الدرس في شرح لامية شيخ الإسلام 7، الدرس السابع : ( وَجَمِيعُ آيَاتِ الصِّفَاتِ أُمِرُّهَـا ... حَقّـاً كَمَا نَقَـلَ الطِّرَازُ الأَوَّلُ ). ألقاها
يشرح المقطع معتقد أهل السنة والجماعة في آيات الصفات، حيث يؤمنون بإمرارها على ظاهرها. هذا المعتقد يعكس إثبات الكمالات لله وتنزيهه عن النقص.
مذهب أهل السنة والجماعة في صفات الله هو الإمرار بمعناها الظاهر دون تفويض. يُفهم المعنى الظاهر من خلال اللغة العربية، مع التأكيد على جليل معاني كلام الله ورسوله.
يشرح موقف الإمام مالك بن أنس من سؤال رجل عن كيفية استواء الله، حيث أجاب بأن الكيف مجهول والسؤال عنه بدعة. هذا يؤكد على وجوب الإيمان بصفات الله دون الخوض في تفاصيل كيفية الصفات.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، وقفنا في الدرس الماضي عند قول الشيخ رحمه الله: وأقول: قال الله جل جلاله والمصطفى الهادي، ولا أتأول تقدم مع الكلام على هذا البيت، وأنه من طريقة أهل السنة والجماعة إمرار ما جاء عن الله عز وجل، أو إثبات ما جاء عن الله عز وجل، وما جاء عن رسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم على الوجه اللائق، من غير تأويل، بخلاف طريقة غير أهل السنة والجماعة، فإنهم لهم في هذا الأمر طرائق شتى. قال رحمه الله تعالى: قال: «وجميع آيات الصفات أمرها حقا كما نقل الطراز الأول»، وأرد عهدتها، وأرد عهدتها إلى نقالها، وأصونها عن كل ما يتخيل. قوله رحمه الله تعالى: «وجميع آيات الصفات أمرها حقا» معناه أن معتقد أهل السنة والجماعة إمرار الصفات على ظاهرها، دون أن يتعرض إليها المعترض بأي نوع من أنواع التحريف أو التعطيل. بل طريقة أهل السنة والجماعة إثبات ما أثبته الله عز وجل لنفسه، وما أثبته له رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، على الوجه اللائق به، إثباتا من غير تمثيل، وتنزيها من غير تعطيل. فإثباتهم مقرون بالتنزيه، وتنزيههم مقرون بإثبات الكمالات لله عز وجل، إثباتا من غير تمثيل، وتنزيها من غير تعطيل، فيثبتون الصفات على الوجه اللائق بالله عز وجل، على ظاهرها المفهوم المتبادر إلى الأذهان. هذا معنى قولهم: «أمروها كما جاءت». السلف رحمهم الله ورضي الله عنهم، جاءت عنهم عبارات متعددة، يقولون بالإمرار والإقرار، وتارة يقولون: «أمروها كما جاءت». لذا قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: «حقا كما نقل الطراز الأول»، والمراد بهم سلف هذه الأمة، ورأس هؤلاء صحابة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ورضي الله عنهم. يدخل في قوله: «الطراز الأول» هؤلاء دخولا أوليا، فكما سمعتم وجد في كلام الأئمة وفي كلام السلف رضي الله عنهم ورحمهم الله إطلاق القول في الصفات: «أمروها كما جاءت». فهذا معنى قول شيخ الإسلام رحمه الله: «وجميع آيات الصفات أمرها حقا». وقوله: «حقا» فيه إشارة لطيفة إلى أن مذهب أهل السنة والجماعة في صفات الله عز وجل هو الإمرار، وهذا الإمرار لا يراد منه التفويض، وأن هذه الصفات لا معاني لها. بل قوله: «حقا» يدل على أن هذه الصفات لها معان، وكل كلام عربي، لا سيما إذا قصد به الإفهام، له معنى. فكيف بكلام الله عز وجل، وكيف بكلام رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، الذي كما مر معنا في الدرس السابق جمع بين الصدق وحسن البيان، وكذا إرادة الخير شرعا للعباد، فلابد أن يكون له معان ولابد. فكيف إذا كان الكلام في باب صفات الله عز وجل، وفي باب توحيد الله عز وجل، لا بد أن يكون له معنى ومعنى جليل. لذا كان مما ذهب إليه أهل السنة والجماعة في قولهم: «أمروها كما جاءت»، أي على ما فهم من معناها الظاهر، فلا نتعمق في معرفة أو في السعي في معرفة المعنى الباطن، لأن السعي في معرفة المعنى الباطن هذا ممنوع، وهذا مخفي عنا. فمن سعى في تحصيله فقد سعى فيما أخفاه الله عز وجل عنه، ويوشك أن يزل وأن يقول على الله عز وجل بغير علم. وهكذا فعل أهل الأهواء والبدع، سعوا في تحصيل المعنى الباطن، لأن لصفات الله عز وجل معنى ظاهر وآخر باطن. المعنى الظاهر هو المعروف في لغة العرب، فإذا قال الله عز وجل في كتابه: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾، اليد في لغة العرب معروفة. إذا قال الله عز وجل: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾، الوجه معروف. إذا قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، الاستواء في لغة العرب كذلك معروف. هذا المعنى يسمى بالمعنى الظاهر، وهو لا يحتاج إلى تكلف، بمجرد أن تسمع تعلم المعنى، لا سيما إذا كان السامع عربيا يفهم اللغة. فإذا قال إنسان من الناس: لا يفهم قول الله عز وجل: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾، اليد معروفة هكذا أم لا؟ هذا معنى يسمى معنى ظاهر. وهذا معنى السلف في قولهم: «أمروها كما جاءت»، أي على ظاهرها المفهوم المتبادر إلى الأذهان من أول وهلة، بمجرد أن تسمع أو تقرأ تعرف المعنى. والمعنى الباطن، هذا هو الممنوع، وهو السعي في معرفة وفي كشف ما أخفاه الله عز وجل عنا في معرفة وكشف ما هي هذه الصفة، وكيفية هذه الصفة، هذا لا يعلمه أحد من البشر، هذا مما أخفاه الله عز وجل عنا. لذا كان في كلام إمام دار الهجرة مالك بن أنس رحمه الله وغفر له ما يدل على هذا المعنى، حينما دخل عليه رجل فسأله، فقال له: يا أبا عبد الله: «الرحمن على العرش استوى كيف استوى؟». ماذا صنع مالك رحمه الله تعالى؟ هاله هذا السؤال، وعظم هذا السؤال، حتى قال من حضر: ما رأينا مالكا وجد أشد مما وجد ذلك اليوم عند السائل. قال: فأطرق رأسه، وعلته الرحضاء -أي العرق الشديد- هيبة وتعظيما أن يكون بشر أو إنسان من الناس يسأل عن كيفية الله عز وجل، أو عن كيفية صفات الله عز وجل، هذا ممنوع. والسلف رضي الله عنهم ورحمهم الله، لما كانوا أعلم بالله عز وجل وأخشى لله عز وجل، عظموا هذا السؤال تعظيما عجيبا. فأطرق رأسه، وعلته الرحضاء، ثم سأل ورفع رأسه، فلما سري عنه رفع رأسه وقال: أين السائل؟ فقال: «الاستواء معلوم»، ما معنى معلوم؟ أي معلوم في لغة العرب، الاستواء معلوم بمعنى: علا وارتفع، معلوم في لغة العرب الاستواء معلوم، قال: «والكيف مجهول»، والكيف هو المعنى الباطن، الكيف هو المعنى الباطن الذي سعى في كشفه هذا السائل. فقال له مالك رحمه الله: «الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والسؤال عنه بدعة»، والإيمان به واجب، والإيمان به -الإيمان بأن الله عز وجل استوى على عرشه- واجب، قال: «والسؤال عنه بدعة». لذا كان كما قال العلامة ابن القيم رحمه الله: جواب الإمام مالك رحمه الله تعالى قاعدة جليلة في باب أسماء الله عز وجل وصفاته. فكل سائل عن صفة وعن كيفية تلك الصفة، يقال له: تلك الصفة معلومة، وكيفية وكيفيتها مجهولة، والإيمان بها واجب، والسؤال عنها بدعة. وكما قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: قول الإمام مالك رحمه الله تعالى هذا، وهو كذلك محكي عن شيخه ربيعة بإسناد أيضا صحيح، وعن مالك أيضا بإسناد صحيح، بأسانيده صحيحة. قال: هذا يوافق كلام غيرهما في قولهم: «أمروها كما جاءت»، بمعنى أن تمر الصفات على ظاهرها المفهوم، ولا يسعى في كشف معناها الباطن، وواجب الإيمان بذلك الظاهر. والله أعلم. ونكتفي بهذا إلى هنا. سبحانك اللهم بحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.