التعليق على كتاب العلم  14

التعليق على كتاب العلم 14

الدرس في التعليق على كتاب العلم 14، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

الصبر على طلب العلم وتنويع الأساليب لدفع الملل

يؤكد ابن عثيمين على ضرورة صبر طالب العلم ومثابرته لأن العلم لا يُنال براحة الجسد بل بالتضحية، وينصح بتنويع أساليب التلقي والانتقال بين العلوم عند الملل مستشهداً بحديث «إن لكل عمل شرة...». كما يستحضر قصة ابن عباس وصبره ويحذر من اليأس بسبب ضعف الحفظ، مبيناً أن الاستمرار يورث الإتقان والعاقبة الحسنة.

آداب طالب العلم: الصبر مدى الحياة واحترام العلماء

يحث المقطع طالب العلم على عدم اليأس من تكرار الدراسة والصبر على طلب العلم مدى الحياة اقتداءً بالإمام أحمد، مستدلاً بآيات الصبر والعاقبة للمتقين. ويؤكد وجوب احترام العلماء وتقديرهم، والتحذير من اغتيابهم أو تتبع زلاتهم، مع التفريق بين علماء السنة وأهل البدع، والتمسك بمنهج السلف في زمن الفتن.

خاتمة الدرس وتأجيل استكمال الموضوع

يعلن المتحدث انتهاء المقطع الحالي ويؤجل استكمال الموضوع لدرس قادم، مختتماً بقوله: والله تعالى أعلم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد: قال العلامة ابن العثيمين عليه رحمة الله في كتابه "كتاب العلم": قال: "الأمر الثامن" -أي من آداب طالب العلم-: أن يكون الطالب صابرًا على العلم، أي مثابرًا عليه، لا يقطعه ولا يمل، بل يكون مستمرًا في تعلمه بقدر المستطاع. وليصبر على العلم ولا يمل، فإن الإنسان إذا طرقه الملل استحسر وترك. والمراد من هذا -قال-: أن طالب العلم ينبغي عليه أن يعلم أن طلب العلم لا ينال براحة الجسد، كما ذكر ذلك أهل العلم وأهل الحديث. فالعلم لا ينال براحة الجسد، فيحتاج منك إلى تضحية في وقتك، وفي مالك، وفي كذلك اجتهادك، وإلى غير ذلك. فلا بد لطالب العلم أن يعلم هذا، ثم بعد ذلك لا يمل في طلبه للعلم، بل يستمر. فليس العبرة أن يكون الطالب طالبًا للعلم في فترة زمنية محدودة، ثم بعد ذلك يترك وينقطع. فطالما أنك في حال الإمكان فلا تقطع العلم، وإن كنت منشغلًا ببعض أمور معاشك فاجعل وقتًا من أوقات يومك للعلم. وقوله: "ولا يمل"، وذلك أن طالب العلم ينبغي أن يسايس نفسه، وأن لا يكون سببًا في مللها وسآمتها. فلذلك ينوع طالب العلم: إن شعر بأن نفسه قدملت طريقة ما، أو علم ما، أو أسلوب ما من أساليب العلم، فلينتقل إلى غيره. وهذا معنى قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كما جاء عن جمع من الصحابة، منهم أبو هريرة وابن مسعود وغيرهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن لكل عمل شرة، ولكل شرة فترة، فمن كانت فترته إلى سنة فقد اهتدى، ومن كانت فترته إلى غير ذلك فقد ضل». والحديث حديث صحيح، يصححه العلامة والألباني وكذلك الوادعي، رحمهم الله تعالى. فقول النبي عليه الصلاة والسلام: «إن لكل عمل شرة»؛ الشرة هي النشاط. فالإنسان قد يجد من نفسه نشاطًا وإقبالًا على شيء ما من أبواب العلم والطاعات والقربات، لكن ليعلم أنه قد يتطرق له شيء من الملل، فينتقل إلى غيره من أبواب الخير والطاعات. ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: «ولكل شرة فترة»؛ الفترة بمعنى الفتور ونقصان الهمة والنشاط. ثم قال عليه الصلاة والسلام: «فمن كانت فترته إلى سنتي فقد اهتدى». قال الشراح لهذا الحديث: معنى «فترته إلى سنتي» يعني: انتقل من سنة إلى أخرى، ومن عمل صالح إلى عمل صالح آخر، فهذا في هداية. فمثال ذلك في طلب العلم: أنت في هذا الشهر مقبل على علم النحو أو اللغة، مجتهد في ذلك، فشعرت بشيء من السآمة، ومن القسوة، أو إلى غير ذلك، ومن الفتور، فانتقل إلى علم العقيدة، أو علم الفقه، أو علم الأصول، أو غيرها من العلوم. فهذا معنى قوله: «فمن كانت فترته إلى سنتي فقد اهتدى». أنت في هذه الساعة تقرأ في كتاب، فشعرت بملل وسآمة، فانتقل إلى السماع: تسمع سلسلة علمية. ففرق بين أن تتلقى العلم بالقراءة أو بالاستماع؛ فالاستماع يكون أرخى، ويكون كذلك أيسر ربما عليه. وهكذا أنت في هذا الوقت عندك نشاط في الحفظ، تحفظ، فشعرت بشيء من السآمة، فانتقل إلى القراءة، انتقل إلى القراءة بدلًا من الحفظ. وهكذا الإنسان يسائس نفسه بحيث أنه يحذر من أن تكون فترته إلى غير سنة؛ فإن النبي عليه الصلاة والسلام سماه هلاكًا: «ومن كانت فترته إلى غير ذلك فقد ضل»، سماه ضلالًا. تشعر بسآمة، تذهب إلى القيل والقال، مجالس الغيبة والنميمة. هكذا شأن بعض الناس، بل والأمر الشديد: شأن بعض طلاب العلم، تجد مجلس العلم قائمًا، يكتبون ويقيدون ويستفيدون، وهو جالس في مجلس قيل وقال، وربما بعضهم صرح بهذا: "يا أخي، لماذا أنت جالس هنا؟" قال: "يا أخي، إلى أيام، هذا فتور عندنا، فتور". طيب، فتور يذهب بك إلى هذا الباب، باب الغيبة والنميمة؟ وهذا هو الضلال: «ومن كانت فترته إلى غير ذلك فقد ضل». ليكن فتورك إلى عمل صالح آخر، إلى أمر تنتفع به، ولو كان حتى من أمر الدنيا، ولكن فيه نفع لك، ما فيه إثم، وما فيه وزر. فينبغي أن يحذر طالب العلم من هذا، وأن يسايس نفسه. ثم قال رحمه الله: "ولكن إذا كان مثابرًا على العلم فإنه ينال أجر الصابرين". من وجه ينبغي لطالب العلم أن يستشعر هذا: طلب العلم يحتاج إلى صبر. فاعلم أنك في باب عظيم من أبواب الطاعات والقربات، أنت صبرت الآن في هذا المجلس. أقول: عشرات، ما أقول العوام، بل طلاب العلم ما يستطيعون حضور مثل هذا المجلس. لماذا؟ لعدم صبرهم، لعدم صبرهم. لا أقول لانشغالهم أو لزهدهم في العلم، لا، هم يحبون العلم، ولكن ما صبروا على العلم، ما صبروا على العلم، فكان هذا سبب بعدهم. فأنت ينبغي عليك يا طالب العلم: إذا حفظت، وإذا جلست مجلس علم، وإذا استمعت إلى العلم، اشعر نفسك أنك في باب عظيم من أبواب الطاعات، ألا وهو الصبر. استشعر قول الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. فإن كان عندك هذا الاستشعار فإنه يسهل عليك طلب العلم، والجد والاجتهاد في طلب العلم. فلذلك قال: "فإنه ينال أجر الصابرين من وجه، وتكون له العاقبة من وجه آخر"، العاقبة الحسنة من الاستفادة، ومن كذلك تحصيل العلم، ومن رفع الجهل عن نفسك وعن غيرك. الحمد لله، الآن الأمور ميسرة، ليست كطلب العلم في القرون الأولى. فلربما ما تيسرت لهم الأسباب التي متوفرة لدينا في هذه الأزمان. ابن عباس جاء عند أحد الأنصار، وقال له: "هيا بنا نطلب العلم عند أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم". فقال له: "يا ابن عباس، أتظن أن الناس يحتاجون إلى علمك، وفيهم أصحاب رسول الله؟". فتركه ابن عباس وذهب يطلب العلم، فكان ينتظر للشيخ، كزيد بن ثابت وغيره من العلماء، ينتظره عند بابه حتى يخرج ويستفيد ويتعلم منه. فكانت تأتي الريح فتسف في وجهه التراب، وهو نائم تحت باب ذلكم العالم. انظر: صبر على طلب العلم، وجد واجتهاد. تأتي الريح وتسف التراب في وجهه، رضي الله تعالى عنه، وجد واجتهد. وكان ابن عباس رضي الله تعالى عنه من أئمة علماء الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين. فاحتاج الناس إلى علم ابن عباس، فاجتمع الناس إليه، فرأى ذلكم الأنصار ما بلغ إليه ابن عباس من هذا الإجلال، ومن هذا كذلك العلم، فقال: "والله إن هذا الفتى كان أعقل مني، إن هذا الفتى كان أعقل مني". لماذا؟ لأنه ذهب يطلب العلم، وأنا لم أسلك هذا المسلك في طلب العلم. ولا تقل يا طالب العلم: "أنا فهمي ضعيف، وحفظي ضعيف". فهذه من الصوارف التي يريد الشيطان أن يصرفك بها عن طلب العلم. لا تضجر من طلب العلم، فإنك إذا دخلت في باب العلم سهل الله عز وجل عليك العلم، كما قال الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾. هل من إنسان يأتي ويفتح القرآن ويقرأ القرآن ويحفظ القرآن، فيسر الله عز وجل له ذلك؟ ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾. وصدق من قال: «اطلب ولا تضجرًا من مطلبٍ * فآفة الطالب أن يضجرا ألم ترى الحبل بتكراره * في الصخرة الصماء قد أثرا» الحبل متى يؤثر على الصخرة؟ لو أتيت بصخرة، حجرة صماء، حجرة صماء قوية، وكل يوم مررت عليها حبل، مررت عليها الحبل، كم سيؤثر هذا الحبل؟ ليس في فترة يسيرة، في سنوات سيؤثر هذا الحبل على هذه الحجرة. فهكذا طالب العلم: إذا صبر على العلم واستمر في طلب العلم، فإنه سيؤثر فيه هذا العلم، وإن كان ضعيف الحفظ أو ضعيف الفهم. فقد كان من أهل العلم من كان يدرس الكتاب أكثر من ثلاث أو أربع مرات، وهذا ليس بنقص عيب، وإنما صبر على طلب العلم. كم ممن نعرفهم من الآن نبغوا واستفادوا في بعض العلوم الشرعية، درسوا كتبًا بالأربع مرات والخمس مرات، ثم بعد ذلك أتقنوا. ليس هذا بعيب، وإنما من باب الإتقان. فالمرة الأولى ما تفهم الكتاب كاملًا، تمر عليك بعض المسائل، المرة الثانية تستفيد أكثر، وهكذا. فليس بعيب ولا نقص أن يكرر الطالب العلم ودراسة كتب العلم. فهذا من وساوس الشيطان عندما يعتذر الطالب بأنه ليس أهلًا لطلب العلم، وأنه كذا وكذا. فهذا كله من وساوس الشيطان. قال: واستمع إلى قول الله عز وجل يخاطب النبي: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلَا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَٰذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾. الشاهد: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾؛ لأنه قال: "وتكون له العاقبة من وجه آخر". فأمر الله عز وجل نبيه بالصبر، ثم بين له أن العاقبة للمتقين الصابرين. أنت تريد الإمامة، تريد أن تكون داعية إلى الله، يهتد الناس بعلمك، عليك بالصبر. كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾. قال شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله: "بالعلم واليقين تنال الإمامة في الدين". بالعلم واليقين تنال الإمامة في الدين. فما بلغ هؤلاء العلماء الذين يشار إليهم بالبنان، والذين كذلك عرفوا بغزارة علمهم، إلا بسبب صبرهم، بسبب صبرهم وثباتهم واستمرارهم، وعدم انقطاعهم في طلب العلم. ليكن شعارك يا طالب العلم: طلب علم من المهد إلى اللحد. كما قال الإمام أحمد: لما جاءه آتٍ وقال له: "إلى متى يا إمام وأنت في طلب العلم وقد كبر؟" الإمام أحمد فقال له: "من المهد إلى اللحد". ليكن هذا شعارك: طلب علم إلى أن يتوفاك الله، أو لا تستطيع أن تطلب العلم لعذر لا مفر منه ولا مفك منه، كمرض أو غيره. وأما في حال الإمكان فليكن شعارك ذلك: طلب علم من المهد إلى اللحد، إلى اللحد. فالاستمرار بركة، قليل مستمر خير من كثير منقطع. استمر في طلب العلم، كن متواصلًا مع العلم، لا تقطع العلم أبدًا ما استطعت إلى ذلك سبيلًا. وهذا معنى الصبر في طلب العلم، وهذا معنى الصبر في طلب العلم. قال: "الأمر التاسع: احترام العلماء وتقديرهم". يعني: من آداب طالب العلم، قال: "إن على طلبة العلم احترام العلماء وتقديرهم". إن على طلبة العلم احترام العلماء وتقديرهم، وأن تتسع صدورهم لما يحصل من اختلاف بين العلماء وغيرهم، وأن يقابل هذا بالاعتذار عن من سلك سبيلًا خطأ في اعتقادهم. وهذه نقطة مهمة جدًا؛ لأن بعض الناس يتتبع أخطاء الآخرين، ليتخذ منها ما ليس لائقًا في حقهم، ويشوش على الناس سمعتهم. وهذا من أكبر الأخطاء. وإذا كان اغتياب العام من الناس من كبائر الذنوب، فإن اغتياب العالم أكبر وأكبر؛ لأن اغتياب العالم لا يقتصر ضرره على العالم، بل عليه وعلى ما يحمله من العلم الشرعي. وهذا مهم جدًا، لا سيما في هذه الأزمان التي كثرت فيها الفتن، وكثر فيها دعاة الفتن، والساعون إلى الوقيعة بين العلماء. فأنت كسلف -لك مرجعية- تعرف علماءك، تعرف علماء السلف الذين عرفوا بصحة المعتقد وسلامة المنهج، والنصح والنصح للأمة، والدعوة إلى السنة. معروفون، معلومون، ليسوا كدعاة التحزب، كدعاة التكفير أو التفجير، وكدعاة البدع والخرافات والضلالات. علماء السنة معروفون. بمعرفتك للحق، اعرف الحق تعرف أهله، أو تعرف على... اعرف الحق، نعم، تعرف أهله. فإذا أنت عالم بعلمائك، فلا تسمع فيهم. لا يأتيك يقول لك: "هذا العالم ما في منه". لماذا؟ لأنه عنده أخطاء. طيب، عنده أخطاء، ما هو ملك، هو بشر. نعم، قد يقع في الأخطاء. ثم هذه الأخطاء ينصح فيها، ويبلغ العلماء، ينصحونه فيها. وهل هذه الأخطاء أخطأ فيها عنادًا وهوى، أم أنه اجتهادًا؟ هذه مسائل مهمة جدًا ينبغي لطالب العلم أن يسركها -أي: يسلكها/يرعاها-، وإلا مع كثرة هذه الفتن ضل في هذا الباب، وصار عدوًا لعلماء السنة من حيث شعر أم لم يشعر. ما تدري إلا ويقول: "هؤلاء العلماء عندهم أخطاء، وعندهم أخطاء"، ويزهد في علمهم، ويزهد في الدراسة عندهم، وإلى غير ذلك. طيب، بالأمس هؤلاء علماء السنة، كيف أخرجتهم من السنة وحذرت منهم؟ ينبغي التأني في هذا الباب، وينبغي أن يفرق بين العالم السني وبين غيره من علماء البدع والضلال. فبهذا يسلم طالب العلم من هذه الفتن المنتشرة الكثيرة التي خاض فيها كثير من الناس، فإن حاروا، وكذلك ضلوا. ولا حول ولا قوة إلا بالله. ونكمل ما بقي إن شاء الله في درس قادم. إلى هنا، والله تعالى أعلم.