الدرس في التعليق على كتاب العلم 67، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشدد المحاضر على وجوب بذل طالب العلم غاية جهده في التحصيل والمراجعة المستمرة مستشهداً بنصيحة ابن عثيمين. ويبين أن الإهمال يؤدي إلى تراكم الدروس وضياع الوقت بينما يتقن العالم علمه بالجد والحفظ الدائم.
يحذر المقطع من خطورة تدريس من لا يتقن مادته العلمية مستشهداً باعتراف مدرسة بجهلها. ويؤكد أن قوة الطالب العلمية مستمدة من قوة معلمه لذا يجب التأهيل والإتقان قبل الوقوف أمام الطلبة.
يستعرض النص آداب المعلم بضرورة الإتقان والاستعداد للأسئلة محذراً من الخطأ والانتهار. ويختم بأهمية حسن الإلقاء بالأمثلة والمناقشة وإخلاص النية ليكون المعلم بمنزلة الأب الشفيق.
يختتم المتحدث الجلسة بعد عرض جملة من نصائح الشيخ ابن عثيمين التربوية. ويشير إلى أن بقية النصائح ستستكمل في درس قادم منسوب الترجمة إلى نانسي قنقر.
الحمد لله، وصلاة السلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. وبعد: سُئل العلامة ابن عثيمين عليه رحمة الله، كما في كتابه "كتاب العلم": "ما توجيهكم حفظكم الله؟"؛ لأن هذا الكتاب أولي، فقبل موته يُقال: "رحمكم الله" لطلاب العلم، حيث يلاحظ الإهمال وعدم الجد، مما له آثار سيئة في التحصيل العلمي. فإذن هذه الظاهرة ليست حديثة اليوم، وإنما ظاهرة قديمة، ولكن أهل العلم يعالجونها بمثل هذه النصائح والمحفزات. فأجاب رحمه الله بقوله: "يجب على طلاب العلم أن يبذلوا غاية الجهد في تحصيل العلم، حتى يدركوا المعلومات إدراكاً قوياً راسخاً في نفوسهم؛ لأنهم إذا اجتهدوا وأخذوا العلوم شيئاً فشيئاً سهلت عليهم، ورسخت في نفوسهم، وسيطروا عليها سيطرة تامة. وهذا من فوائد الجد والاجتهاد. أما الطالب المهمل في دروسه، فإنه لا يتحصل على العلم؛ لأنه لا يتقن العلم، لا يحفظ، ولا يراجع، ولا يحضر الدروس، مهمل كذلك مقصر في حفظ العلم، فأنى له أن يكون طالباً قوياً؟". وقال: "وإن أنتم يا طلاب العلم أهملتم وتهاونتم، إن طوى عنكم الزمن - يعني مضى -، فمن وفقه الله عز وجل للتفرغ للعلم في مركز مثل هذه المراكز، فإنه من الحرمان العظيم أن يقضي وقته في هذه المراكز ولم يستغل وقته، ولم يجد ويجتهد في طلب العلم، فينطوي عنه الزمن وهو واقف في مكانه. الناس في تقدم وفي تحسن، وهو واقف في مكانه، وإن كان متفرغاً، لكنه في القيل والقال، وفي كذلك النوم والكسل، والانشغال ببيئة المحادثات والمراسلات عبر شاشات الجوالات، أو إلى غير ذلك، فينطوي عنه الزمن وهو واقف في مكانه، ما تقدم لا في الحفظ، ولا في العلم، ولا في المراجعة، ولا في شيء، بسبب الإهمال والتهاون. لذلك قال العلامة ابن عثيمين: وإن أنتم يا طلاب العلم أهملتم وتهاونتم، إن طوى عنكم الزمن وتراكمت عليكم الدروس... طالب العلم ليس كذاك العامل الذي يعمل بأجرته، فإذا انتهى من عمله ذهب ونام في بيته. العامل: البناء، أو مساعد البناء، أو الحفار، أو المزارع، أو إلى غير ذلك، يعمل عمل يومه، ثم يذهب إلى بيته وينام، ويستلم أجرته. أما طالب العلم، فإنه يأخذ الدروس، ويكتب الفوائد والمعلومات، ويحفظ، ولم ينتهِ ذلك العلم الذي أخذه، بل يحتاج منه إلى مراجعة، وإلى معاهدة، وإلى حرص. فلذلك من أهمل الدروس تراكمت عليه. أنت درست مثلاً في علم العقيدة، لا تكون كطلاب المدارس: يأتي ويضع الكتب والدفاتر في الرف إلى اليوم الثاني، يأخذ الكتب ويذهب، وهكذا، لا مراجعة، ولا حفظ، ولا مذاكرة، ولا شيء. هذا ما ينتفع بعلمه، هذا ما ينتفع بعلمه؛ لأنه كما تقدم: حياة العلم مذاكرته. فإذا درست كتاباً، ليكون هذا الكتاب في حوزتك، تراجعه بين الفينة والأخرى، وتقرأ فيه، وتستذكر المعلومات التي أخذتها، حتى تثبت، حتى تثبت وتستمر معك، وتتقن هذا العلم. كيف العلماء أتقنوا العلم؟ هل بالكسل والنوم والإهمال؟ لا والله! العالم لما يسأل ويفتي، تتعجب من استدلالاته، ومن ذكره للقواعد والأصول. كيف تحصل عليها هذا العالم؟ بالجد والاجتهاد والحفظ والمراجعة والمذاكرة. فهكذا من أهمل دروسه تراكمت عليه، فخرج من ذلكم المركز، أو من ذلكم الدرس، وكأنه لم يدرس شيئاً، بسبب الإهمال. ينبغي لطالب العلم أن يحتفظ بمذكراته وبكتبه، فيراجعها بين الفينة والأخرى، سواء كان في علم العقيدة، أو النحو، أو الفقه، أو أي علم من العلوم الشرعية. قال: فأصبحتم عاجزين عن تصورها، فضلاً عن تحقيقها، فندمتم حين لا تنفع الندامة. كم من طالب جلس سنوات طوال في مراكز العلم، ربما خمس سنوات، أو ست سنوات، أو أكثر من ذلك، ثم خرج صفر اليدين. لو طلبت منه أن يعمل موعظة، أو كلمة، أو نصيحة، لم يستطع. ما هو السبب؟ الإهمال والكسل وعدم الحرص. فاحذروا أن تكونوا من أمثال هؤلاء. المراجعة والجد والاجتهاد مما يقدم الطالب، يتقدم شيئاً فشيئاً. ثم سئل حفظه رحمه الله: "نرجو من سماحتكم رحمكم الله توجيه نصيحة لمن عمل في مجال التدريس، عسى الله أن ينفع بها، وجزاكم الله خيراً". وهذا السؤال المناسب في هذه الأيام، في ابتداء هذا العام الدراسي الجديد. فذكر في هذه الفتوى وأطال فيها نصائح قيمة، ليت كل مدرس أن يقرأها وأن ينتفع بها. فقال رحمه الله: "نقول: أهم ما يتعلق بالمعلمين أن يدركوا العلوم التي يعطونها للطلب إدراكاً جيداً مستقراً في نفوسهم، قبل أن يقفوا أمام الطلبة، حتى لا يقع الواحد منهم في حيرة عند سؤال التلاميذ له ومناقشتهم إياه. وهذه بلية ابتليت بها مدارس المسلمين في هذه الأزمان: أن يكون المدرس ضعيفاً في العلم وفي المادة التي يدرسها، فيدخل الفصل وما يدري ما كتب في الكتاب، حتى يوصله إلى الطلاب. ما يدري، ما يتقن هذا العلم. وهذا خطأ عظيم، والسبب في هذا عدم الاعتناء بالعلم، وكثرة الغش، والطرق التي يتخذها بعض الطلبة حتى ينجح، ولو بطريقة ماكرة، بطريقة فيها من الغش والكذب، فيطلع هؤلاء الطلاب ضعفاً في العلم. ينبغي للمدرس أن يتقي الله عز وجل، وأن يعلم العلم الذي يرى أنه يحسنه ويتقنه، وإن كان تخصصه، فلربما ما يعرف هذا التخصص. أذكر: لما كنا في أول سنة في الثانوي، كان مدرس يدرس ابتدائي، لأن ما معه شهادة جامعية، فأعطوه فرصة أن يواصل حتى يأخذ الشهادة الجامعية. فدخل في قسم اللغة العربية، وكبير في السن، كأنهم استحوا منه أو شيء، المهم: فاز في هذه الجامعة، وصارت معه شهادة جامعية. قال: قال إذن نرقيك الآن، أنت الآن جامعي، نجعلك تدرس يعني الثانوي. قال: طيب. فكان يدرسنا ولا يعرف في العربية شيئاً. كل الطلاب يردون عليه في النحو، ما يعرف يعرب. ثم قال بكل صراحة: "أنا ما درست الدراسة الجامعية إلا من أجل أن يزاد راتبي، وإلا ما أعرف شيئاً في اللغة العربية". اعترف بهذا أمام الطلاب. انظروا إلى المستوى الدني الذي وصل إليه التعليم في هذه البلاد! فمن أعظم مقومات المعلم والمدرس أن يتقن العلم الذي يدرسه، سواء كانوا في المدارس الحكومية، أو حتى في المراكز العلمية. حتى في المراكز العلمية، فالطالب لا يدرس الكتاب إلا بعد أن يشهد له مدرسه أو معلمه، أو من كذلك يتقن هذا العلم الذي يريد أن يدرسه، يشهد له بقوة تمكنه من هذا العلم، وكذلك قدرته على التدريس، قدرته على التدريس. هذه نصيحة قيمة من الشيخ رحمه الله، والذي يدرس ولا يتقن العلم يقع في إحراجات عظيمة. فكم من طالب نبيه، وربما درس العلم الذي يعطى له من قبل هذا المدرس، فيرد على المدرس، فيقع المدرس في حرج، وتقل هيبته أمام الطلبة. قال: "فإن من أعظم المقومات الشخصية لدى الطلبة أن يكون المعلم قوياً في علمه وملاحظته". ولذلك يقولون: قوة الطالب مستمدة من قوة معلمه أو شيخه. كلما كان الشيخ قوياً في العلم، كلما كان الطالب قوياً في العلم. ولذلك من درس على كبار العلماء نبغوا وبرزوا واستفادوا، لأنهم درسوا على مشايخ أجلاء أقوياء، فصار طلابهم مثلهم بالقوة العلمية. قال: "إن قوة المعلم العلمية في تقويم شخصيته لا تقل عن قوة ملاحظته. إن المعلم إذا لم يكن عنده علم ارتبك عند السؤال، فينحط قدره أمام تلاميذه. وإن أجاب بالخطأ، فلن يثق فيه بعد ذلك". نعم، بعضهم عنده ذلك الذي يقول في المسألة: "قولان"، يجيب على أي شيء. هذا يذكره الشيخ الألباني رحمه الله، قال: "كان أحدهم ما يسأل عن شيء إلا ويجيب، فيقول: في المسألة قولان". فأحد الحاضرين أعطى ذكاء، فقال: "سنحرج الشيخ هذا اليوم". فقال له: "يا شيخ، أفي الله شك؟". قال: "في المسألة قولان، في المسألة قولان". انظروا يعني إلى الجرأة، الجرأة. وهكذا بعض المدرسين، ربما يقع في حرج، يقول: "أنا مدرس، كيف لا أجيب؟"، فينتقد، ينتقد ويرد عليه، فتقل هيبته، تقل هيبته أمام الطلاب. قال: "وإن أجاب بالخطأ، فلن يثق فيه بعد ذلك. وإن انتهرهم عند السؤال والمناقشة، فلن ينسجموا معه، فيعيش في قلق، وفي كذلك ظنة مع طلابه". قال: "إذن، فلا بد للمعلم من إعداد واستعداد، وتحمل وصبر. والمعلم إذا كان قوياً ومتقناً للعلم، يستطيع أن يسيطر على الفصل، ويستطيع كذلك أن يفرض شخصيته على طلابه، فيقدر ويحترم ويجل". قال: "المعلم عند توجيه السؤال له، إن كان عنده علم راسخ في ذهنه، مستقر في نفسه، أجاب بكل سهولة وانطلاق، وإلا فإنه لا يخلو بعد ذلك من هذه الأمور الثلاثة السابقة، وقد تقدمت. وكل ذلك ينافي الآداب التي ينبغي أن يكون المعلم عليها". وإذا كان على المعلم أن يدرك العلم الذي سيلقيه أمام الطلبة، فإن عليه أن يحرص على حسن إلقائه إليهم، بأن يسلك أسهل الطرق في إيضاح المعاني، وضرب الأمثلة، ومناقشة الطلبة فيما ألقاه عليهم سابقاً. هذه نصيحة أخرى: أول نصيحة وجهها الشيخ للمعلمين أن يكونوا متقنين للعلم الذي يعلمونه. النصيحة الثانية: أن يكون عندهم أسلوب حسن في توصيل العلم إلى الطلاب، في توصيل العلم إلى الطلاب. أن يحرص المدرس على استخدام كافة الطرق التي تسهل للطالب وصول المعلومة، وصول المعلومة، كما قال: بأن يسلك أسهل الطرق في إيضاح المعاني، يشرح لهم المعاني، ويسهل لهم كذلك شرح هذه المعاني، ويضرب الأمثلة. فإن ضرب الأمثلة من الأساليب التي تسهل للطالب الفهم، وكذلك المناقشة. وكل هذا تجده في دروس الشيخ رحمه الله. أنت اسمع إليه وهو موجود مسجل: شرحه للآجرومية، شرح الشيخ ابن عثيمين للآجرومية، وكيف يناقش طلابه، ربما ربع ساعة وهو يناقش الطلاب، يعطي هذا مثالاً ويناقشه، ويغالطه، حتى يعرف مدى فهم الطالب، مدى فهم الطالب. فهكذا ينبغي للمعلم، لا يقرأ الكتاب ويكتب، يقرأ مجرد قراءة، كما هو حال بعض المدرسين، ويطلع الدفاتر، واكتب ما في الكتاب. فهم الطالب ما فهم، شرح الدرس ما شرح. هذا ليس من الأمانة في هذه الوظيفة العظيمة، وهي التربية والتعليم، التربية والتعليم. قال: "قال: أما الذي يقرأ الشيء عليهم قراءة، ولا يدري من فهم ممن لم يفهم، ولا يناقشهم فيما مضى، فإن هذه الطريقة عقيمة جداً، لا تثمر ثمراً، ولا تكون نتيجتها طيبة". وإذا كان المعلم يجتهد في الأمور العلمية تحصيلاً وعرضاً، فعليه أن يجتهد في الأمور التعبدية. عليه أن يكون حسن النية. وهذا أيضاً نصيحة أخرى: أنت تحرص أيها المعلم على أن تتقن هذا العلم، وتكون عندك حصيلة طيبة في هذه المادة التي تدرسها، فينبغي عليك كذلك أن تكون عندك النية الطيبة. ومن النية الطيبة: أن تؤدي هذه الوظيفة بأمانة، وأن يكون غرضك من هذا نفع الطلاب وإفادة الطلاب، وهذا من النية الحسنة. قال: "والتوجيه: ينوي بتعليمه الإحسان إلى طلبته، وإرشادهم إلى ما ينفعهم في أمور دينهم ودنياهم، وليجعل نفسه لهم بمنزلة الأب". من معلم ينوي هذه النية الطيبة الحسنة، يكون لهؤلاء الطلاب كالأب الشفيق الرحيم. قال: "بمنزلة الأب الرفيق الشفيق، ليكون لتعليمه أثر بالغ في نفوسهم، أثر بالغ في نفوسهم". هذا بعض النصائح، وقلنا: قد أطال الشيخ بهذا، فإن شاء الله نقرأ بقية النصائح في درس قادم. نكتفي بهذا، وإلى هنا. والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر