عشر ذي الحجة وأحكام الأضحية

المحاضرة بعنوان عشر ذي الحجة وأحكام الأضحية، وكانت بمسجد عبدالرحيم الجمعة ٢ ذو الحجة ١٤٣٥هـ ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

فضل العشر الأوائل من ذي الحجة والقسم القرآني

العشر الأوائل من ذي الحجة أيام فاضلة ومباركة، وقد أقسم الله بها في القرآن في سورة الفجر، وهناك آراء مختلفة حول تفسير الليالي العشر المذكورة في الآية.

أفضلية العشر الأوائل من ذي الحجة وفضلها

تعتبر العشر الأوائل من ذي الحجة أفضل أيام الدنيا عند الله، وقد وردت نصوص نبوية تشير إلى فضلها وبركتها، وهناك اختلاف حول أفضليتها مقارنة بالعشر الأوائل من رمضان.

فضائل الأيام العشر من ذي الحجة وأعمالها

الأيام العشر من ذي الحجة تجتمع فيها أمهات العبادات، وتكون العبادة فيها أفضل من الجهاد في سبيل الله، وينبغي تعظيمها بالأفعال وليس فقط باللسان.

الأعمال المستحبة في عشر ذي الحجة

يستحب في عشر ذي الحجة الإكثار من الأعمال الصالحة وترك المعاصي والبدع، والحرص على الفرائض والواجبات، وكثرة ذكر الله، والحج لمن استطاع.

تفسير الأيام المعلومات وتكبير الله في أيام العشر

فسر ابن عباس الأيام المعلومات بأنها أيام العشر من ذي الحجة، ويشمل ذكر الله فيها التكبير والتسبيح والتهليل، وكان السلف الصالح يكبرون الله في هذه الأيام.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبا، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما. أما بعد، فإن خير الكلام كلام المولى جل وعلا، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وإن شر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. إخواني في الله، عنوان المحاضرة في هذه الليلة المباركة وفي هذا المسجد المبارك بعنوان العشر فضائل وأحكام، فنعني بالعشر العشر من ذي الحجة، هذه الأيام التي نحن نستظل بظلها، نتمتع بخيرها وفضلها، أيام فاضلة حبانا الله جل وعلا، حباها لنا المولى سبحانه وتعالى من بين سائر الناس، وذلك من فضل الله علينا وعلى الناس، ولكن أكثر الناس لا يعلمون، ولكن أكثر الناس لا يشكرون. والحديث إخواني في الله عن العشر وما يتعلق بها من فضائل وأحكام لا يطول ذكره، لكن حسبنا إخواني في الله أن نشير إشارات، وإن المسلم إخواني في الله لا يمكنه أن يغتنم المواسم الفاضلة والمواسم المباركة إلا إذا تحلى بالعلم، إلا إذا تحلى بالعلم. فمن استغرق بالعلم الشرعي وعلم مراد الشرع من هذه الأزمان ومن هذه الفترات الزمنية، علم كيف يقضيها أو بماذا يعمرها، بخلاف الذي يتخبط بجهله، لا يدري عن الأعمال الفاضلة، لا يدري عن الأزمان المباركة، وإذا وفق لحضورها فتجده يتخبط يمينا وشمالا، لا يدري من الذي يبدأ، وبماذا ينتهي، من الذي يقدم، ومن الذي يؤخر. فمن كان على هذه الحال، فهو جاهل يتخبط في دينه ودنيا، بخلاف العالم أو من تبصر بعلم، ومن استمع للعلم وعلم مراد الشرع من هذه المواسم المباركة، فإنه يدخلها بنور، يعلم كيف يغتنمها، وكيف يستغلها حق الاستغلال. وهذا المقام إخواني في الله إشارة أو إشارات لبعض الأحكام، وهكذا الفضائل المتعلقة بهذه الأيام المباركة، وهي الأيام العشر من ذي الحجة. وقبل الدخول في الفضائل إخواني في الله، تعريف عام عن شهر ذي الحجة، شهر ذي الحجة بشكل عام هو من الأشهر الحرم، والذي جاء الإشارة إليه بالقرآن في قول سبحانه وتعالى: ﴿منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم﴾، وهكذا ما جاء مصرحا في السنة من قوله عليه الصلاة والسلام: «إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، السنة اثنا عشر شهرا منها أربعة حرم، ثلاث متواليات ذو القعدة وذو الحجة ومحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان». فصرح نبينا عليه الصلاة والسلام أن شهر ذي الحجة من الأشهر الحرم، ولما سميت هذه الأشهر بأنها أشهر الحرم، قال العلماء: قيل لأنها من الأشهر التي حرم فيها القتال، حرم فيها القتال، فلا يسفك فيها دم، ولا يشهر فيها بسلاح. وقيل أيضا: سميت هذه الأشهر بأشهر الحرم لأن انتهاك الحرمات فيها أعظم وأشد من غيرها، انتهاك الحرمات في هذه الأشهر أشد وأعظم من انتهاكها في غيرها، فسميت بالأشهر الحرم. والذي يعنينا في هذا المقام إخواني في الله، تسليط الأضواء على العشر الأوائل من ذي الحجة، والسبب في تسليط الأضواء لهذه الفترة الزمنية من شهر ذي الحجة، تلكم الأدلة التي ستمر علينا، أنها عظمت من هذه الأيام خاصة. ومما يدل على عظمة الأيام، أيام العشر الأول من ذي الحجة، ما كان في كتاب ربنا سبحانه وتعالى، وهذا في قول ربنا: ﴿والفجر وليال عشر﴾، هذا يسميه العلماء أهل البلاغة بأسلوب القسم، بأسلوب القسم. وأسلوب القسم هو أنه يؤتى به للتوكيد على ذكر معظم، يؤتى به للتأكيد على شيء بذكر معظم، وأسلوب القسم يحتاج إلى مقسم به ومقسم عليه، وإلى أداة قسم. ففي قوله سبحانه وتعالى: ﴿والفجر﴾، عندنا هنا المقسم عليه الفجر، وهو هذا البياض الناصع الذي يظهر في الأفق الشمالي أو في الأفق الشرقي، فربنا سبحانه وتعالى أقسم به، فهو مقسم عليه، والواو هنا حرف جر، وهو كذلك حرف قسم، تسمى أداة قسم. والمقسم به هو الرب سبحانه وتعالى، إذ أن ﴿والفجر﴾ الجار والمجرور هنا متعلق بفعل محذوف تقديره وجوبا، تقديره أقسم، فربنا جل في علا هو الذي أقسم بذاته العلية على هذه الفترة الزمنية، على الفجر. والفائدة الثانية التي ينبغي أن يستفيدها إخواننا في الله، قال العلماء: ما الفائدة من أسلوب القسم؟ الفائدة من أسلوب القسم، وخاصة في كتاب الله عز وجل، لأمرين اثنين، لعظمة المقسم به، وكذلك لأهمية المقسم عليه، هذه فائدة وهذه فائدة. فلما تقول: ﴿والفجر﴾، وأنت تعلم أن الرب سبحانه وتعالى هو الذي أقسم به، تعلم عظمة الرب سبحانه وتعالى، وكذلك تعلم عظمة المقسم عليه، وهو الفجر. ثم قال سبحانه وتعالى: ﴿وليال عشر﴾، ما هي الليالي العشر؟ لم يثبت شيء في السنة النبوية عن تحقيق ما هي الليالي العشر، ما هي؟ لكن أقصى الذي بلغنا، ما جاء عن سلفنا الصالح، فقد جاء عن سلفنا الصالح أن الليالي العشر الذي أقسم بها الرب سبحانه وتعالى هي الأيام العشر الأول من ذي الحجة، أثر ذلك عن ابن عباس حبر الأمة، وهكذا عن ابن الزبير، وهكذا عن مجاهد. ورجح ذلك جماعة من المحققين العلماء، كما ذكر ذلك ورجح ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره، وهكذا ابن جرير، هذا المذهب على أن الليالي العشر هنا هي الليالي العشر من ذي الحجة، وأيضا الشوكاني رجع هذا المذهب، بل ونسب هذا المذهب إلى جمهور المفسرين، نسب هذا القول إلى جمهور المفسرين. أن جمهور المفسرين على أن الليالي العشر في هذه الآية هي العشر الأول من ذي الحجة، أن ربنا سبحانه وتعالى أقسم بها، أقسم بها، وذلك دلالة على عظمتها وعلى أهميتها. ولكن بقي إشكال، وهي مسألة ليست اتفاقية، اختلف العلماء في هذه المسألة، لأن جماعة من العلماء من ذهب إلى أن القسم هنا الليالي العشر هي الليالي العشر من ذي الحجة، وطائفة من العلماء يرى أنها العشر الأواخر من رمضان. فهناك تنازع بين هذا وذاك، وخاصة أن بعضهم استشكل، يقولون: أنتم يا جمهور المفسرين تقولون بأن الليالي العشر هنا هي عبارة عن أيام العشر من ذي الحجة، قالوا: هنا في نوع من الطلاق ليس واضح، إذ أن الأيام العشر من ذي الحجة جاء ذكرها بصفة الأيام، ويذكر اسم الله في أيام معلومات، وصفها ربنا سبحانه وتعالى بأيام، وهنا أقسم ربنا جل وعلا بالليالي. وهنا افترقوا، فرد من رد من أهل العلم من المفسرين، ومنهم كذلك ابن عثيمين رحمه الله تعالى، قال: بل الصحيح أن الليالي تطلق في لغة العرب، ويراد منها الأيام، أن الليالي تطلق في لغة العرب، ويراد منها الأيام. فكون أن ربنا سبحانه وتعالى أقسم بالليالي العشر، فهي بمعنى الأيام العشر، إذن خلاصة هذه المسألة إخواني في الله، ومع تحقيق الراجح فيها، وعلى مذهب جماعة، فالجمهور المفسرين على أن الله سبحانه وتعالى أقسم بهذه الليالي التي نحن فيها، ذلك إن دل على عظمتها، لأن الرب سبحانه وتعالى ما يقسم إلا على أمر عظيم، ما يقسم ربنا سبحانه وتعالى إلا على أمر عظيم. فنحن يا عباد الله في موسم فاضل، بلغ من القداسة بلغ من القدسية أن الله سبحانه وتعالى أقسم به، كذلك مما يدل على فضيلة هذه الأيام إخواني في الله، وعموم بركتها، واشتمالها على كل خير، أنها قد جاءت مصرحة في السنة بأنها من أفضل الأيام، من أفضل الأيام على الإطلاق. فلا هناك أيام توازيها، ولا تساويها، ولا تدانيها، فقد ثبت عند البزار من حديث جابر رضي الله تعالى عنه، بإسناد حسن، وذكر الشيخ الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، أن نبينا عليه الصلاة والسلام قال: «أفضل أيام الدنيا أيام العشر»، أفضل أيام الدنيا أيام العشر. قال قائل: يا رسول الله، ولا مثلهن في سبيل الله؟ قال: «ولا مثلهن في سبيل الله»، فقول عليه الصلاة والسلام: «أفضل أيام الدنيا»، دلالة على أن لا هناك أيام تزاحم، ولا تنافس الأيام العشر من ذي الحجة. وجاء كذلك بلفظ مقارب عند أبي يعلى بإسناد صحيح، وكذلك في صحيح الترغيب والترهيب، قال عليه الصلاة والسلام: «ما من أيام أفضل عند الله من أيام العشر»، ما من أيام أفضل عند الله من أيام العشر من ذي الحجة، وهذا كذلك نص صريح يدل على فضيلة هذه الأيام. وهذا الأسلوب عباد الله عند البلاغيين من أسلوب العموم، فعندي هنا «ما من أيام»، أيام هنا نكرة، والنكرة هنا جاءت في سياق النفي، «ما من أيام»، والقاعدة عند الأصوليين أن النكرة إذا جاءت في سياق النفي فإنها تفيد العموم. فلا هناك أيام تنافس هذه الأيام، وزد على ذلك، زد على هذا العموم دخول حرف «من»، «ما من أيام»، ومن هنا إخواني في الله هو حرف جر، لكن ليس أصلي، بل هو حرف جر زائد. وقد مر معنا تكرارا مع إخواننا في دروس قد خلت، أن حروف الجر الزائدة إنما يؤتى بها لماذا؟ للتأكيد، وحتى تسمى عند أهل البلاغة حرف توكيد، وصلة توكيد، وصلة. وهنا فالأصل في الحديث: «ما أيام أفضل من هذه الأيام»، لكن لما أدخلت «من»، «ما من أيام»، دل على أن هذا العموم مستغرق، بحيث أنه لا هناك أيام تنافس هذه الأيام. يعني عندك نكرة في سياق النفي، أدخل عليها «من»، وهكذا عند الأصوليين يقولون: العموم على قسمين، شيء ظاهر في العموم، وعنده هناك نص في العموم، ومن «ما» تدخل إلا على ما كان فيه تنصيص على العموم. ومن هنا تأتي مسألة مشكلة، ذهب جماعة من العلماء إلى أن هذه الأيام بهذه النصوص التي جاءت في حقها، وأنه من أفضل الأيام عند الله، قالوا: إذن لا هناك أيام تزاحمها، قالوا: ولا رمضان، قالوا: ولا حتى رمضان، فيرون أن العشر الأوائل من ذي الحجة في الأفضلية والخيرية والفضائل والمناقب أفضل من العشر الأخيرة من رمضان. وانظر لهذا الأمر الذي تمسك بهذا، تمسك بظاهر النصوص، مع اجتهادها على عدة مناقب كرست في أيام ذي الحجة، ما لا يوجد في رمضان، وهذا قول جماعة من أهل العلم. وجماعة يقولون: لا، بل لا نقدم على رمضان شيء من الأيام، فالرمضان هو المقدم على غيره، وهناك قول ثالث تبناه جماعة من المحققين، وعلى رأسهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى. فشيخ الإسلام يرى التفصيل، عندما سئل: أي ما أفضل؟ أتقول: أن العشر الأول من ذي الحجة أفضل من العشر الأخيرة من رمضان؟ شيخ الإسلام رحمه الله تعالى فرق، وتبع على ذلك جماعة من العلماء، على أنه يفرق بين الأيام، ويفرق بين الليالي. فقال رحمه الله تعالى: مفاد كلامه على أن أيام العشر من ذي الحجة، الأيام نعني الفترة الصباحية النهارية، أيام ذي الحجة أفضل من أيام العشر الأخيرة من رمضان، لكن الليالي، انتبه الفترة المسائية، لكن الليالي العشر الأخيرة من رمضان أفضل من ليالي العشر الأول من ذي الحجة. حتى قال ابن القيم رحمه الله تعالى: عندما ذكر هذه الفتوى، قال: والفطن اللبيب إذا تدبر هذا الجواب رآه شافيا كافيا، الفطن اللبيب إذا تدبر هذا الجواب، قال: يراه جوابا كافيا شافيا، أي كأن يا شيخ الإسلام أتى على المقصد، أي أنه أنصف، أن لا نقول: أن ليالي وأيام ذي الحجة برمتها أفضل من أيام رمضان، لكن نفصل بين الأيام والليالي. الفترة النهارية هذه لها من المناقب ما ليس لرمضان، وأما ليالي رمضان، وخاصة العشر الأخيرة، لما تحتويه من ليلة القدر، فإن لياليها أفضل من ليالي العشر الأول من ذي الحجة، وهذا قول إخواني في الله قول بديع. لكن يعطينا هذا فائدة، فائدة مهمة يا عبد الله في السلوك والتربية، إذا كان أمر العلماء ونقاشهم وصل إلى هذه الدقة، إلى أن بعضهم إما أن يفضل هذه الأيام التي نحن فيها من فضلها جملة وتفصيلا على أيام العشر الأخيرة من رمضان، ومنهم أن فصل الأيام دون الليالي. ما يعطيك هذا يا عبد الله؟ يعطيك إشارة على عظمة هذه الأيام، وعلى قوتها، أنها زاحمت رمضان، زاحمت رمضان، ونافست رمضان، وأنها كانت أن تلحق به بالركب، إذا كان حال هذه الأيام المباركة من العظمة والأبهة والشرف والقدسية، إذن كيف شأننا يا إخواني في الله مع هذه الأيام؟ لأنه لو أعدنا الذاكرة مثلا، الواحد منا في العشر الأخيرة من رمضان، يتمثل حال الرسول عليه الصلاة والسلام، أنه شد مئزره، وإيقظ أهله، وأحيا ليلة، وأسارع منا الصغير والكبير والذكر والأنثى على التنافس على الطاعات، على الصدقات، على القيام، على الصلة، على الواجبات، الفرائض، النوافل، القربات. طيب يا عبد الله، عندك هذه الأيام كانت أن تزاحم، بل زاحمت عند بعض العلماء أنها أفضل من رمضان، إن كيف يكون حالنا؟ إن لم يكن أشد من رمضان، فلا أقل أن يكون مثل رمضان، أقل شيء الاستغلال بالطاعات، الاستغلال بالأذكار، الاستغلال بالأوراد، الاستغلال في كل دقيقة من أوقات إخواني في الله. ينبغي وهذا لا يكون إلا بعد عقيدة راسخة ترسخ في القلوب، وتكون متصورة في الأذهان، على أن هذه الأيام بلغت مبلغا عظيما في القدسية، وأنها بصل إلى هذه الحال. كذلك يا عبد الله، من الفضائل التي جعلت لهذه الأيام العشر من ذي الحجة، أن التعبد فيها مضاعف، وأن المضاعف اتضح في أنه ما من عمل ولو كان الجهاد في سبيل الله يساوي العبادة في مثل هذا الشهر. جاء ذلك مصرحا من حديث ابن عباس في البخاري، قال عليه الصلاة والسلام: «ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام»، ما من أيام، قد مر ذلك معنى نكرة في سياق النفي، مع إدخال حرف الجر الزائد، وفيه التنصيص في العموم. فلا هناك أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام، حتى قال من قال: «ولا الجهاد في سبيل الله»، قال عليه الصلاة والسلام: «ولا الجهاد في سبيل الله»، يعني لا يخفى على واحد منكم فضل الجهاد في سبيل الله، القرآن قد ملئ بذكر المناقب والفضائل في الدنيا والآخرة، التي أعدها الله للمجاهدين وللمقاتلين في سبيله، الذين بذلوا أرواحهم وأنفسهم وأموالهم في سبيل الله. الجهاد وذروة الإسلام، فمع هذا كله يقول نبينا عليه الصلاة والسلام: لو أن أحدا من الناس جلس في هذه الأيام يتعبد الله سبحانه وتعالى فيها حق التعبد، فإن عبادته هي حينها أفضل من الجهاد في سبيل الله، إلا في حالة واحدة، إلا إذا كان المجاهد ذهب واستشهد. قال عليه الصلاة والسلام: «إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع بذلك بشيء»، هذا خاص، هذا ليس بعده فوز، وليس بعده كرامة، وليس بعده محمدة. فإخواني في الله، فيه كذلك تنبيه إلى فضيلة هذه الأيام، كم من إنسان ربما يتمنى على الله الأمان، يرجو من ربه سبحانه وتعالى أن يبلغه أمهات العبادات، فها هي يا عبد الله أمهات العبادات قد جمعت لك بمثل هذه الأيام الفاضلة. فعليك يا عبد الله أن تتعبد الله التعبد الذي يليق بجناب هذه الأيام الفاضلة، وأن تعتقد بأنها أفضل من الجهاد في سبيلها، اجعلها عقيدة، حتى قال الأوزاعي رحمه الله تعالى: قال: بلغني أن العمل في يوم من ذي الحجة كقدر غزوة في سبيل الله، يصام نهاره ويحرس ليلها. هذا منبثق من هذا الحديث، وإن كان فيه تغيير في الأسلوب، لكن هذه عقيدة عند السلف، أخذت من هذا الحديث، يعني يوم واحد تتعبد الله جل وعلا فيه بالعمل الصالح، هذه العبادة أفضل من الجهاد في سبيل الله، ولو كان في هذه الجهاد أن تصوم النهار، وأنت حارس على ثغر من ثغور الإسلام. فالعابد في هذه الأيام ميزته أرفع، أشأنا، أرفع قدرا عند الله سبحانه وتعالى، فما بقي يا عبد الله إلا الجد والاجتهاد، وشد رفع المئزر، وكذلك التشمير عن ساعد الجد، في المضي في القرب، في الإقبال على الأعمال الصالحة. وأيضا إخواني في الله، مما يدل على فضيلة هذه الأيام العشر من ذي الحجة، أن الله سبحانه وتعالى جعل فيها يوم عرفة، وجعل فيها يوم النحر، وهذه من الأيام الفاضلة، من الأيام المباركة التي لا تدانيها أي يوم. يوم عرفة في شأنه في أمره في ذاته عظيم، زد على ذلك يوم النحر، وهو كذلك يوم عظيم، فتخيل عظيم ما عظيم في هذه الأيام، إذا زالت عظمة على عظمة، زالت عظمة على عظمة، فدل ذلك على فضيلة هذه الأيام على ما سواها من الأيام. أيضا يا عبد الله، من فضيلة هذه الأيام العشر من ذي الحجة، أن الله سبحانه وتعالى خصها باجتماع أمهات العبادات، كما ذكر ذلك الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى، إذ أن فيها الصلاة، إذ أن فيها الصيام، إذ أن فيها كذلك الحج، كذلك فيها النفقة. ففيها الصلوات تؤدى، سواء كانت الصلاة الواجبة، النوافل، وزد على ذلك فيها صلاة العيد، وهي من أعظم ما من شعائر أهل الإسلام، وهكذا فيها الصيام، سواء ما كان من صيام يوم عرفة، أو ما كان عن قول الصحيح في سائر الأيام، فإن الأيام تصام. ففيها صوم، وهكذا فيها الحج، والحج يا عبد الله ذو منقبة، الحج ذو منقبة من أعظم شعائر الدين، هو ركن من أركان الإسلام، جعله الله في هذه الأيام، فهذا أوان الشروع في الحج، وكذلك فيه النفقة، فيه البذل، إذ أنه مستفاد من الأضحية، الأضحية عبارة عن نوع من أنواع النفقة. تضحي بمالك في جنب الله جل وعلا، ثم توزعه على الفقراء والمساكين، وعلى المحتاجين، فتجد أن أمهات العبادات اجتمعت في هذه الأيام، فكان من جملة هذه الأيام أن ارتفعت عند الله، فارتفاعها كان بوجود الأعمال الصالحة مجتمعة فيها. فهذا كذلك يا عبد الله فضيلة تدل على فضائل هذه الأيام التي نحن نرتع فيها، ونستظل تحت ظلها، فالخلاص يا إخواني في الله، فلا شك ولا ريب بمجموع هذه الخصائص، يتكون لنا نتيجة حكمية على أن هذه الأيام تعتبر من أعظم الأيام عند الله. فإذا كان كذلك يا عبد الله، إذن ينبغي أن نظهر من أنفسنا أمام ربنا جل وعلا ما يليق من التعامل اللائق بعظمة هذه الأيام، ما يمكن يا عبد الله أن الله يعظم زمنا من الأزمان، ثم أنت بعد ذلك تتهاون فيه، هذه بلية، هذه بلية. الواحد منا لو كان معظما لكبير، معظما لولي أمر، معظما لأب أو لزعيم أو لقائد أو مسؤول، فإذا رأى أن من هذا الكبير عنده يعظم أمرا ما، فتجد أنك من تعظيمك لهذا الشخص أن تعظم معظما هذا الذي ينبغي أن يكون. إذا كان هذا حال الناس بعضهم مع بعض، فكيف بحالك مع ربك جل وعلا؟ ألا تعظم ما عظمه الرب سبحانه وتعالى؟ بلى، فينبغي إخواني في الله أن نعظم ما عظمه ربنا، وليس التعظيم فقط باللسان، بل ينبغي أن يكون ذلك بالأفعال. وهذا يجرنا إلى المسألة الثانية، وهي إذا علمنا فضيلة هذه الأيام، فما هي الأعمال التي تشرع في مثل هذه الأزمان المباركة؟ الأعمال كثيرة إخواني في الله، لكن الإشارة إلى بعضها، من ذلكم الإقبال على الأعمال الصالحة بشكل عام، كل ما كان من عمل صالح. عليك أن تستمسك عليه، سواء كان عبادات قولية، من قرآن، من تسبيح، من تهليل، أو عبادات بدنية، من نفل، من صلة، من صيام، من صلاة، من قيام، من نوافل، من قربات، من تطوعات، أو كذلك من صلة أرحام، أو من طاعة للوالدين، أو من إحسان للجيران. كل عمل صالح، أو كانت عبادات مالية، من نفل، من صدقة، وغير ذلك مما ينفع الناس، وعموم الخلق، فكل ما كان من جنس العمل الصالح، فهذا ميدانه، وقد علم كل أناس مشربهم، والناس يختلفون في قدراتهم. فبعض الناس عنده قدرة على الأعمال البدنية، ما لا يستطيع الأعمال المالية لقلة يده، فاعبد الله يا عبد الله بما تستطيع عليه من بدنك، وبعض الناس قد يجد عنده الفتور في الأعمال البدنية والقولية، لكن عنده الملكة في العبادات المالية، فابذل يا عبد الله ما تستطيع من مالك. كل على حسب مقدرته، قد علم كل أناس مشربهم، فلكن يا عبد الله كل يبذل من الطاعة والعبادة ما يستطيع عليه، لأنك يا عبد الله ملزم بالعمل الصالح، «ما من أيام العمل الصالح»، أطلق نبينا، فيجب علينا يا عباد الله أن نطلق كما أطلق نبينا، وأن نسارع في الأعمال الصالحة. وبقوله عليه الصلاة والسلام: «ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام»، فيه إشارة إخواني في الله أن هذا القيد أخرج أمورا، أخرج الأعمال الغير صالحة، وهي الأعمال السيئة، المعاصي، الذنوب، الفجور، ارتكاب المنكرات، الوقوع في كبائر الذنوب. هذا لا يجوز، هذا لا يجوز، من كان عاصيا في سائر أيامه، فإن في دخول هذه الأيام عليه أن يلتزم بتعظيمها، ومن تعظيمه لهذه الأيام أن يكف، أن يكف عن التمادي في الذنوب، فالمخزن يكف عن تخزينه، والزاني والعياذ بالله يبتعد عن الزنا، وشارب الخمر يبتعد عن الإدمان. وهكذا كل شخص أعلم بمعصيته وذنبه، فليتكف إلى الله سبحانه وتعالى بالتوبة النصوح، بل قال العلماء في قوله تعالى: ﴿فلا تظلموا فيهن أنفسكم﴾، قال جماعة من العلماء: القتاد رحمه الله تعالى، أن الظلم في هذه الأيام أعظم خطيئة ووزر من غيره، أعظم خطيئة ووزر من غيره. بعض الناس قد يقع في الظلم في هذه الأشهر التي مضت من شوال ومن ذي القعدة، يظلم ويبغي ويعتدي على إخوانهم المسلمين، إما على أرحامهم، أو على أقربائهم، أو على جيرانهم، ويتمادى في ظلمهم، باللسان، بالأقوال، بالأفعال، بالقطيعة. لكن إذا لقى ذي الحجة، يرى الأمر سواء، كما يقال: ما يجد أي فرق، اشتعل أنا قاطع، قاطع، لكن لا انتبه يا عبد الله، خطيئتك في هذه الأيام أمر أشد ذنبا ووزرا عند الله مما سبق، فلا تظلموا فيهن أنفسكم، يدخل في ذلك أنواع الظلم، ظلم العبد لنفسه، وظلم كذلك لإخوانه، فاتق يا عبد الله. فإذا في قول نبينا: «ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام»، فيها يا عبد الله أنك تترك الأعمال السيئة، وجوبا، وهذا وإن كان في سائر أيام الدنيا، لكن هنا أشد وأعظم، فيما ذا؟ في الكف والترك. وأيضا بقول نبينا: «العمل الصالح»، فأخرج كذلك البدع، البدع، لا تظن أن نبينا حين حث على الأعمال الصالحة، أنك يا عبد الله لك العنان في فعل ما تريد وتشتهي من الأعمال، فتأتي بالمنكرات، تأتي بالبدع، تأتي بالمحدثات. كما يفعله نسمعه من كثير من بعض المساجد، ممن لم يحرص على تطبيق السنة، نجد أن بعضهم لربما يجد أن من سعة هذه الأيام في العمل الصالح، أن يبتكر ما شاء من ترانيم، من أناشيد، من أذكار، من أوراد، من طقوس، من مراسيم، لا يا عبد الله، الأمر ليس لك. العمل الصالح إذا أطلق في الشرع لا يكون إلا مقيدا بالسنة، فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا، هنا عدم الشرك بمعنى الإخلاص، والعمل الصالح بمعنى المتابعة بالسنة، بمعنى المتابعة للسنة. فأنت يا عبد الله إذا شممت عن ساعد الجد، وسعيت في طلب الأعمال الصالحة، احرص على أن يكون هذا العمل الصالح مما جاءت به السنة، في الأوراد، وفي الأذكار، وفي الأقوال، وفي الأعمال، أما أنك تبتكر البدع المحدثة، كما نرى من كثير من مساجد المسلمين، ممن لا ينضبط بالسنة، فإن ذلك وزر عليهم، لا أجر لهم. وهكذا يا عبد الله، بالأعمال الصالحة في قول نبينا: «ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام»، دل على أن المطلوب من العبد أن يعمر هذه الأيام بالعمل الصالح، وأخرج هذا القيد أيضا ما لم يكن عملا أصلا، مثل اللعب، مثل اللهو، مثل الرقص، مثل الضرب بالطبول. كما نرى في هذه الأزمان، أهلت علينا ذي الحجة، وأهل العبادة وأهل الطاعة قد شمروا عن ساعد الجد، ذاك بقرآنه، وذاك بصلواته، وذاك بنوافله، وذاك بذكره وتسبيحه، وإذ نرى ناسا قد استعدوا لشهر ذي الحجة بالطبل، بالرقص، بالمشاعير، من مطرب إلى مطرب، ومن درب إلى درب. ما هكذا يا عبد الله أوردها سعد، وسعد مجتهد، ما هكذا يا سعد تورد الإبل، النبي ما أمرنا باللهو، سيأتي في أيام الأعياد، الأعياد نعم، أيام لهم، أيام فيها سعة لأهل الإسلام، بقيود شرعية، لكن تأتي إلى أيام فاضلة، الشرع حثك فيها على الاغتنام بالطاعات والعبادات. إذ أنت تنشغل بالملهيات، تنشغل بالمباحات، تنشغل في إضاعة الأوقات، هذا هو الحرمان، هذا هو الحرمان، هذا هو الخذلان، هذا الذي إلى الأزل لم يوفقه ربنا سبحانه وتعالى للمرضاة، هذا يا عبد الله من رأيته في هذه الأيام. إن كف على الدين والطاعة، اعلم أن الله قد أخذ بناصية كل خير، ومن رأيته أن الله سبحانه وتعالى زج به في الظلمات، زج به في الضلالات والمنكرات، في هذه الأوقات خاصة، اعلم أن الله سبحانه وتعالى أراد به سوءا، وأراد به شرا، فاتق الله يا عبد الله في نفسك. فليمر كل منا كيف إقباله وإقباله، وخاصة في هذا الموسم المبارك، هذا اختبار، هذا امتحان، هذا ابتلاء لعباد الله المؤمنين، من صادق في إيمانه فيقبل بقلبه وقالبه، ومن هذا المعرض، ومن هذا المعرض عند ربه جل وعلا فيما ذا؟ فيترك الخير والعبادة والطاعة، ويستبدلها باللعب واللهو والرقص. كذلك يا عبد الله، من الأعمال أو من أشياء تشرع فعلها في هذه الأيام، الحرص على الواجبات، الحرص على الفرائض، وذلك بتأديتها في بيوت الله سبحانه وتعالى جماعة، وذلك بالمواظبة عليها. وهكذا يا عبد الله، مما ينبغي أن يحرص عليه في الأعمال في هذه الأزمان، الحرص على الحج، وذلك من قدر عليه وملك زمام الأمور، وتيسرت له السبل في أن يذهب للحج، فعليه أن يهب للحج، فإن الحج أمره عظيم، وشأنه رفيع. والفضائل إخواني في الله ما يمكن حصرها، ولا ذكرها في مثل هذا المقام، لكن أن نعلم أن من الأعمال التي يستحب ويشرع فعلها في أيام ذي الحجة، الذهاب إلى بيت الله الحرام والمعظم. كذلك يا عبد الله، من الأعمال التي يشرع فعلها في مثل هذه الأيام، الإكثار من ذكر الله، وذلك لقوله سبحانه وتعالى: ﴿ويذكروا اسم الله في أيام معلومات﴾، أرشد ربنا وندب سبحانه وتعالى إلى الإكثار من ذكره في أيام معلومات. روى البخاري معلقا من حديث ابن عباس، أنه قال: الأيام المعلومات أيام ذي الحجة، العشر من ذي الحجة، والأيام المعدودات أيام التشريق، الشاهد قوي، ابن عباس، الأيام المعلومات، الأيام العشر من ذي الحجة، علق النووي رحمه الله تعالى، قال: وقد رواه البيهقي بإسناد صحيح، رواه البيهقي بإسناد صحيح. أي أن ابن عباس فسر هذه الآية التي فيها يأمر ربنا سبحانه وتعالى بذكره، وذلك في هذه الأيام، فذكر الله يدخل فيه التسبيح، يدخل فيه التهليل، يدخل فيه كذلك الاستغفار، يدخل فيه كذلك قراءة القرآن، كل ذلك من ذكر الله. وأيضا أدخل العلماء التسمية على الأضحية، والتسمية على الهدي، كل ذلك من ذكر الله سبحانه وتعالى، وأيضا كذلك من الأعمال التي يشرع في تأديتها في أيام العشر من ذي الحجة، التكبير، التكبير، أن تكبر الله سبحانه وتعالى. لقولك: «الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد»، إما بالتثليث، وإما بالتثنية، فإن هذه الأيام مما يشرع فيها التكبير، وقد كان من دأب سلفنا الصالح أنهم يكبرون الله سبحانه وتعالى في مثل هذه الأيام. نقل ذلك عن عمر، وعن ابن عمر، ونقل كذلك عن أبي هريرة، وكان ابن عمر وأبو هريرة يخرجان إلى الأسواق، للناس، فكانوا يكبران، يرفعان الصوت بالتكبير، وكان الناس كذلك يكبرون، وكان ذلك في أيام العشر من ذي الحجة. وكان من رأي الفقهاء رحمهم الله تعالى، أنهم جعلوا التكبير على قسمين، تكبير مطلق، وتكبير مقيد،