الدرس في شرح الأصول من علم الأصول 1، ألقاها
يتناول أهمية علم أصول الفقه في فهم الأحكام الشرعية وتفسير النصوص الدينية، ويبين دوره في ضبط قواعد الاستنباط والتعامل مع الأدلة الشرعية. يشير إلى أن هذا العلم أساسي لفهم الفقه وتطبيقه.
يشرح العلاقة بين علم أصول الفقه والفقه، ويبين أن كلا العلمين مكمل للآخر، ويتناول آراء العلماء حول أولوية البدء بدراستهما. يوضح أن فهم أحدهما يعتمد على الآخر.
يتناول ظهور مدرسة أهل الرأي في الكوفة وأسباب ذلك، ويشرح موقف الصحابة من استخدام الرأي في الدين، مشيرًا إلى آراء بعض الصحابة مثل علي بن أبي طالب في هذا الشأن. يبين أن مدرسة أهل الرأي نشأت بسبب الحاجة إلى الاستنباط والقياس.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، من سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، فأولًا نحمد الله عز وجل على نعمة الاجتماع بمثل هذه المجالس التي نسأل الله عز وجل أن يجعلها من المجالس التي تقرب إلى مرضاته ومحبته سبحانه وتعالى، وأن تكون سببًا لمغفرة الذنوب ومحوها والإبدال بالحسنات، وكذلك رفع الدرجات. فإن مجالس العلم لها من الفضل ولها من المناقب الكثيرة التي ذكرها ربنا جل وعلا في كتابه، وذكرها رسوله صلى الله عليه وسلم الشيء الكثير. وكفى بها فضلًا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من يرد الله به خيرًا يفقه في الدين»، وقوله صلى الله عليه وسلم: «اجتمع قوم في بيت من بيت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه فيما بينهم إلا غشيتهم الرحمة ونزلت علي القرآن وحفَّتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده». ونحن في هذا اليوم بإذن الله عز وجل مع درس من دروس أصول الفقه، وهذا العلم كما هو معلوم من علوم الشريعة التي بها يتعلم الإنسان ويتعرف على أحكام الله جل وعلا وعلى شرع الله جل وعلا. فالحاصل من هذا أننا في هذا المجلس الذي نسأل الله جل وعلا أن يجعله مجلسًا مباركًا نافعًا لنا في دنيانا وفي أخرانا، مع علم من علوم الشريعة المستمدة من كتاب الله جل وعلا ومن سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ومن صنيع سلف هذه الأمة رضي الله عنهم وأرضاهم. والذي من أعظم ثمار هذا العلم نيل مرضات الله جل وعلا والقرب من الله جل وعلا، إلى جانب ما فيه من الأمور التي إن تمكن الطالب في هذا العلم وصار عنده ملكة صار بهذه الملكة من العلماء بإذن الله جل وعلا الذين يستطيعون أن يستنبطوا الأحكام الشرعية من الأدلة الشرعية استنباطًا صحيحًا مأخوذًا على أسس وقواعد راسخة. لأن علم أصول الفقه علم يضبط للفقيه علمه، أي يضبط للفقيه العلم الصحيح من العلم غير الصحيح، ويضبط للفقيه قواعد الاستنباط وقواعد التعامل مع الأدلة الشرعية. أي كيف يستطيع الفقيه أن يعلم أن هذه الآية فيها دلالة على وجوب كذا وكذا، والآية الأخرى إنما الدليل فيها على الاستحباب لا على الوجوب، ومن أين يستطيع أن يعلم أن هذه الآية دليلها عام والدليل الآخر أو حكمها عام، ودليل آخر من كتاب الله جل وعلا أو من سنة رسوله صلى الله عليه وسلم دليله خاص. أو أن هذا ناسخ وهذا منسوخ، أو أن هذا راجح وهذا مرجوح، أو أن الضمير يعود على أقرب مذكور، أو أن الضمير يعود على جميع المذكورات قبله، أو ما شابه ذلك. لا يستطيع الفقيه أن يتوصل إلى ذلك إلا بمعرفة علم الأصول الذي حقيقته أنه معرفة القواعد التي بها يستنبط الأحكام الشرعية من أدلتها الإجمالية. فالله جل وعلا يقول في كتابه الكريم مثلًا: «ولا تقربوا الزنا»، ويأتي الفقيه يقول: إن قول الله جل وعلا «ولا تقربوا الزنا» معناه أن الله جل وعلا يحرم الزنا. الآن إذا نظرنا إلى الآية هل فيها أن الله جل وعلا قال: الزنا حرم؟ الجواب لا، لكن قال: «ولا تقربوا الزنا». فمن أين استفاد الفقيه هذا الحكم؟ استفاد من قواعد علم أصول الفقه. علما أن النهي فيه قاعدة في أصول الفقه تقول: إن الأصل في النهي أنه للتحريم. فالأصولي يقول: قول الله جل وعلا «ولا تقربوا الزنا» هذا نهي عن قربان الزنا، والأصل في النهي أنه يقتضي التحريم. فهل هذه القاعدة وضعها العلماء من آرائهم مجرد آراء أو ظنون؟ الجواب: أنها مأخوذة من أدلة شرعية. لذا يقول علماء أصول الفقه كقاعدة عامة: إن القواعد الفقهية ويدخل فيها كذلك القواعد الأصولية يستدل بها أو يستدل لها. ومعنى يستدل بها أو يستدل لها: أنه أولًا يحتاج أن ينظر هل هذه القاعدة صحيحة أم لا؟ يعني يأتي إنسان يقول: الأمر للوجوب، نسلم مباشرة، نقول له: ما دليلك؟ أنت الآن تقول: الأمر للوجوب والوجوب حكم شرعي هكذا أم لا؟ نقول له: ما دليلك؟ فالأصول يهتم بهذه المسائل، الأصول في علم أصول الفقه يهتم بتقرير هذه المسائل وتقعيدها، ويدلل ويبرهن على أن الأمر يقتضي الوجوب. يأتي الإنسان إلى الأصول يقول: يا أهل الأصول أنتم تقولون: بأن الأمر يقتضي الوجوب، يقول: نعم، يقول له: ما دليلك؟ ما برهانه؟ فيقول: دليلي قول الله جل وعلا: «فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة ويصيبهم عذاب أليم»، يخالفون عن أمره يحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة ويصيبهم عذاب أليم. إذن من ترك الأمر كان ذلك سببًا لأن يناله العذاب. واضح؟ إذن الأمر يقتضي الوجوب. وكذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء». لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم. إذن لفظ الأمر إيش يدل؟ يدل على الوجوب. إذن الأصول مهمته ضبط القاعدة أولًا التي هي في الحقيقة مأخوذة من كتاب الله جل وعلا أو من سنة رسوله صلى الله عليه وسلم. وكذلك مما كان عليه الصحابة الكرام استنباطاتهم. والأمر الثاني: التدليل على هذه القاعدة. أولًا ضبط القاعدة، والثاني: البرهنة وإثبات الدليل على صحة هذه القاعدة. واضح؟ بعد أن يصل إلى هاتين المرحلتين تأتي المرحلة الثالثة: وهي معرفة من هو الذي يستطيع أن يستخدم هذه القاعدة، وهو المجتهد. واضح؟ المجتهد اهتم أصول الفقه بماذا؟ بتعريف المجتهد وتقرير من هو المجتهد ومن الذي يصح له الاجتهاد ومن الذي لا يصح له الاجتهاد. لأن هذه القواعد ما هي عبث، ما يعمل بها كل أحد. الجاهل العام لا يعمل بها إلا من لهم صفات معينة. سيأتي معنا بإذن الله جل وعلا في مسألة باب الاجتهاد: أن القول الصحيح أن الاجتهاد يتجزأ ويتبعض. واضح؟ والحاصل من هذا أن علم أصول الفقه يهتم كذلك بالنظر في حال المجتهد الذي يستطيع تطبيق هذه القواعد الشرعية الأصولية على الأدلة فيستنبط منها الأحكام. فمثلًا يأتي إنسان يقول له: ما حكم كذا وكذا؟ ما حكم كذا وكذا؟ تقول له: انتظر، الله جل وعلا يقول كذا وكذا، ونبينا صلى الله عليه وسلم يقول كذا وكذا. إذن هذه أوامر والأصل في الأمر أنه للوجوب. إذن الأمر حكمًا أنه واجب. نريد أن نتوصل من هذا إلى أن معرفة علم أصول الفقه مهم ومهم جدًا لمن أراد أن تكون له ملكة في الفقه، ولا سيما إذا ضبط هذه الأصول. وليس معناه أن الإنسان يتعلم أصول الفقه ويصير عنده ملكة أن يفني عمره في مطالعة كتب أصول الفقه والنظر فيها وتقرير بعض المسائل على بعض. ولكن المقصود أن يضبط القواعد التي لا يستغني عنها فقيه بضوابط الكتاب والسنة على ما كان عليه علماء الأمة، ولا سيما المحققون منهم. واضح؟ مثال ذلك مما يحتاجه الفقيه أن يعلم أن الأصل في الأمر أنه للوجوب إلا أن تدل قرينة على صرفه عن هذا الظاهر. هذه قاعدة هل يستطيع أن يستغني عنها فقيه؟ ما يستطيع. وكذلك معرفة أن الأصل في النهي أنه للتحريم إلا أن تدل قرينة تصرفه عن هذا الظاهر. هل يستغني فقيه عن هذا الأمر؟ لا. معرفة الناسخ والمنسوخ هل يستغني عنه فقيه؟ لا. معرفة كذلك العام والخاص والمجمل والمفصل والمطلق والمقيد وما شابه ذلك من علوم أصول الفقه. سيأتي ذكرها بإذن الله جل وعلا. وضبط هذه العلوم بضوابطها التي وضعها العلماء المحققون في هذا الباب. ثم يسير وينتقل إلى تطبيق هذه القواعد على مسائل الفقه. لأن علم أصول الفقه هو في الحقيقة علم وسيلة. وهو ما يسميه بعضهم بعلم الآلة. ما معنى علوم الآلة؟ أي آلة يستخدمها المتخصص بالعلم الشرعي لإعمالها فيما يحتاج إليه. الفقه يحتاج إلى أصول الفقه، يحتاج إلى علم الحديث، يحتاج إلى اللغة، وما شابه ذلك. فهو يحتاج إلى علوم هي علوم آلة. لكن لا يستطيع أن يستنبط الأحكام الشرعية إلا بها. عملًا ومنها هنا يعني ذكر العلماء رحمهم الله تعالى: كما يقال الشيء بالشيء يذكر. منها هنا ذكر مسألة: وقبل هذه المسألة ذكروا مسألة وهي: قالوا: ما علاقة علم أصول الفقه بالفقه؟ كما ذكرنا أن الفقه يعتبر غاية. وأيضًا غاية ليس لذاتها، بل هو لمعرفة الأحكام الشرعية التي بها يتوصل العبد إلى رضوان الله جل وعلا. فالأصل أن يتوصل إلى رضوان الله جل وعلا وإلى عبادة الله جل وعلا كما أمره الله جل وعلا أن يعبده. فقالوا: حال علم أصول الفقه كحال الشيء الذي يستطاع به أن يميز الذهب الصحيح من الذهب الزائف. قالوا: هذا علم أصول الفقه. واضح؟ علم أصول الفقه هو كالمادة التي إذا وضعت على الذهب يستطاع أن يعلم أن هذا الذهب ذهب صافي أم أنه مخلوط. قالوا: وعلم أصول الفقه كالذهب. يعني إذا نظرنا إلى العلاقة بينهما: هذا الذهب لكن ما أدري هل هو صافي أو مخلوط. وهذه عندنا آلة لكن ما عندها الذهب. هل يستطيع أن يستغني أحدهما عن الآخر؟ ما يستطيع. لو كان إنسان عنده الآلة التي بها يميز الذهب الزائف من غير الزائف، وما عنده ذهب. هل ينتفع به؟ ما ينتفع به. آخر عنده الذهب لكن يقول: ما أدري يا جماعة قد يكون صافيًا وقد يكون مخلوطًا. هل سينتفع به؟ كذلك ما ينتفع به. فبعضهم شبه الفقه علاقة الفقه مع أصول الفقه قالوا: كحال هاتين الوصفين. الفقه من غير أصول الفقه كذلك، وأصول الفقه من غير الفقه كذلك. وبعضهم أتى بمثال آخر قالوا: الفقه مع أصول الفقه قالوا: الفقه كالطبيب الذي ليس عنده دواء. قالوا: أصول الفقه كالطبيب الذي ليس عنده دواء. ما هناك دواء. تخيل طبيب يأتي المريض يقول: مرضك يحتاج إلى دواء كذا وكذا وكذا. لكن الدواء لو دورت العالم كله ما ستجده. هل ينتفع من هذا الطبيب؟ ما ينتفع به. آخر رجل ما شاء الله عنده أنواع الأدوية. يأتي المريض: أنا في كذا وكذا. يقول: شوف الأدوية كثيرة. أما ما هو الدواء أنا ما أستطيع أصرف لك دواء. هل يستفيد المريض من هذا الجواب؟ لا. إذن كما قال علماء رحمهم الله تعالى: أن الفقه لا يستغني عن أصول الفقه كما أن أصول الفقه لا تستغني عن الفقه. واضح؟ ما يستغني أحدهما عن الآخر. لذا كما سمعتم جاءت المسألة المذكورة: هل الأولى أن يبتدئ الإنسان أو الطالب بعلم أصول الفقه؟ أو بعلم الفقه؟ واضح؟ أيهما أولى أن تبدأ بالفقه وأنت ما تعرف أصول الفقه؟ أو أن تبدأ بأصول الفقه وأنت ما تعرف الفقه؟ مشكلة أو غير مشكلة؟ يعني تخيل إنسان يدخل يتعلم الفقه وما يعلم أن الأمر يقتضي الوجوب. إيش يستفيد من الفقه؟ ما سيستفيد شيئًا. آخر يتعلم أصول الفقه ما عنده مسألة يستطيع أن يطبق عليها. ما عنده مسألة ما عنده فقه. هل ينتفع؟ الجواب لا. إذن هل معناه أن نترك الفنين؟ أو أن نتعلم العلمين معًا؟ الجواب: إن يستطيع ذلك فنعم. وإلا كما ذكر من ذكر من العلماء رحمهم الله تعالى قالوا: أن الأولى أن يتعلم من علم الفقه جملة جملة يستطيع أن يطبق قواعد أصول الفقه عليها. واضح؟ مثلًا يأخذ كتابًا من كتب الطهارة. سيمر عنده شيخ يقول له كذا كذا. أمر يقتضي الوجوب في ذهنه. هذا واجب هذا مستحب هذا محرم هذا عام هذا خاص هذا مقيد. تأتي المسائل الطالب قالوا: في هذه الفترة يتشوق لأن يعلم ما معنى العام؟ ما معنى الخاص؟ ما معنى المطلق؟ ما معنى المقيد؟ قالوا: في هذه الفترة يتعلم أصول الفقه وتكون الثمرة أكثر. وبعضهم عكس. بعضهم عكس فقال: لا يبدأ بأن يتعلم علوم أصول الفقه لأنها آلة. يعلم العام والخاص والمطلق والمقيد والمجمل والمبين والناسخ والمنسوخ والأمر والناهي وما شابه ذلك. والأحكام الشرعية والأحكام الوضعية يعني التكلفية والوضعية وما شابه ذلك. وفي أثناء التدريس تأتي الأمثلة تأتي الأمثلة. فيكون عنده تصور واضح. والجواب أن كلا الطريقتين صحيح. إن كانت على هذه الطريقة. واضح؟ يعني إن كان فقيه يدرس ويذكر في أثناء الدرس الشيخ يذكر في أثناء الدرس القواعد. فنور على نور. فيكون تخرج في الحقيقة درس ماذا؟ الفقه وقواعده. والعكس يدرس عند أصوله يدرس الفقه وأصوله أيضًا يكون نور على نور. لأنه يكون درس ماذا؟ الفقه وأصوله. طيب الحاصل من هذا أن هذه بعض المقدمات. وقبل أن ندخل في الكتاب نذكر مقدمة بين يدي الكتاب. وهذه المقدمة مكونة كذلك من مباحث أو قول من فصول. الفصل الأول: معرفة المراحل التاريخية التي مر بها علم أصول الفقه. أولى هذه المراحل المرحلة التي كان مبدأها في زمن الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم. ففي زمن الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم كانت هذه العلوم من غير تصنيف ولا تدوين. أي علم أصول الفقه لكن من غير تدوين ولا تصنيف. يعني الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم تكلموا أن هذه الآية نسخت هذا، وهذه الآية متقدمة وتلك متأخرة، وأن هذه الآية عامة وأن هذا خاص. وأن هذا مرجح على هذا في أدلة الترجيح. يعني رجحوا بعض الأدلة على بعضها بسبب قوة بعض الأدلة في نظرهم على بعض. مثال ذلك في الناسخ والمنسوخ أدلة كثيرة وكثيرة. أدلة كثيرة وكثيرة في الناسخ والمنسوخ قد تكلم بها الصحابة. قالوا: هذه نسخت هذا. وهذه بعد هذا. وكذلك في مسائل الأوامر أن الأصل فيها أنها للوجوب. وكذلك في أن الأصل في العام أنه يبقى على عمومه وعدم التقييد. وفي الترجيحات أيضًا في أن الدليلين إذا تعارض إذا كان ظاهرهما التعارض رجح أقواهما. يعني مثال ذلك كما يقال: حديث فاطمة بنت قيس رضي الله عنها وأرضاها في قصة أو في مسألة المطلقة ثلاث سكناها ونفقتها. جاء في حديث فاطمة بنت قيس أنها ما لها نفقة ولا سكنى. هذا حديث لكن من رواه ما رواه إلا فاطمة بنت قيس رضي الله عنها وأرضاها. وجاء عند عمها رضي الله عنه حكم بماذا؟ بأن لها السكنى. المطلقة ثلاثة لماذا؟ قال لظاهر القرآن. يقول الله عز وجل: «اسكنوهم من حيث سكنتم». قالوا: فحديث فاطمة بنت قيس قال: لا ندع كتاب الله لحديث امرأة لعلها نسيت أو أخطأت. هنا من تعارض الأدلة بعضها على بعض أم لا؟ نعم. ومن ترجيح بعض الأدلة على بعض أم لا؟ رجح القوي على الضعيف. هذا من صنيع من؟ من صنيع الصحابة. كذلك عائشة رضي الله عنها لما قيل: فإن فاطمة بنت قيس تفتي بكذا وكذا. فقالت: لا خير لها في هذه الفتوى. وإنما الحكم ما قال الله جل وعلا وذكرت هذه الآية. فهذه من مرجحات أم لا؟ مرجحات. وأدلة ذلك كثيرة. الحاصل أن الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم تكلموا وقرروا وعملوا بهذه القواعد من حيث الجملة. لكن من غير تصنيف ولا تدوين. لماذا؟ مع كون كما سمعتم يقررونها في الجملة. لماذا؟ الجواب كما هو ظاهر: أن لذلك أسبابًا. من أهمها أن الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم كانوا يتلقون الأحكام الشرعية مباشرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. فيعلمون مقاصده. يعلمون مقاصد الشرع. لأنهم يأخذون الشرع من هذا مباشرة من رسول الله صلى الله عليه وسلم. فهم يعلمون مقاصده والمراد من تلك النصوص. وما أشكل عليهم سألوه عنها. واضحة؟ ما أشكل عليهم من النصوص سألوه عنها. انتهى الأمر. وأيضًا من الأسباب: أنهم كانوا عربًا فصحاء. فكانوا بعربيتهم التي لم تمازجها عجمة يعلمون مقاصد الألفاظ ومدلولاتها ومقتضياتها. فيحكمون بماذا؟ على كل واقع بما علموه من لغة العرب. الأمر الثالث: أنهم لكمال علمهم وصفاء أذهانهم وسلامة قلوبهم من الأخلاط والأغلاط التي تنأى بالفهم عن المعنى السديد. استغنوا بهذا وغيره عن التقعيد والتأصيل. واضحة؟ أفهمهم سديدة كلهم. أفهمهم سديدة. يعني تخيل مجتمع يفهمون النصوص. هل يحتاجون إلى التقعيد؟ ها؟ مجتمع يفهمون القواعد. يفهمون ماذا؟ المراد. المتكلم يتكلم. يفهمون مراده. هل يحتاج إلى إنسان من بينهم يقول: أنا سأوقع لكم قواعد وأوصل لكم أصول؟ أجوا ماذا؟ لا. هم استغنوا بذلك عن ماذا؟ عن التقعيد وعن التصنيف وعن التدوين. طيب ثم بعد هذا سار على هذا السير أي على سير الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم تلاميذهم من التابعين وتلاميذ تلاميذهم من أتباع التابعين على نفس السير. يتعاملون مع النصوص على ظاهرها. إن أشكل عليهم سألوا أشياخهم. ما عندكم في هذا؟ ما مقصود هذا؟ وانتهى الأمر. ارتفع الإشكال. فلم يكنوا محتاجين إلى ماذا؟ لم يكنوا محتاجين إلى تقعيد ولا إلى تصنيف ولا إلى تدوين. وفي هذه المرحلة أي في مرحلة زمن أواخر التابعين أو قول في زمن التابعين وتابع التابعين ظهرت مدرسة أهل الرأي في هذه المرحلة. ظهرت مدرسة أهل الرأي في الكوفة وأشهر أئمتها أبو حنيفة وأتباعه ممن سار على سيره وانتهج نهجه في هذا الأمر. مع ما كان في الكوفة قبل ذلك من مدرسة أهل الحديث والأثر التي كان يرأسها إبراهيم النخعي رحمه الله تعالى. والذي قد تتلمذ على تلاميذ عبد الله بن مسعود. فهي مدرسة سلفي أثرية أصلية. ولكن جاء أبو حنيفة رحمه الله تعالى فبدأ كما سمعتم وظهر مدرسة أهل الرأي. وقد ذكر بعض العلماء أسبابًا لظهور هذه المدرسة أي مدرسة أهل الرأي. فمن هذه الأسباب قالوا: قلة اعتنائهم بجمع الأحاديث والآثار وتنقيحها. وبعضهم علل ذلك بأنهم كانوا في زمن متقدم كما سيما أبو حنيفة. الثاني: أن زمنهم لم يكن يعد زمنًا لتدوين السنة وجمعها وتصنيفها. أي لم تكن عندهم أحاديث منها يأخذون وإليها يرجعون. لكن تعرفون هذا يأخذ عن شيخه وهذا يأخذ عن شيخه. وكانت عندهم من السنة شيء وتخلف عنهم أشياء. لأن علم السنة كان أكثر ما يكون في الحجاز. وهذا يسمى في الزمن الأول في المدينة ومكة وما حواليها. السبب الثالث: احتياجهم إلى معرفة أحكام المسائل الشرعية مع قلة الأحاديث عندهم والآثار. فاحتيج إلى الاستنباط من النصوص المعلومة عندهم وإلحاق المسألة بشبهها في نظرهم. أي القياس. احتاجوا إلى ماذا؟ إلى القياس والرأي. ففتح باب الاستحسان والاجتهاد بالرأي. وكل ذلك في نظرهم للوصول إلى الحكم الشرعي. انظروا كيف فتح الأمر. الأمر الرابع: وهو فرع عما قبله أو مما قبله. أنهم اعتقدوا أن هذه الأقيسة والآراء المستنبطة مما علموه من الأدلة الشرعية. جعلوها أصولًا ترجع أو يرجع إليها غيرها من الأدلة والسنن. يعني جعلوا هذه الأدلة والأقيسة جعلوها ماذا؟ أصولًا. لأنهم في نظرهم أنهم استنبطوا الأحكام الشرعية. رأوا الأدلة الشرعية أنها تدور حول هذه القواعد. فجعلوا هذه القواعد كما يقال أصول يرجع إليها. فما جاءوا من الأدلة الشرعية جاءت من السنن. نظروا إلى هذا الدليل ونظروا إلى هذه القاعدة. إن كان موافقًا للقاعدة عملوا به وأخذوه. إن كان مخالفًا للقاعدة قالوا: بأنه خلاف القياس. واضحة؟ ما عملوا به. قالوا: خلاف القياس. ومعنى خلاف القياس ماذا؟ أنهم لا يعملون بالسنة وبالحديث بهذا الحديث. وهي السنة. ويقدمون ماذا؟ الرأي. لماذا؟ لأنه مبنى على أصول وقواعد عندهم. واضح؟ قالوا: فمتى جاء الحديث مخالفًا لتلك الأقيس زعموا. قالوا: نقدم القياس والرأي عليها. لأنها الأصل المطرد عندهم. وهذا الأمر كان سببًا لظهور المدرسة الأخرى. ما هي المدرسة الأخرى؟ وهي ظهور مدرسة أهل الحديث. ظهور مدرسة أهل الحديث ونفورها وتنفيرها من أهل الرأي كما سيأتي إن شاء الله تعالى. واضح؟ يعني جاءت مدرسة الكوفة مدرسة الرأي. وكان من ثمارها أو كان من حصائدها أنها كانت قعدة القواعد وأصلت الأصول. ومن هذه القواعد الأصول التي وضعوها أنها إذا خالفت هذه القواعد غيرها من النصوص الشرعية. قدمت ماذا؟ القاعدة على النص الشرعي. واضح؟ فظهرت في هذه الفترة مدرسة أهل الحديث والأثار الداعين إلى التمسك بالآثار ونبذ الآراء والأقيسة المصادمة للسنن. يعني جاءت ماذا؟ ضد هذه الفكرة وضد هذا الرأي. وهذه المدرسة هي امتداد لمدرسة الصحابة والتابعين رضي الله عنهم. لكن لما ظهرت مدرسة الرأي كمذهب برزت مدرسة أهل الحديث كمذهب. يعني صار أهل الحديث يقابلهم من؟ أهل الرأي. وأهل الرأي يقابلهم من؟ أهل الحديث. واضح؟ وإلا فمدرسة أهل الحديث مدرسة إيش؟ سلفية أثرية. واضح. لذا كما تعلمون جاءت آثار كثيرة عن الصحابة والتابعين في ذم الرأي. يعني من أشهرها ما جاء في سنن أبي داود وغيره عن علي رضي الله عنه. عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه والله قال: «لو كان الدين بالرأي لكان مسح الخفين لكان مسح أسفل الخف أولى من مسح أعلاه». قال: «ولقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح أعلى الخف». وجاء كذلك في حديث. وجاء كذلك في صحيح البخاري أن بعض الصحابة رضي الله عنهم أرضاهم في يوم صفين قالوا: ما ذا؟ اتهموا الرأي في الدين. اتهموا الرأي في الدين. «لقد رأيتنا يوم حنين وذكر قصة حنين». واضح؟ ملاحظ من هذا أن الصحابة كانوا يذمون ماذا؟ الرأي. يذمون الرأي المخالف المنابذ للسنة. فإذا مدرسة أهل الحديث أثارية سلفية كما تقدم. الحاصل بردت هذه المدرسة. وحصل بينها ما حصل مع المدرسة الأخرى من التنافر والتحذير. ومن بين هاتين المدرستين وفي تلك الفترة ظهر الإمام الشافعي الذي جعله الله فتحًا ونصرًا لأهل الحديث والسنة. حتى لقب بناصر الحديث. والوقت قد انتهى. نكتفي بهذا القدر في هذا اليوم. وما تبقى إلى درس آخر بإذن الله عز وجل. إلى هنا. سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.