخذ شيئًا من شعره من جميع الشعور، سواء من شعر الرأس، أو من شعر العانة، أو من شاربه. قال: «ولا من بشرته شيئًا». البشر -كما قال بعض أهل العلم- أي ما يخرج من الجلد لا يقطعه. ويدخل فيه كذلك الأظفار، على الرواية الأخرى: «ولا من أظفاره شيئًا». فلا يشرع له أن يقلم أظفاره، ولا أن يأخذ من شعره شيئًا حتى يضحي. قال علماء رحمهم الله تعالى: والحكمة من ذلك: تشبه المضحي بالهادي، تشبه المضحي بمن كان محرمًا في الحج؛ فإنه -كما هو معلوم- من دخل في النسك فإنه لا يمس من أظفاره، ولا من شعره، إلى غير ذلك. قالوا: فكذلك المضحي يشارك المحرم بهذا المعنى، في هذا المعنى: بأنه لا يمس شعرًا، ولا يمس كذلك أظفارًا، ولا من بشرته شيئًا. طيب، بقي أمر وهو قوله صلى الله عليه وسلم: «من أراد أن يضحي». قوله: «من أراد» معناه: من أراد ولو لم يكن معه أضحية. يعني مثاله: إنسان قبل -مثلًا- في ثمانية وعشرين ذي القعدة، سبعة وعشرين ذي القعدة، يقول: «أنا سأضحي بإذن الله تبارك وتعالى»، لكن ما عنده الآن أضحية، لكن في نيته يقول: «إذا دخل -مثلًا- في خمسة ذي الحجة، في ستة ذي الحجة، في ثمانية ذي الحجة سأأخذ ماذا؟ أضحية». فهذا ما دام أنه نوى أن يضحي، فلا يجوز له أن يمس شيئًا من شعره، ولا من بشرته، ولو لم يكن معه أضحية في ذلك الوقت. إذ العبرة بماذا؟ بالإرادة والنية والعزم. ومن باب أولى إن كان معه أضحية مالكًا لها: أنه لا يمس من شعره، ولا من أظفاره، ولا من بشرته شيئًا. وهنا تنبيه كذلك يكثر السؤال عنه: وهو لو كان في البيت -مثلًا- مجموعة من الإخوة، فأحدهم هو صاحب المال الذي اشترى الأضحية، وآخر هو الذي يحسن الذبح، فما الذي يمسك عن الشعر والأظفار؟ صاحب الأضحية أو من سيذبح؟ الجواب: أن صاحب الأضحية هو الذي ماذا؟ هو الذي لا يمس شعرًا، ولا يقطع بشرة، ولا أظفارًا. هذه المسألة قد أيضًا يسأل عنها بكثرة. يسأل عنها بكثرة: كان يأتي إنسان يقول: «أنا اشتريت الأضحية، فأريد أن أحلق شعري». يقال له: «لا تحلق». يقول: «لكن أنا ما سأذبحها، سأذبحها أخي». واضح. جماعة. فبعضهم يظن أن الأضحية لمن دبحها، لا. أخوك جزار، أخوك الآن يكون حكمه حكم ماذا؟ الجزار. الأضحية لمن؟ الأضحية لمن اشتراها. الأضحية لمن اشتراها. فهذه جملة من مسائل الأضاحي والهدي. نسأل الله تبارك وتعالى أن يفقهنا في ديننا، وأن يعلمنا ما جهلنا، وأن يذكرنا من العلم ما نسيناه، وأن يجعل ما علمنا حجة لنا لا علينا. وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم، وعلى آله وصحبه أجمعين.