الدرس في شرح الأصول من علم الأصول 2، ألقاها
الإمام الشافعي لعب دورًا حاسمًا في تأسيس علم أصول الفقه بجمعه بين مدرسة الرأي ومدرسة أهل الحديث. هذا الدور أدى إلى تطوير منهج متكامل للاستنباط والاجتهاد.
علم أصول الفقه تطور عبر مراحل تاريخية مختلفة، تأثر بعلم الكلام وتم تهذيبه وتجديده من قبل علماء مثل الخطيب البغدادي وابن عبدالبر وشيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم. هذا التطور أبرز أهمية هذا العلم في استنباط الأحكام الشرعية.
أصول الفقه علم مستقل يهدف إلى فهم مراد الله ورسوله من الكتاب والسنة، ويستمد من علوم التوحيد والعقيدة واللغة العربية والأحكام الشرعية. تعلم أصول الفقه فرض كفاية وضروري للمجتهدين والحكام والمفتين.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادئ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، فكما مر معنا فيما مضى ذكر بعض مراحل علم أصول الفقه، وكيف ظهرت بعض المدارس الظاهرة والمشتهرة التي صار لها أثرها فيما بعد في هذا الفن. وذكرنا فيما مضى معنا آخر ما ذكرنا الكلام على مدرسة الرأي، وفي مقابلها مدرسة أهل الحديث والأثر. قلنا: ومن بين هاتين المدرستين، وفي تلك الفترة ظهر الإمام محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله، الذي جعله الله فتحا ونصرا لأهل الحديث والسنة، حتى لقب بناصر الحديث. والسبب في هذا أن أهل الحديث كانوا ينهون وينأون عن الرأي، كما أن أهل الرأي ينهون وينأون عن أهل الحديث، فكان ذلك التنافر بينهم سببا لحصول نقص لكلا الطرفين، إذ أن أهل الحديث لم يستفيدوا من الأقيسة الصحيحة التي قد يكون طريقها والاستفادة من جهة أهل الرأي؛ لأن أهل الرأي خلطوا القياس الصحيح بالقياس الفاسد، وهذا الذي جعل أهل الحديث ينفرون منهم. وفي المقابل، كذلك أهل الرأي -كما مر معنا- أنهم بنوا الأصول والقواعد على ما علموا من الأحاديث والسنن التي كانت عندهم. وكما مر معنا أنهم لم يكونوا أهل رواية، ولم يكونوا كذلك أهل إتقان لروايات، فكان ذلك سببا لبيان المحدثين الأحاديث الضعيفة التي اعتمد عليها الرأيون في تقعيد القواعد والأصول. فكان ذلك سببا لماذا؟ لنفور هؤلاء عن هؤلاء، وأولئك عن هؤلاء. الشاهد من هذا: في هذه الفترة من الله جل وعلا على أهل الحديث بالإمام الشافعي رحمه الله، الذي -كما سمعتم- كان فتحا من الله جل وعلا ونصرا لأهل الحديث. وكان من توفيق الله تعالى لهذا الإمام ولطفه به أن هيأ له أن هيأه، وهيأ له من الأسباب ما استعان به على الجمع بين المدرستين، وتهذيب الرأي، وإظهار الصحيح منه من الفاسد، والمقبول منه من الكاسد، وفتح باب الاستنباط والاجتهاد والقياس الصحيح الذي مبناه على الدليل الصحيح والعلل الصحيحة المقصودة بالحكم الشرعي، وغير ذلك من الأمور التي فتحها الله جل وعلا على أهل الحديث بالإمام الشافعي رحمه الله تعالى وغفر له. حتى قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: «لولا الشافعي ما عرفنا فقه الحديث». وقال رحمه الله تعالى: «كان الفقه قفلا على أهله حتى فتحه الله بالشافعي». وقال رحمه الله تعالى أيضا: «كانت أقضيتنا في أيدي أصحاب أبي حنيفة ما ننزع لماذا؟ أقضيتهم في يد أصحاب أبي حنيفة؛ لأن أهل الحديث عندهم ماذا؟ الحديث فقه الحديث، ما عندهم زيادة على ماذا؟ على الحديث. يجاءتهم من نازل المسألة، ينظرون: هل جاء الحديث بذلك؟ لا، هل جاءت الآثار بذلك؟ لا، توقفوا في الحكم والقضية تحتوي إلى ماذا؟ إلى حكم. ولاسيما إذا كانت قضية ماذا؟ حادثة، فيحتاجون إلى ماذا؟ يحتاجون إلى أهل رأي؛ من أجل ماذا؟ يخرجون بآرائهم أيش الحكم؟». قال إمام أحمد رحمه الله: «كانت أقضيتنا في أيدي أصحاب أبي حنيفة ما ننزع، ما يستطيع أن يعملون ماذا؟ شيئا». قال: «حتى رأينا الشافعي، حتى رأينا الشافعي، فكان أفقها الناس في كتاب الله، وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يشبع صاحب الحديث من كتب الشافعي». هذه الشهادة ممن؟ من إمام الحديث والسنة في زمانه، بل إلى زماننا هذا -إلى ما شاء الله- شهادة من الإمام أحمد رحمه الله تعالى، وهو من هو في العلم والحفظ والفقه؟ فهو يقول رحمه الله تعالى: «أن الفقه فتحه الله جل وعلا على أهل الحديث بمن؟ بالإمام الشافعي رحمه الله تعالى، من حيث الاستنباط، ومن حيث القياس الصحيح، ومن حيث اعتبار رأي الصحيح في الموضع الصحيح، وما شابه ذلك». قالوا: والسبب في ذلك أن الشافعي وصل إلى هذه المرحلة حتى يشهد له مثل الإمام أحمد رحمه الله تعالى، بل وأقران الإمام الشافعي رحمه الله تعالى شهدوا له بهذه الشهادة. السبب في ذلك ذكرها أحد معاصريه وتلامذته. يقول أبو الوليد المكي الفقيه موسى ابن أبي الجارود -وكان كما سمعتم ممن تتلمذ وأخذ عن الشافعي رحمه الله- يقول: «كنا نتحدث وأصحابنا من أهل مكة أن الشافعي أخذ كتب ابن جريج -وابن جريج محدث وفقيه مكة في زمانه- قال: أخذ كتب ابن جريج عن أربعة أنفس، عن مسلم بن خالد، وسعيد بن سالم». قال: «وهذان فقيهان، سيأخذان من ابن جريج ماذا؟ الفقه». قال: «وعن عبد المجيد بن أبي رواد -وكان أعلمهم بابن جريج- وعن عبيد الله من الحارث المخزومي -وكان من الأثبات-». إذن: أخذ الحديث كذلك مما من هذين حديث من ابن جريج. قال رحمه الله: «وانتهت رياسة الفقه بالمدينة إلى مالك بن أنس، فرحل إليه، ولازمه، وأخذ عنه». ومالك بن أنس كان إمام دار الهجرة حديثا وفقها. والإمام الشافعي أخذ عنه. قالوا: «وانتهت رياسة الفقه بالعراق إلى أبي حنيفة، فأخذ عن صاحبه محمد بن حسن، جمولا ليس فيها شيء إلا وقد سمعه عليه». قالوا: «فاجتمع له علم أهل الرأي، وعلم أهل الحديث، فتصرف في ذلك حتى أصل الأصول، وقعد القواعد، وأذعن له الموافق والمخالف، واشتهر أمره، وعلا ذكره، وارتفع قدره، حتى صار منه ما صار». إذن: هذه بعض الأسباب التي جعلت الإمام الشافعي رحمه الله تعالى يقعد القواعد، ويؤصل أصول هذا الفن، إلى جانب ما سمعتم أن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى تهيئت له أسباب أخرى، منها أنه تربى في البادية منذ صغره، وأخذ العربية عنهم، وكانوا من فصحة أو من أفصح العرب، فكان ذلك سببا لأن يكون ماذا؟ على لسان مستقيم واضح. فالإمام الشافعي رحمه الله تعالى حاز قصبا السبق في هذا الفن، فهو -كما سمعتم- أول من صنف في علم أصول الفقه بالإجماع، نص على ذلك أي: نقله الإجماع الأسنوي وغيره على أن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى أول من ألف وصنف في علم أصول الفقه. وكما قال شرف الدين يحيى العمريطي في نظمه لكتاب الورقات للجويني: «الحمد لله الذي قد أظهر علم الأصول للوراء، وأشهر على لسان الشافعي ...» إلى آخره. فهو الذي له ابتداء، دون وتابعته الناس حتى صار كتبا صغارا، أو كبارا. فالإمام الشافعي رحمه الله تعالى أول من دون وصنف في علم أصول الفقه، ومن أشهر كتبه في ذلك كتاب الرسالة، التي كتبها بطلب من الإمام عبد الرحمن بن مهدي رحمه الله -إمام الحديث وإمام الجرح والتعديل- طلب من إمام الشافعي رحمه الله تعالى أن يكتب له كتابا يضبط فيه هذا الباب، يتكلم على مسائل التعارض بين الأدلة، كالمنسوخ العام والخاص، وما شابه ذلك. فكتب له هذا الكتاب الذي شهر وعرف بكتاب الرسالة. فلما قرأه عبد الرحمن بن مهدي رحمه الله تعالى قال: «وقفت على كتاب لرجل عاقل». قال: «ما أدعو بدعاء إلا وأدعو للشافعي فيه». من يقول هذا؟ ابن مهدي، وهو من أقران الشافعي، أو أعلى منه درجة، أو أعلى منه ماذا؟ درجة. ومع هذا احتاج إلى الشافعي، احتاج إلى من؟ إلى الإمام الشافعي رحمه الله تعالى. والإمام الشافعي رحمه الله تعالى في كتابه الرسالة جمعا، أو ذكر فيه مباحث كثيرة من مباحث أصول الفقه، إلا أنه -كعادة غيره من الكتب التي تصنف ابتداء- لا بد أن يعتريها ماذا؟ النقص، وكذلك الشيء من الخلل في أمر الترتيب. ولكن -كما سمعتم- له الشرف، وله الفضل على كل من جاء بعده -بعد الله جل وعلا- في هذا الفن. وللإمام الشافعي رحمه الله تعالى كتب أخرى كذلك، هي كالمتممات، ومباحث في أصول الفقه، من أشهرها كذلك -إلى جانب الرسالة- كتابه جماع العلم، وكتابه أحكام القرآن، وكذلك كتابه اختلاف الحديث، وكتابه إبطال الاستحسان، وكتابه القياس، الذي فيه تضليل المعتزلة، ورجوعه عن قبول شهادتهم. ثم تبعه المصنفون في الأصول على ذلك. قال الجويني في شرح الرسالة: «لم يسبق الشافعية أحد في تصنيف الأصول ومعرفتها». ومنه نعلم أن أصول الفقه -أو علم أصول الفقه- سلفي المبتدأ، وسلفي المأخذ. إذ أن أول من صنف فيه من؟ الإمام الشافعي رحمه الله. واضح. ومن أين أخذه؟ ما أخذه من الكتاب والسنة، واستقراء صنيع سلف هذه الأمة -رضي الله عنهم وأرضاهم-. المرحلة التي تلي هذه من المراحل التي مر بها علم أصول الفقه: مرحلة ترجمة كتب الفلاسفة واليونان في أيام المأمون العباسي، وبترجمة تلك الكتب دخل في علوم الإسلام ما دخلها من هذه العلوم، ونشأت مدرسة المتكلمين، وأصحاب الجدليات والنظريات الكلامية البعيدة عن علوم الإسلام. وبدورها أقبل هؤلاء على علم أصول الفقه، وأدخلوا فيه ما ليس منه، وأخرجوه عن حقيقته وماهيته التي وضع لأجلها. لذا تجد أكثر كتب الأصول قد دخلها علم الكلام، لكن بين مقل ومستكثر، حتى ظن من لا تحقيق له في هذا العلم أن من مواد علم الأصول: أن من مواد وموارد علم أصول الفقه علم الكلام والجدل. بعضهم تجده يقول لك: استمداده الكتاب والسنة، واللغة، وعلم الكلام. واضح. جمعوا هذا خطأ. وهذا افتراء على هذا العلم. أن يقال: أن علم الكلام أنه من ماذا؟ أنه من أصول الفقه. علم الكلام الذي دمه السلف: أنه من ماذا؟ أنه من أصول الفقه. حتى كذلك ظن بعضهم أنه لا يبلغ أحد حد التحقيق في هذا الفن إلا من أتقن علم الكلام، فيضيع عمره في ذلك، يبحث، ويأتي بماذا؟ بالقاعدة أو القانون، ثم يناظر من خالفه، ويأتي بالجدليات والنظريات والخلافيات، وإلى غير ذلك. حتى الناظر في كتب المتكلمين في أصول الفقه لا يعجب، يقرأ المسألة تكون في جهة، وتحتها من الأبحاث والكلام الكثير، والجدال والنظريات ما تجعل الإنسان يمل، يمن من القراءة. لماذا؟ لبعدها أولا عن الدليل، ولكثرة ماذا؟ الجدال والخصومات، وتقرير ما أريد تقريره من عدة أوجه، وكثير منها بعيدة عن الحق والصواب، ولا تستند إلى دليل أصلا. وهذا الأمر -أي ظهور أو إدخال علم الكلام في أصول الفقه- كان له الأثر السيء على علم أصول الفقه، إذ كان ذلك سببا لزهد كثير من الناس فيه؛ لنفورهم وزهدهم في علم الكلام، وأهله. هذه مرحلة وسئة -بإذن الله جل وعلا-. ذكر شيء مما أدخله المتكلمون في هذا الفن في ثنايا الدروس -بإذن الله جل وعلا-. المرحلة الثالثة: مرحلة ظهور الإمام الخطيب البغدادي في العراق، وابن عبدالبر في المغرب. وتان لهم الأثر البالغ في تهذيب هذا الفن، وإعادته إلى مورده الصافي، بعد أن أدخل فيه المتكلمون ما أدخلوا. وخطيب البغدادي رحمه الله تعالى من أشهر كتبه كتاب الفقيه والمتفقه، كما أن من أشهر كتب ابن عبدالبر جامع بيان العلم وفضله. وكتاب الخطيب البغدادي رحمه الله تعالى -كما ذكر في مقدمته- أنه كتبه نصيحة لأهل الحديث وغيرهم. قال: «لأهل الحديث خاصة، ولغيرهم عامة». يريد غيرهم. كما أشار بعضهم أنه أراد بذلك أهل الرأي. أراد بذلك أهل الرأي؛ وذلك لأنه حصل كذلك من التنافر في زمنه بين المدرستين، بين مدرسة الحديث، وبين مدرسة الرأي -كما حصل في زمن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى-. لذا يقول: بأن مدرسة الخطيب البغدادي كانت امتدادا لمدرسة الإمام الشافعي رحمه الله تعالى بتهذيب هذا الفن، وإرجاع الناس إلى الحديث، والأخذ بالرأي الصحيح، والقياس الصحيح، ونبذ الرأي الفاسد، والقياس الفاسد، وفتح باب الاستنباط والاجتهاد المبني على القواعد والأصول الشرعية. فكانه كذلك -كما يقال- الأثر، فهو يعتبر من المجددين. وابن عبدالبر والخطيب البغدادي يعتبران من المجددين لهذا الفن. ثم بعد زمنهم بفترة كذلك حصل، ودخل في علم الكلام، أو في علم أصول الفقه ما دخل. نعم، كان هناك من العلماء رحمهم الله تعالى ممن يسير على مذهب أهل السنة والجماعة، لكن قد دخل في العلم -في هذا العلم- ما دخل. حتى جاءت المرحلة التي يمكن أن نقول: بأنها المرحلة الأخيرة في تجديد أصول الفقه، وهي مرحلة ظهور مدرسة شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، وتلامذته، ومن أشهرهم الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى. وشيخ الإسلام رحمه الله تعالى، وتلميذ ابن القيم يعدان من أفضل وأحسن من نقحا هذا العلم، ونقياه، واستدلاله، وبرهنا عليه، وبينا ما يصح منه، وما لا يصح منه. وكل من جاء بعدهم عالة على هذين الإمامين رحمهم الله تعالى في تحقيقي الحق في أصول الفقه، وإبطال الباطل، وذكر الصحيح من الفاسد. هذه -كما يقال- لمحة سريعة في ماذا؟ في علم أصول الفقه. الفصل الثاني في مبادئ هذا العلم. وكما تعلمون أننا في علم، والإنسان إذا درس علما جديدا ينبغي له قبل أن يدخل في ذلك العلم أن يعرف مبادئ ذلك العلم. وكما قيل: «إن مبادئ كل علم عشرة: الحد، والموضوع، ثم الثمرة، ونسبة، وفضله، والواضع، والاسم، والاستمداد، وحكم الشارع، مسائل». والبعض بالبعض اكتفى. ومن در الجميع حاز الشرفاء. فهذه عشرة. وبعضهم يعني يجعلها إحدى عشر. هذه عشرة مبادئ. يعني جافئ هنا: «إن مبادئ كل علم عشرة». واضح. وبعضهم يجعلها إحدى عشر: ما هو الحادي عشر؟ يجعل المسائل مسألة، والشرف مسألة أخرى -كما سيأتي معنى- بإذن الله عز وجل. قولهم: «الحد»: الحد بمعنى التعريف، والضابط. وسيأتي تعريف هذا الفن في الكتاب -بإذن الله عز وجل- قريبا. وموضوعهم: الأدلة السمعية، أو قل: الأدلة الشرعية إجمالا -لا تفصيلا-، وكيفية الإفادة منها، وحال المستفيد منها. والثمرة: ثمرتها -أي ثمرة هذا الفن- القدرة على استنباط الأحكام الشرعية من الأدلة. فالذي يضبط هذا العلم، ويتقن علم الأصول: لا شك أنه يستطيع أن يتعامل مع النصوص الشرعية، ويعرف كيف يستنبط منها الأحكام. وكما قال الشيخ رشيد رحمه الله تعالى: «إن المقصود من أصول الفقه أن يفقه مراد الله ورسوله بالكتاب والسنة». هذا المقصود من إيش؟ من أصول الفقه: أن تعلم ماذا؟ أراد الله جل وعلا بهذه الآية، وماذا أراد رسوله صلى الله عليه وسلم بهذا الحديث. واضحة. وهذا لا يتأتي إلا بمعرفة إيش؟ هذه القواعد. أمر الله جل وعلا يقول: «وأقيموا الصلاة». يقول: أمر الله جل وعلا بإقامة الصلاة، والأمر يقتضي ماذا؟ الوجوب. يقول النبي صلى الله عليه وسلم مثلا: «نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها». يقول: قولوا: «نهيتكم» يفيد الأمر، لكن قولهم: «قد نهيتكم فزوروها»: أي: دل على ماذا؟ على أن الأمر كان منهيا عنه، ثم نسخ، نسخ ذلك بقوله ماذا؟ «فزوروها». واضحة. وما شابه ذلك يعلم مراد الله، ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم. هذه من ثمراته -إلى جانب ما تقدم معنا مرارا- أن من أعظم ثماره ماذا؟ نيل مرضات الله جل وعلا. ونسبته: أنه من العلوم الشرعية، وهو علم مستقل من العلوم الشرعية. وفضله: أنه وسيلة إلى الفقه في الدين. فضله: أنه وسيلة إلى الفقه في الدين. والوسائل لها أحكام المقاصد، فكل فضيلة في الفقه في الدين فإنها فضيلة له. لماذا؟ لأن الوسائل لها أحكام المقاصد. وواضعه: هو الإمام الشافعي رحمه الله. واسمه: علم أصول الفقه. واستمداده: من ثلاثة أمور. الأول: من علم التوحيد والعقيدة. استمداده: أن يستمد هذا العلم من ثلاثة أمور. الأول: من علم التوحيد والعقيدة؛ وذلك لتوقف الأحكام الشرعية على معرفة الله تعالى، وصدق رسوله صلى الله عليه وسلم فيما جاء به من الأحكام؛ لأنه المبلغ عن الله تعالى. واضحة. الإنسان لماذا يبحث: هل أراد الله كذا؟ ما مقصود الله جل وعلا بكذا؟ ما معنى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ لماذا يفعل هذا؟ لأنه ماذا؟ لأنه يتعبد إلى الله جل وعلا بذلك. ف هو -كما سمعتم- من أصوله علم التوحيد والعقيدة؛ لأن مبناه على ماذا؟ على الإيمان بالله ورسوله. مبناه على الإيمان بالله وبرسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم؛ لأنه إذا سمع قول الله جل وعلا: «وأقيموا الصلاة»، هو يؤمن بأن الله جل وعلا له أوامر، أمرنا بكذا، وجب علينا أن نطيع الله جل وعلا بأمره. هذا سمع أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «افعلوا كذا وكذا»، أو «اتركوا كذا وكذا»، وهو يؤمن بأنه يجب عليه أن يؤمن برسول الله صلى الله عليه وسلم، وبكل ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. فإذا: يستمد من علم التوحيد والعقيدة. الأمر الثاني: أنه يستمد كذلك من علم اللغة العربية؛ فلابد أن يعرف الأصول قدرا صالحا من اللغة، يتمكن به من معرفة الكتاب والسنة. الثالث: من الأحكام الشرعية؛ فلابد أن يعرف قدرا صالحا من الفقه؛ ليتمكن من تطبيق المسائل، وإيضاحها. حكمه: فرض كفاية. فهو من فرض كفاية. وجاء في المسودة: ويقال مسودة لآل تيمية. المسودة لآل تيمية: هي كتاب مكون من ثلاثة مؤلفين -يعني كتاب سود فيه، أو كتب فيه- مفسودة. جد شيخ الإسلام الإمام المجد ابن تيمية رحمه الله سودها، ولم يبيضها، مات. ذكر فيه مباحث من مباحث أصول الفقه. ثم جاء ولده بعد ذلك: عبد الحليم، الشيخ عبد الحليم رحمه الله، فكتب كذلك، وأضاف إلى تلك المسودة مسودة أخرى، ولم يبيضها، ومات. ثم جاء الشيخ الإمام المتيمية رحمه الله، وكتب فوق ما كتبه أبوه وجده مسودة، ومات أيضا رحمه الله الجميع قبل أن يسودوا. فأخرجها بعد ذلك بعض تلاميذ شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، وسمي ذلك الكتاب ماذا؟ بالمسودة. الحاصل: أنه ذكر في كتاب المسودة أن حكم تعلم أصول الفقه: أنه فرض عين على من أراد الاجتهاد، والحكم، والفتوى. ومعنى هذا: على أن من تخصص، فأراد أن يكون من المجتهدين، أو أن يكون من الحكام، أو من المفتين: فيجب عليه عينا أن يتعلم أصول الفقه. لماذا؟ لأنه لا يستطيع أن يتوصل إلى الاستنباط، ولا إلى أن يكون مجتهدا بضوابط الاجتهاد، وكيفية الاستدلال إلا بماذا؟ إلا بعلم أصول الفقه. واضحة. قالها. ومسائله -يعني هذا على قول- أن مسائل من المبادئ. مسائله: قالوا: مباحثه التي يلتزمها المجتهد، ويستفيد منها، ويستنبط الأحكام الشرعية على ضوئها. وشرفه: قالوا: هو علم شريف؛ لشرف موضوعه، وهو العلم بأحكام الله تعالى، المتضمن للفوز بسعادة الدارين. ها هنا بعض -كما يقال- إشارات ومسائل يشار إليها إشارة. بعضهم يستشكل فيقول مثلا: لماذا يدرس أصول الفقه؟ وهو عبارة عن مجموعة علوم: هو مجموعة علوم: عن علم لغة، إلى جانب علم حديث، إلى جانب معرفة علم القراءات، وما شابه ذلك. فلماذا يجعل هذا الفن فنا مستقلا؟ فأجيب عن هذا بأجوبة: أن هذا الفن -كغيره من الفنون- وإن شارك بعض الفنون في بعض مباحثه، فليس كل ما في تلك العلوم موجود فيه، بل قد استقل في بعض المباحث ليست موجودة في تلك العلوم. ف على سبيل المثال: يعني علماء اللغة الأصول يحتاج إلى ماذا؟ إلى لغة. ومباحثه علماء اللغة غير مباحث علم الأصول. يعني تجد أهل اللغة إذا ذكروا مثلا تكلموا على حروف المعاني، أشاروا إليها بإشارة ماذا؟ عامة إجمالية. أما الأصول: لا يكتفي بذلك. الأصول لا يكتفي بماذا؟ بذلك. بل يدقق، وينظر، ويستخرج أحكاما جهلها اللغويون، وعلمها الأصول بماذا؟ باستقرائه، باستقرائه للأحكام الشرعية. استخرج أن هذا الحرف من معانيه كذا وكذا. يعني على سبيل المثال: قول الله جل وعلا: ﴿فَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾. الباء هنا -بسبب هذه الباء- وقع خلاف: ما المقصود بالباء هنا؟ هل هي للتبعيد؟ فمن رأى أن الباء للتبعيد قالوا: يجزئ ماذا؟ أن يمسح جزئا، أو بعض الرأس. وآخرون قالوا: لا. لا الباء هنا للملاصقة. من أين لكم للملاصقة؟ قالوا: فسرها سنة الرسول صلى الله عليه وسلم: أنه كان إذا مسح أقبل بيديه، وماذا؟ وأدبر. إذا قوله صلى الله عليه وسلم: ﴿بِرُءُوسِكُمْ﴾. اللام لست للتبعيد، وإنما هي للملاصقة. واضح يا أخوة أم لا؟ فشأن أنهم وقفوا على دقائق، وعلى أمور ما وقف عليها هؤلاء. وبعضهم كذلك قد يستشكل يقول: إذا كان قد دخل في علم أصول الفقه ما دخل من علم الكلام، فلماذا يتعلم؟ وقد ملئت الكتب الأصولية بعلم الكلام. فأجيب عن هذا بجواب إجمالي، وهناك أجوبة تفصيلية يأتي ذكرها -بإذن الله عز وجل- في كتاب، أو في مباحث أوسع. حاصلها: أن علم الكلام دخيل على هذا العلم، وليس هو الأصل. كما أنه دخل في علم العقائد، وفي علم مصطلح الحديث، بل وفي اللغة، وفي كثير من المباحث: دخلت مسائل من علم الكلام. فلم تكن سببا لترك تلك العلوم. وكذلك الأمر ها هنا. وكذلك الأمر ها هنا. بسم الله ندخل في الكتاب، نقرأ ما تيسر. قال رحمه الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم. افتتح الشيخ رحمه الله تعالى كتابه بالبسملة؛ اقتداء بكتب أهل العلم، بل قبل ذلك اقتداء بكتاب الله جل وعلا، وبكتابات رسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. وتحت هذا مباحث كثيرة قد مرت معنا في أثناء دروس العقائد، وبسطنا القول فيها لمن أراد الرجوع إليها في كتاب فتح رب العباد شرح ودراسة لمعة الاعتقاد. أشهد أنها أن العلماء يفتتحون كتبهم بالبسملة؛ لا اقتداء بكتاب الله، وبسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وهو الذي استقر عليه صنيع المصنفين -كما ذكر ذلك الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في كتاب فتح الباري- قال رحمه الله تعالى: «المقدمة، ومقدمة الشيء: هو ما تكون ما يبتدأ بها، ما يبتدأ بها. وقد تكون مقدمة حقيقية، وقد تكون ماذا؟ معنوية». والمقصود المقدمة ها هنا: المقدمة المعنوية، وهي المقدمة للكتاب -مقدمة للكتاب- أي: بين يدي الكتاب. قال رحمه الله تعالى: الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادئ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليما. هذه الخطبة تسمى خطبة الحاجة، وقد جاءت في ذلك أحاديث كثيرة استوعبها العلامة الألباني رحمه الله تعالى في جزء سماه خطبة الحاجة. والشيخ رحمه الله تعالى بعد أن افتتح كتابه بالبسملة، ثنى هذا الافتتاح بالحمد لله. والحمد لله تسمى مقدمة إضافية، أو نسبية -أي بالنسبة للبسملة- فيكون بذلك افتتح كتابه بماذا؟ بالمقدمتين: الأولى البسملة، والثانية الحمد لله. وقول الحمد لله نحمده إلى آخر الكلام: عليه تقدم كذلك مباحث الحمد معنى مرارا في هذا الفن، نحيل إلى ما تقدم ذكره. والخلاصة: أن قوله: «الحمد لله»: معناه أن الحمد كل الحمد هو لله جل وعلا. الحمد المطلق لله جل وعلا؛ لأن الألف واللام الداخل على الحمد: معنى الاستغراق، أي: أن جميع المحامدة هي لله جل وعلا. واللام في قوله: «لله»: لام الاستحقاق. فالله جل وعلا المستحق لجميع المحامد. والحمد -كما عرفه شيخ الإسلام ابن القيم رحمه الله تعالى، وقبله شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله- أنه ذكر محاسن المحمود مع محبة، وتعظيم، إجلال. قوله رحمه الله تعالى: «أما بعد»: هذا يؤتى بها للفصل بين موضوعين. وتقديرها: أن هذه أما بعد أتبقى. وتقديرها: مهما يكون من شيء بعد. لذا يأتي في جوابها بالفاء، فيقال: «فهذه رسالة». قال: «فهذه رسالة مختصرة في أصول الفقه، كتبناها على وفق المنهج المقرر للسنة الثانية في المعاهد العلمية». قوله: «فهذه رسالة مختصرة»: وقوله: «مختصرة»: في إشارة إلى أن الشيخ رحمه الله تعالى كان من مقاصد تأليفه: عدم التطويل، بل الاختصار. وقوله: «في أصول الفقه»: كما تقدم: أي أنها خاصة في علم أصول الفقه. وقوله: «كتبناها على وفق المنهج المقرر للسنة الثالثة الثانوية في المعاهد العلمية»: وهذا يدلنا على ما كان عليه الشيخ رحمه الله تعالى من العلم؛ حيث احتاج إلى أن يكون مصنفا، ومؤلفا للمقررات العلمية في المعاهد العلمية. وقوله: «وسميناها الأصول من علم الأصول». قوله: «سميناها الأصول من علم الأصول»: في هذا الاسم من الشيخ رحمه الله تعالى لطيفة، وتنبيه. وهذه اللطيفة، وهذا التنبيه: هو أن الشيخ رحمه الله تعالى أراد بهذا الكتاب ذكر الأصول من هذا العلم. أراد ذكر ماذا؟ الأصول من هذا العلم. ومعناه: أن الشيخ اجتنب ما لا يكون كذلك -اجتنب ما لا يكون كذلك- أي: من الفروع التي تكون مباحث ضمن تلك الأصول التي أشير إليها، والتي ذكرت ضمنا في هذا الكتاب. إذن: قول الشيخ رحمه الله تعالى: «وسميناها الأصول من علم الأصول»: الاسم مقصود. الاسم الذي سماه به الشيخ: سم به هذا الكتاب مقصود. لماذا؟ مقصود؛ لأن الشيخ رحمه الله تعالى كأنه يقول: يا طالب العلم، أنا قد صنفت لك، وألفت لك كتابا هو أصول في هذا الفن. واضحة. كأنه يقول لطالب العلم: بأنني صنفت لك كتابا مختصرا هو أصل، أو هو أصول هذا الفن. وإذا كان الأمر كذلك، وكان المصنف هو الشيخ محمد بن صالح العثيمين: كان الجدير بطالب العلم أن يكون حريصا على العلم بهذه الأصول، والاستفادة من هذه الأصول، وتقرير هذه الأصول. وكأن الشيخ رحمه الله تعالى يقول: «المباحث المهمة في أصول الفقه مدارها على ماذا؟ على ما ذكر هاهنا». مدارها على ما ذكر هاهنا. ففيه لفتة، وتهيئة لطالب العلم بأن يعتني بهذا الكتاب، بأن يعتني بهذا الكتاب، أن يحرص على فهم هذه القواعد، وتحصيلها، وضبطها. قال: «أسأل الله أن يجعل عملنا خالصا لله، ونافعا لعباد الله، إنه قريب مجيب». ولعل الله جل وعلا استجاب للشيخ رحمه الله تعالى دعوته. هذا فالكتاب -كما ترون- من أنفع الكتب لطالب العلم، ولا سيما -كما علمتم- أن كثيرا من الكتب قد دخلها ما دخلها. لكن لما يكون المصنف المؤلف لهذا الكتاب هو إمام، وعلم من أعلام السنة: كيف يكون حال الطالب أثناء قراءة لهذا الكتاب؟ يكون مطمئنا، يكون ماذا؟ مطمئنا لمباحث هذا الكتاب. ولا سيما -ولا سيما- لما ذكر من كون الشيخ رحمه الله تعالى من أعلام السنة في هذا العصر -عليه رحمة الله-. وقوله رحمه الله: «نافعا لعباد الله، إنه قريب مجيب»: كما تعلمون أن الله جل وعلا نفع بكتاب الشيخ رحمه الله تعالى في حياته، وبعد مماته. ولعل الله جل وعلا بارك له في علمه؛ لما علم من إخلاصه، وصدقه، وحسن نيته. والله تعالى أعلى وأعلم. قال رحمه الله تعالى: أصول الفقه. قال رحمه الله تعالى: «أصول الفقه»: كلمة، أو قوله: «أصول الفقه»: هذه جملة، أو قل: مركب من جزئين: أصول الفقه. أصول الفقه: مكون، ومركب من ماذا؟ من جزئين: من أصول، وفقه. فهو مركب، وهو من أي أنواع التركيب؟ من التركيب الإضافي؛ لأن أصول: مضاف، والفقه: مضاف إليه. فهو من إيش؟ من التركيب الإضافي؛ لأن التركيب -كما تعرفون عند النحاة- أقسام: تركيب مزجي، وتركيب إسناد، وكذلك التركيب الإضافي. قال رحمه الله تعالى: تعريفه -أي: تعريف أصول الفقه- قال: «أصول الفقه يعرف باعتبارين». أي: أن العلماء رحمهم الله تعالى يعرفون أصول الفقه باعتبارين. ما هما الاعتباران؟ يعرفونه باعتبارين: باعتبار مفرديه، وباعتباره مركبا -علما على هذا الفن-. لماذا العلماء رحمهم الله تعالى يعرفون أصول الفقه بهذا باعتبارين؟ ثم إنهم يبدأون بتعريفه باعتبار مفرديه -كما ذكر الشيخ رحمه الله تعالى ها هنا- قال: «الأول باعتبار مفرديه». قوله: «باعتبار مفرديه»: أي: