شرح أصول في التفسير للعثيمين  7

شرح أصول في التفسير للعثيمين 7

الدرس في شرح أصول في التفسير للعثيمين 7، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقدمة في تقسيم القرآن إلى مكي ومدني

يناقش أهمية معرفة المكي والمدني في القرآن وتقسيم العلماء للقرآن بناءً على الزمن. يبين أن الضابط الأقوى هو ما نزل قبل الهجرة وبعدها.

طرق تمييز المكي والمدني في القرآن

يتناول كيفية التمييز بين الآيات المكية والمدنية باستخدام أساليب مختلفة مثل النقل وأسلوب القرآن وموضوعاته. يُميز المكي بالخطاب القوي والآيات القصيرة.

فوارق بين العهد المكي والمدني وأهميتها

يتناول الفوارق بين العهد المكي والمدني من حيث المواضيع والأسلوب، ويشرح أهمية معرفة المكي والمدني في الدعوة إلى الله تعالى وفي حل التعارض بين الآيات.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال مؤلف رحمه الله تعالى: المكي والمدني في هذا الفصل سيأتي المؤلف رحمه الله تعالى على تقسيم آي القرآن من كونه مكي ومدني، وهذه من المباحث المهمة التي ينبغي لمن أراد أن يقدم على تفسير القرآن وعلى فهم القرآن أن يتنبه لهذا المبحث، حتى قال من قال من أهل العلم: لا يقدم على تفسير القرآن من لم يعرف المكي من المدني، لا يقدم على تفسير القرآن أي لا يتقدم ولا يتجرأ على تفسير القرآن من لا يعرف المكي من المدني، فهذا بحث مهم، وقد تكلم العلماء، بل صنف من صنف من أهل العلم الرسائل المتعلقة بهذا المبحث، وذلك لأهميته. قال رحمه الله تعالى: نزل القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم مفرقا في خلال ثلاث وعشرين سنة، قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثرها بمكة، وهذا سيأتينا في مبحث خاص، الحكمة من هذا التنزيل المفرق على نبينا عليه الصلاة والسلام، وذلك حكمة أرادها الله سبحانه وتعالى، وسيأتي المؤلف بعد هذا الفصل بذكر الفوائد المستفادة من ذلك. قال كما قال الله تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾، قوله: ﴿قُرْآنًا فَرَقْنَاهُ﴾ أي مفرقا، أي مفرقا لتقرأه على الناس على مكث، معنى مكث أي على مهل، قال: ﴿وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ أي شيئا فشيئا، شيئا فشيئا. قال: ولذلك قسم العلماء رحمهم الله تعالى القرآن إلى قسمين: مكي ومدني، وهذا التفسير الثنائي، تقسيم القرآن إلى مكي ومدني، هذا على مذهب جمهور العلماء، على مذهب جمهور العلماء، وهناك من أتى بتقسيم ثلاثي، وستأتينا. قال رحمه الله تعالى: فالمكي ما نزل على النبي صلى الله عليه وسلم قبل هجرته إلى المدينة، والمدني ما نزل على النبي صلى الله عليه وسلم بعد هجرته إلى المدينة، هذه القسمة أخواني في الله التي ذكرها ابن عثيمين رحمه الله تعالى في هذه الرسالة يعتبر من أقوى الأقوال، ومن أرجح الأقوال، ومن أصوبها، وعليه الأكثرون، وعليه الأكثرون من العلماء. على هذه القسمة الثلاثية أن القرآن ينقسم إلى مكي ومدني، ثم اختلف العلماء في ذكر ما هو المكي وما هو المدني، وهم ليسوا بغرض أو بصادة ذكر التعريف، لا ما أرادوا التعريف، وإنما أرادوا الضابط، ما هو ضابط المكي وما هو ضابط المدني؟ وأحسن الضوابط التي ذكرها المؤلف رحمه الله تعالى هنا وهي المراعاة الزمنية، فضابط المكي كل ما نزل على النبي صلى الله عليه وسلم من القرآن قبل هجرته، والمدني كل ما نزل على النبي صلى الله عليه وسلم بعد هجرته، بغض النظر عن الأرض، بغض النظر عن البقاع، بغض النظر عن الأراضي، لا اعتبار للمساحة هنا، ولا كذلك للبقاع، وإنما الاعتبار للمرحلة الزمنية. فإذا نزلت آية قرآنية ينظر أين كان وقتها، إن نزل قبل الهجرة فحكمها مكي، تسمى بالقرآن المكي، ولو نزل في أي بقعة، المهم نزل قبل الهجرة، وإن نزل شيء من القرآن بعد هجرته عليه الصلاة والسلام يسمى مدني، ولو كان نزل في حدود مكة، ما ليس في هذا القسم لا تعلق لها بالأراضي ولا بالمساحة، وإنما مراعاة للمرحلة الزمنية، وهذا كما قلنا من أفضل التقاسيم، وهذا الذي عليه كثير من العلماء. وهناك قول غير آخر غير هذا، وهو القول من يقول بمراعاة المكان، وهو قول من يقول أن القرآن إذا نزل على النبي في مكة فهو مكي، وإذا نزل على النبي في المدينة فهو مدني، هذا قول، نعم لبعض العلماء، لكن قول يستشكل ببعض المسائل، وما لو وقع في مثل الآيات التي نزلت على نبينا في تبوك، في تبوك، لو رأيت أن تبوك لا تعتبر من حدود مكة، ولا هي كذلك من حدود المدينة، فنجعل من أي قسم؟ لا هي مكية نزلت في حدود مكة، ولا هي مدنية، طبعا الذي يقول بمكة نزلت في مكة، أي مكة وضواحي مكة مثل منى وعرفات، ومن قال بمدينة أي مدينة وضواحي مدينة، لكن تبوك ليست في مكة ولا ضواحيها، ولا في المدينة ولا ضواحيها، في منطقة نائية، وهكذا ما وقع النبي في بعض أسفاره، في بعض أسفاره نزل عليه القرآن، لا هو في مكة ولا هو في المدينة، فاضطر هؤلاء يأتون بقسمة ثلاثية، وقسموا القرآن من حيث النزول إلى مكي ومدني وما ليس بمكي ولا مدني، فاضطروا إلى قسمة ثلاثية، وهذه قسمة ما تنضبط. وهذا القول الثاني وهو قول كذلك أضعف، أضعف، وهناك قول آخر أضعف من هذا، وهو ما تنبه إلى مسألة الخطاب، فقال: كل ما كان فيه «يا أيها الناس» فهذا مكي، وكل ما فيه «يا أيها الذين آمنوا» فهذا مدني، ذكر هذا السيوطي رحمه الله تعالى في الإتقان، لكن ما ذكر أحد قال به لضعفه، لضعفه، وهذا قول ضعيف، لأنه لا يمضي بعض الصور المدنية فيها «يا أيها الناس»، منذ سورة البقرة، وهناك بعض الصور المدنية فيها بعض الصور المكية وفيها «يا أيها الذين آمنوا»، إذن كيف سيفعل هذا الذي يلزمن بهذا؟ ما سينضبط معه، وزيد على ذلك أن بعض الصور ليس فيها «يا أيها الذين آمنوا» وليس فيها «يا أيها الناس»، إذن كيف ستفعل مع هذه الصور عندك؟ صورة ليس فيها «يا أيها الذين آمنوا» وليس فيها «يا أيها الناس»، أي ستجعل هذه ما لها أي محل عندك؟ لهذا فهذا قول ضعيف، بل وكذلك قول ما قال به أحد، يذكر في كتب المطولات من علوم القرآن، لكن لا ينسبوه لضعفه، فلكن أقوال هو الذي بدأه المؤلف رحمه الله تعالى ها هنا في أن معرفة المكي ضابطه ما نزل قبل الهجرة، والمدني ما نزل بعد الهجرة، وبهذا تسلم من أي إشكال يطرأ عليك. وفائدة أخرى: الحكم بأن هذه السورة مكية، وأن هذه السورة مدنية، ينبغي أن نعلم إخوانا في الله أنه السميع العلماء قد يكون حكم حكم كلي، أو أنه حكم أغلبي، ينبغي يكون هذا في ذهنك أن يكون هذا الحكم، وهذا الوصف كلي أو أنه أغلبي؟ ما معنى كلي؟ أي أقول مثلا أن هذه السورة مكية، سورة مكية، وعند اعتقاد بأن هذه السورة وكمالها نزلت قبل الهجرة على رسول الله عليه الصلاة والسلام، لكن هل هذه الطبيعة المكية أن يكون بكمالها وتمامها من أول آية إلى آخرها كلها مكي؟ لا، ليس هذا شرط، لأن بعض السور فيها مثل سورة مكية، لكن فيها بعض الآيات المدنية، يوجد هذا، بعض السور وهي إن كانت مكية، معنى مكية أن غالب السورة نزل على النبي قبل هجرته، ولما هاجر إلى المدينة نزلت عليه آيات وهو في بعض الهجرة المدنية، أمر أن تكتب مع السورة المكية، إذن عندي سورة مكية فيها بعض الآيات المدنية، فما حكمها؟ قالوا: الحكم على الأغلب، سورة مكية تسمى سورة مكية، ولو كانت فيها بعض الآيات من الآيات المدنية، وهكذا يقول العكس، وهكذا يقول العكس: بعض السور الغالب عليها أنها آيات مدنية، وفيها بعض السور المكية، فالحكم على الأغلب، فتسمى بسورة مدنية، تسمى بسورة مدنية. ومثل العلماء بذلك مثل سورة الأنعام، فإنها سورة مكية، وفيها بعض الآيات المدنية، مع وجود هذه الآيات المدنية، ومع ذلك تسمى بسورة مكية، لأن الغالب الآيات كانت نزلت عن نبينا قبل هجرته عليه الصلاة والسلام. قال مؤلف رحمه الله تعالى: وعلى هذا فقول الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾، قال: من القسم المدني، وإن كانت قد نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع بعرفة، يعني هذه الآية: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ نزلت في مكة وضواحيها، في عرفة من ضواحي مكة، ومع ذلك يسمي العلماء بأنها آية مدنية، مع أن في موقع النزول نزلت في مكة، لأكل اعتبار العلماء ليس على البقعة، وإنما على الفترة الزمنية، متى نزلت؟ فلما نزلت بعد هجرته عليه الصلاة والسلام سميت بآية مدنية، بغض النظر عن مكان النزول، العبرة عندهم بزمن النزول، بالوقت. قال: تعتبر من القسم المدني، وإن كانت قد نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع بعرفة، ففي صحيح البخاري عن عمر رضي الله عنه أنه قال: «قد عرفنا ذلك اليوم والمكان الذي نزلت فيه على النبي صلى الله عليه وسلم، نزلت وهو قائم بعرفة يوم الجمعة»، يوم الجمعة، فإذا هذه الآية تعتبر آية مدنية، مع أنها نزلت في مكة، لأن العبرة عند العلماء بالمرحلة الزمنية، فهذه الآية نزلت بعد هجرته، فبغض النظر عن محل النزول تسمى مدنية. قال مؤلف رحمه الله تعالى: ويتميز القسم المكي عن المدني من حيث الأسلوب والموضوع، هنا تأتي مسألة: كيف نتعرف على أن هذا مكي ونتعرف على هذا مدني؟ هناك للعلماء طرق، هناك طرق، هناك طريقة قبل هذه الطريقة التي ذكرها المؤلف رحمه الله تعالى، وذلك معرفة المكي والمدني، من أفضل الطرق في تمييزه ومعرفته هو ما جاء عن نقل الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وعن التابعين، فإنهم قد ذكروا لنا أماكن نزول السور وأزمانها، وذكروا أزمانها وأماكنها، وهذا نفع نفعا عظيما، بحيث نعرف أين المكي والمدني. فكان هذا النقل عن الصحابة والتابعين يعتبر من الأمور التي يميز بها المكي عن المدني، فمثلا يقول عبدالله بن مسعود رضي الله تعالى عنه كما جاء في الصحيح قال: «والله الذي لا إله غيره ما نزلت سورة من كتاب الله إلا وأنا أعلم أين نزلت»، قال: «والله الذي لا إله غيره ما نزلت سورة من كتاب الله إلا وأنا أعلم أين نزلت، ولا نزلت آية من كتاب الله إلا وأنا أعلم فيما نزلت»، إذن فمعرفة بن مسعود رضي الله تعالى عن الأماكن وأزمان نزول السور هذا يفيد نفائدا عظيمة في تمييز المكي عن المدني. ولهذا يقول الباقلاني رحمه الله تعالى قال: «إنما يرجع في معرفة المكي والمدني لحفظ الصحابة والتابعين»، إنما يرجع في معرفة المكي والمدني لحفظ الصحابة والتابعين، فالنقولات والآثار عنهم تفيدنا معرفة قيمة في تمييز المكي والمدني. كذلك ما جاء عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: «نزلت الأنعام بمكة جملة واحدة»، إذن هذا أفادنا في معرفة ما نزلت الأنعام، فهذا القسم وهو معرفة تتبع آثار الصحابة، وهكذا من التابعين، فيها فائدة في معرفة المكي من المدني. والفائدة الثانية وهو ما ذكره مؤلف رحمه الله تعالى: استطيع أن تميز المكي عن المدني من حيث الأسلوب والموضوع، فتجد أن السور المكية لها طابع معين، نمط تسير عليه من خلال الألفاظ والمعاني، وهكذا تجد أن المدني له كذلك طابع، له هيئة خاصة في ترتيب صوره وترتيب آياته، من حيث الأسلوب والمواضيع. فقال رحمه الله تعالى: ويتميز القسم المكي عن المدني من حيث الأسلوب والموضوع، ألف من أم من حيث الأسلوب، فهو الآن يذكر لك بعض الفوارق بين المكي والمدني من حيث الأسلوب، من حيث الطرح. قال رحمه الله تعالى: الغالب في المكي قوة الأسلوب وشدة الخطاب، لأن غالب المخاطبين معرضون مستكبرون، ولا يليق بهم إلا ذلك، إقرأ سورتي المدثر والقمر، أما المدني فالغالب في أسلوبه اللين وسهولة الخطاب، في أسلوبه اللين وسهولة الخطاب، لأن غالب المخاطبين مقبلون منقادون، إقرأ سورة الممتحنة، إذن تجد أن هذا مما يراعى في أسلوب المكي والمدني من حيث الخطاب، الخطاب المكي فيه من شدة الخطاب وقوة الأسلوب، لأنه يخاطب قوما كفار، بخلاف ماذا؟ الأسلوب في آيات القرآن المدني، ماذا تجد أنه يراعي اللين وسهولة الخطاب، لأن الذي يخاطبهم من أهل الإسلام ممن انقادوا لدين الله وشرعه، فكان المقام يقتضي ذلك. قال رحمه الله تعالى: الغالب في المكي قصر الآيات وقوة المحاجة، لأن غالب المخاطبين معاندون مشاقون، فخوطبوا بما تقتضيه حالهم، إقرأ سورة الطور، أما المدني فالغالب فيه طول الآيات وذكر الأحكام مرسلة بدون محاجة، لأن حالهم تقتضي ذلك، إقرأ آية الدين في سورة البقرة، أي كذلك من أسلوب القرآن المكي أن فيه قصر الآيات مع قوة المحاجة، لأن الواقع والوضع يقضي ذلك، بخلاف المدني، فالغالب فيه طول الآيات، وطبعا ليس دائما، ولهذا انظر وتأمل في كلام المؤلف، قال: الغالب، ما قال: كل المدني، قال: الغالب في المدني أنه يتمتع بطول الآية، وبهذا لا تتفاجأ مثلا إذا جئت عند سورة النصر، وهي سورة مدنية، سورة مدنية مع أنها قصيرة جدا، وذول كيف المؤلف قد ذكر أن المدني الآيات في طول، نعم هو قال: طول، لكن ماذا قال؟ الغالب، هذا الغالب، الغالب على الآيات المدنية أنها فيها طول الآيات، لكن أحيانا، وهذا على قلة، تأتي السور المدني قصيرة، كسورة النصر، فإنها سورة مدنية، وذلك بالإجماع. قال المؤلف رحمه الله تعالى: وأما من حيث الموضوع، إذن ذكر المؤلف رحمه الله تعالى بعض الميزات التي تميز المكي عن المدني، بدأ أولا بالأسلوب، ثم عرج الآن للموضوع، قد يقول: أقاعد، طب ما الفرق بين الأسلوب والموضوع؟ الفرق بين هذا وذاك أن الأسلوب يتعلق بالألفاظ، وأما الموضوع فيتعلق بالمعاني، الأسلوب يتعلق بالألفاظ، وأما الموضوع فيتعلق بالمعاني. قال: وأما من حيث الموضوع، أي المواضيع المطروحة في العهد المكي تختلف في نمطها عن المواضيع المطروحة في العهد المدني، قال رحمه الله تعالى: الغالب في المكي تقرير التوحيد والعقيدة السليمة، خصوصا ما يتعلق بتوحيد الألوهية والإيمان بالبعث، لأن غالب المخاطبين ينكرون ذلك، وأما المدني فالغالب فيه تفصيل العبادات والمعاملات، لأن المخاطبين قد تقرر في نفوسهم التوحيد والعقيدة السليمة، فهم في حاجة لتفصيل العبادات والمعاملات، إذن هذا من أعظم الفوارق من حيث المضامين، فمضمون المكي يدور على أصل الإيمان. ومن أهل العلم من أراد أن يحصر يحصر المواضيع التي تتطرق إليها الآيات أو السور المكية، فتجد أنها لا تخرج عن أمور ثلاث، المواضيع مواضيع السور المكية لا تكاد تخرج عن الأنواع الثلاثة أو الأصول الثلاثة، أولا تقرير مسألة التوحيد، ثانيا مبدأ النبوة والرسالات، ثالثا الإيمان بالبعث والنشور، هذه الأصول الثلاثة لا تكاد السور المكية تنفك عنها في ذكرها، وفي كذلك الحرص على بيانها للناس، في العهد المكي مسألة التوحيد، مسألة النبوة والرسالات، ومسألة المعاد من البعث والنشور. ومن أهل علم أضاف أمرا رابعا، والأحيان يذكر ما يتعلق بالأخلاق والآداب، ما يتعلق بالأخلاق والآداب، تجد أن السور المكية تدور حول هذه الأمور الثلاثة الأصيلة، وأحيانا الأمر الرابع ما يتعلق بالأخلاق والسلوك وطريقة التعامل مع الناس، طريقة التعامل مع الناس، هذه مواضيع السور المكية، أما المدنية فإنها دائما تأتي التفاصيل، تأتي بذكر التفاصيل، الأحكام الشرعية. قال رحمه الله تعالى: الإفاضة في ذكر الجهاد وأحكامه، والمنافقين وأحوالهم في القسم المدني، لإقتضاء الحال ذلك، حيث شرع الجهاد وظهر النفاق، بخلاف القسم المكي، أيضا هذا في حيث المواضيع، فآيات القتال والجهاد، ومجاهة أهل النفاق والشقاق، هذا إنما يظهر في السور المدنية، بخلاف السور المكية، أيضا مما يذكر إخواني في الفوارق الذي تسعف في معرفة المكي من المدني. قال رحمه الله تعالى: قال العلماء: أن الغالب على المكي كثرة القسم، الغالب على المكي كثرة القسم، هذا تكاد السور المكية تتميز به عن المدني، كذلك قالوا: أن المكي يكثر في سوره ذكر القصص، السور المكية تجد أن في أثنائها فيها الكثير من ذكر القصص، بخلاف المدني، إلا أن العلماء استثنوا سورة البقرة، البقرة مع أنها سورة مدنية، إلا أن فيها الكثير من القصص، فيها مستثنى من هذه القاعدة، وإلا الأصل أن الغالب في السور المكية أن فيها يكثر ذكر القصص، يكثر في سور المكية، واستثنى العلماء من ذلكم سورة البقرة، مع أنها مدنية، إلا أنها فيها الكثير والكثير من القصص. كذلكم أن المكي من مزاياه أنه يبتدئ بالأحرف المقطعة، يبتدئ بالأحرف المقطعة، الغالب في سور المكية أنها تبتدئ بهذا الأمر، بالأحرف المقطعة، إلا ما استثني، وهي البقرة وآل عمران، وسورة الرعد، وهي مختلف فيها، البقرة وآل عمران، البقرة وآل عمران، فإنما هما مدنيتان، إلا أنهما افتتحتا بالحروف المقطعة، وإلا الأصل أن الحروف المقطعة أصبحت مزية في سور المكية، أصبحت مزية في سور المكية، لكن جاءت أن البقرة مع أنها مدنية افتتحت بالحروف المقطعة، وهكذا في سورة آل عمران. قال علماء: كذلك من مزايا ما يتعلق باللفظ، قال علماء: أن الغالب في أي سورة فيها «يا أيها الناس» فإنها مكية، أي سورة فيها «يا أيها الناس» فإنها مكية، واستثنى العلماء سورة البقرة والنساء، واستثنى العلماء البقرة والنساء، فهما مدنيتان، وفيهما «يا أيها الناس»، هذا باستثناء، وإلا الغالب على السورة المكية فيها هذا الخطاب «يا أيها الناس»، فعند أول وهلة تجد سورة فيها «يا أيها الناس» اعلم أنها سورة مكية، إلا ما جاء في سورة البقرة والنساء، فهذا الخطاب وجد فيهما، لكنهما مدنيتان. وكذلك ذكر العلماء رحمه الله تعالى: بل كذلك فائدة أخرى، قال العلماء: بل كل سورة فيها سجدة فهي مكية، كل سورة فيها سجدة فهي ماذا؟ مكية، وتم الخلاف في سورة الرعد، لكن هذا الغالب، فهذا إخواني في الله فوارق، إذ كل العلماء رحمه الله تعالى في هذه المسألة. قال رحمه الله تعالى: فوائد معرفة المدني من المكي، هذا فصل ذكر المؤلف رحمه الله تعالى: لو أن رجلا استطاع أن يفرق بين المكي والمدني، ما الذي يستفيده؟ من حيث الأسلوب، من حيث الطرح، من حيث نقل العلماء، الصحابة، ومن أهل العلم إلى حكمهم على هذه السورة أنها مكية، ما المستفاد من ذلك؟ المؤلف رحمه الله ذكر أنها عدة أسباب. قال منها: ظهور بلاغة القرآن في أعلى مراتبها، حيث يخاطب كل قوم بما تقتضيه حالهم من قوة وشدة، ولين وسهولة، وهذا ما يسميه علماء البلاغة بمراعاة حال المخاطب، بمراعاة أو مراعاة مقتضى الحال، مراعاة مقتضى الحال، وهذه تعتبر من أعظم صور البلاغة، أنك تخاطب كل قوم بما يحسنوه، وبما يفهموه، فتجد أن القرآن إذا نزل في العهد المكي له أسلوبه الخاص المقنع، وإذا نزل في العهد المدني فإن أسلوبه يتغير بكذلك لأمر مقنع، وهذه قمة في البلاغة، قمة في البلاغة، فإن القرآن ينزل لكل قوم، ولكل عهد، ولكل زمن، بكلام ماذا؟ بكلام مقنع يتماشى مع حالهم، ويسميه مقتضى مراعاة الحال، مقتضى مراعاة الحال، وهذه قمة في البلاغة، وهذا لا يكون هذا إلا في كتاب ربنا سبحانه وتعالى. قال: الثاني: ظهور حكمة التشريع في أسمى غاياته، حيث تدرج شيئا فشيئا بحسب الأهم على ما تقتضي حال المخاطبين، واستعدادهم للقبول والتنفيذ، كذلك، وهذا من فوائد المكي والمدني، أن المكي يبدأ بأهم الأشياء، حيث تكون كمقدمة، وكتمهيد، ثم تأتي بعد ذلك العهد المدني الذي فيه التفاصيل، الذي فيه التفاصيل، كما قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: عندما قالت: «لو أن الله عز وجل أنزل القرآن، أنزلت في تحريم الخمر من أول الأمر، لما آمن أحد»، يعني أقول: لو أنزل الله آيات قرآنية في تحريم الخمر من أول مرة، قد ما آمن أحد، أي ما استجاب أحد. قال: لكن نزل القرآن بالجنة والنار، أي هذا الأحد المكي، البعث والمعاد والنشور، نزل القرآن تمهيد لهذا المسائل، ثم لما استقرت القلوب، وترقت القلوب، ذلك جاءت التفاصيل بعد هذا، وهذه حكمة أخواني في الله عظيمة، حكمة عظيمة، أن بغي أن تستفاد، لا نجعل العهد المكي والمدني عبارة عن شيء يدرس، لا يطبق، لا أن نطبقه، فنجد أن الشرع يهتم، إذن العهد المكي عبارة عن تأصيل القواعد، تأصيل مسألة التوحيد والعقيدة، ولهذا من أراد أن يمجح على التربية الإسلامية، يراعى لهذه القواعد، ليبدأ مع الناشئة بما كان في العهد المكي من ذكر ماذا؟ البعث والنشور، والجنة، وإقرار التوحيد، وتعظيم الباري جل وعلا، حتى يتسنى بعد ذلك أن تأتي للأحكام للناس، فتقبلونها، وذلك بحكمة الله سبحانه وتعالى. قال رحمه الله تعالى: تربية الدعاة إلى الله تعالى، وتوجيههم إلى أن يتبعوا ما سلكه القرآن في الأسلوب والموضوع، ومن حيث المخاطبين، بحيث يبدأوا بالأهم فالأهم، وتستعمل الشدة في موضعها، والسهولة في موضعها، وطبعا لحق متفطن، والمتأمل لكلام الله، ولكتاب الله، كيف أن الله جعل لكل عهد أسلوبه، فأنت تستفيد كداعية، كيف تتخذ السبل في الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، تنظر إلى حال المخاطبين، تنظر في الذي تدعوهم إليه، فتنظر كيف بدأ القرآن؟ أنت تبدأ ببداءة القرآن لهم. قال رحمه الله تعالى: أربعة: تمييز الناسخ من المنسوخ، فيما لو وردت آيتان مكية ومدنية، يتحقق فيهما شروط النسخ، فإن المدنية ناسخة للمكية، لتأخر المدنية عنها، بل هذا الأمر رابع، بل جعله العلماء من أعظم فوائد معرفة المكي والمدني، التوصل إلى معرفة النسخ، إلى معرفة النسخ، بحيث ما لو أنك في نظرك تعارضت آيتان، في نظرك أنت تم التعارض، وما أمكن الجمع، حينها تضطر إلى اللجوء إلى مسألة النسخ، ولا يمكنك معرفة النسخ، إلا معرفة المتقدم والمتأخر، ومن أعظم ما يسر لك معرفة المتقدم والمتأخر، المكي والمدني، هذه الآية مع تلك الآية، ما استطعت أن تجمع، ترى أولا فيه تعارض، ثم أردت الجمع، ما أجمعت، لا بد أنك تضطر إلى مسألة النسخ، كيف تعرف المتقدم والمتأخر؟ ترجع مباشرة إلى ما ذكر العلماء في أسباب النزول، ها أين المكي؟ أين المدني؟ تجعل المكي أولا، ثم المدني بعده، فتجعل المدني ناسخ للمكي، ناسخ للمكي، فهذا طبعا كما يقول من أعظم فمنافع هذا الباب الذي ذكره العلماء في المكي والمدني. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.