التعليقات على شرح العقيدة الطحاوية 24

الدرس في التعليقات على شرح العقيدة الطحاوية 24، ألقاها

مقدمة في الإرادة الإلهية

يبدأ الدرس بتوضيح الفرق بين الإرادة الكونية والشرعية، حيث تُعرّف الكونية بالمشيئة التي تقع دائماً، بينما تتعلق الشرعية بالأمر الشرعي الذي قد يتحقق أو لا يتحقق. يُشرح أيضاً موقف أهل السنة والجماعة من هذه القضية.

تفصيل الإرادة الكونية والشرعية ورد على المعتزلة

يتعمق الدرس في شرح الإرادتين الكونية والشرعية، ويوضح أن الإرادة الكونية تتعلق بما يريده الله ويقع دائماً، بينما الإرادة الشرعية تتعلق بالأمر الشرعي وقد لا يقع دائماً. كما يرد على المعتزلة الذين يرون التلازم بين الأمر الإلهي والفعل.

حكمة الله في خلق الضدين وانتقاد القدرية

يتناول الدرس حكمة الله في خلق الضدين مثل الإيمان والكفر والصحة والمرض، ويبين أن خلق أحد الضدين يحول دون خلق الآخر. كما ينتقد القدرية لتعليلهم أفعال الله بطريقة تركز على مصلحة الخلق بدلاً من حكمة الله.

انتقاد المعتزلة في تمثيلهم لله بخلقه

ينتقد الدرس المعتزلة لتمثيلهم الله بخلقه في الأحكام الشرعية، ويشير إلى خطأ تطبيقهم نفس الأحكام على الله وعلى خلقه، مؤكداً على علو الله وعدم إمكانية تمثيله بخلقه.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله حمدا كثيرا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، تقدم معنا في الدرس الماضي الكلام والبحث في بعض المسائل المتعلقة بمسائل الإرادة، وتقدم معنا أنه لا تلازم بين الإرادتين الكونية والشرعية، فقد توجد الشرعية من غير الكونية، وقد توجد الكونية من غير الشرعية، وقد يجتمعان، وقد لا يوجدان في حال كما تقدم معنا. وتقدم معنا أيضا فيما مضى أن الإرادة الشرعية هي بمعنى المحبة، والكونية بمعنى المشيئة، وتقدم كذلك معنى أن الإرادة الشرعية مناطها أو مدارها على الألوهية، على توحيد الألوهية، الأمر الشرع، والكونية مدارها على توحيد الربوبية؛ لأن مدارها على الخلق والإيجاد. وكذلك الإرادة الكونية يعني من الفروق المذكورة بين الإرادتين: الإرادة الكونية تقع ولا محالة، ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، والكونية قد تكون محبوبة، وقد لا تكون محبوبة. وأما الشرعية فإنها قد تقع وقد لا تقع، ولكنها محبوبة إلى الله جل وعلا. قال رحمه الله تعالى: «والقدرية تضرب مثلا بمن أمر غيره بأمره، فإنه لابد أن يفعل ما يكون المأمور أقرب ما يكون المأمور أقرب إلى فعله، كالبشر والطلاقة وتهيئة المساند والمقاعد ونحو ذلك». يعني المعتزلة حينما قال أهل السنة والجماعة: لا تلازم بين الأمر والإرادتين، أو بين الأمر والفعل، المعتزلة اعترضوا على ذلك وقالوا بالتلازم، قالوا: بل هناك تلازم، بمعنى أن من أمر أو أمر غيره بشيء فإنه يجب عليه أن يهيئ لهم ما يستعين به على فعل ذلك المأمور. قال: «فيقال لهم: هذا يكون على وجهين»، هذا جواب من أهل السنة والجماعة على المعتزلة القدرية، قال: «فيقال لهم: هذا يكون على وجهين، أي الأمر يكون على وجهين: أحدهما أن تكون مصلحة الأمر تعود إلى الأمر، كأمر الملك جنده بما يؤيد ملكه، كأمر الملك جنده بما يؤيد جنده ويقوي جنده، لا بد له أن يعينهم، لا بد له أن يعينهم، وأن يمدهم بما يستطيع أن يمدهم به من العون؛ لأجل أن يثبت له ملكه، فالأمر ها هنا عائد إلى مصلحة الآمر، فلما كان عائدا إلى مصلحة الآمر لا بد أن يمدهم بالعون حتى يتم له ما أمر به». قال: «والثاني: أن يكون الآمر يرى الإعانة للمأمور مصلحة له، أي مصلحة للآمر، وكذلك مصلحة للمأمور، أن تكون المصلحة هؤونة مشتركة بين الآمر والمأمور، كالأمر بالمعروف، الأمر بالمعروف فيه نفع للمأمور، وفيه نفع كذلك لمن للآمر؛ باعتباري الثواب الذي يجده بأمره بالمعروف، وفيه كذلك نفع للمأمور؛ لأنه ينتفع بذلك المعروف». قال: «فأما إذا قدر أن الآمر إنما أمر المأمور لمصلحة المأمور، لا لنفع يعود على الآمر من فعل المأمور، كالناصح المشير، وقدر أنه إذا عانه لم يكن ذلك مصلحة للآمر، وأن في حصول مصلحة المأمور مضرة على الآمر، مثل أو مثل الذي جاء من أقصى المدينة يسعى، وقال لموسى عليه السلام: ﴿إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ﴾، فهذا مصلحته في أن يأمر موسى عليه السلام بالخروج، لا في أن يعينه على ذلك؛ إذ لو أعانه لضره قومه». قال: «فإذا ثبت هذا كما يقال في الواقع والحس، فما المانع أن ينكر بعد ذلك في أن يقع في حق الله جل وعلا؟ وأن يكون جهة الأمر غير جهة الفعل؛ لأن الأمر والفعل ليس بمتلازمين، بمعنى أن الإرادة الشرعية التي مدارها على الأمر ليست متلازمة مع الإرادة الكونية التي مدارها على الفعل». قال رحمه الله: «وإذا قيل: إن الله أمر العباد بما يصلحهم، لم يلزم من ذلك أن يعينهم على ما أمرهم به؛ لأنه لا تلازم بين الأمر والفعل»، قال: «لا سيما وعند القدرية لا يقدر أن يعين أحدا على ما به يصير فاعلا؛ على مذهب المعتزلة، الأمر واضح؛ لأن القدرية المعتزلة يقولون: بأن الله جل وعلا يأمر، وليس له إرادة ولا فعل ولا قدرة على أفعال العباد، فإذا جهة الأمر غير جهة الخلق والفعل والإيجاد». قال: «وإذا عللت أفعاله، بالحكمة، فهي ثابتة في نفس الأمر، وإن كنا نحن لا نعلمها»، يقول: «وإذا عللت أفعاله بالحكمة؛ كما هو مذهب أهل السنة والجماعة، كما هو مذهب من يا جماعة؟ مذهب أهل السنة والجماعة، الذين يقولون: بأن الله جل وعلا لا يفعل إلا لحكمة، علمها من علمها، وجهلها من جهلها، ما يفعل ربك جل وعلا فعلا إلا لغاية الحكمة، فهو يضع الأشياء في مواضعها المناسبة». قال: «فإذا عللت أفعاله بالحكمة، فهي ثابتة في نفس الأمر؛ بمعنى أن الله جل وعلا إذا أمر بالأمر، ولم يعن ذلك المأمور على ذلك الفعل، فإنما منع العون عن ذلك الشخص لحكمة علمها الله جل وعلا، وإن جهلناها نحن». قال: «فمن أمره وأعانه على فعل المأمور، كان ذلك المأمور به قد تعلق به خلقه وأمره، إنشاء وخلقا ومحبة؛ أي اجتمع في حقه الإرادتان الكونية والشرعية، فكان مرادا بجهة الخلق الذي هو مدار الإرادة الكونية، ومرادا بجهة الأمر الذي هو مدار الإرادة الشرعية». قال: «ومن لم يعينه على فعل المأمور، كان ذلك المأمور قد تعلق به أمره الذي هو جهة الإرادة الشرعية، ولم يتعلق به خلقه الذي هو مناط الإرادة الكونية؛ لعدم الحكمة المقتضية لتعلق الخلق به، لتعلق الخلق بأي؟ تعلق الخلق في إيجاد ذلك الفعل الذي أمر به ذلك العبد؛ لماذا؟ لأن الحكمة اقتضت أن لا يفعل العبد أو ذلك العبد المعين ذلك الفعل المأمور؛ لماذا؟ لأنه منافر لحكمة الرب جل وعلا، والله جل وعلا لا يفعل شيئا إلا لحكمة». قال: «ولحصول الحكمة المقتضية لخلق ضده، وهذا في إشارة إلى ما تقدم من أن من أعظم الحكم حكمة خلق الضدين، وكما ذكره العلامة ابن القيم في كتابه طريق الهجرتين: أنه ذكر معنى هذا، أن من أعظم حكم الله جل وعلا خلق الضدين». قال: «وخلق أحد الضدين ينافي خلق الضد الآخر، فخلق الكفر مثلا في الإنسان المعين ينافي خلق الإيمان، والعكس خلق الإيمان ينافي الكفر، وخلق الطاعة ينافي خلق المعصية في ذلك العبد؛ بمعنى أن يخلق الله جل وعلا الفعل للعبد، فيكون العبد فاعلا باعتبار المباشرة، والله جل وعلا خارقا باعتبار الخلق والإيجاد». قال: «فإن خلق المرض الذي يحصل به ذل العبد لربه، ودعاؤه، وتوبته، وتكفير خطاياه، ويرق به قلبه، ويذهب به عنه الكبرياء والعظمة والعدوان، يضاد خلق الصحة التي لا تحصل معها هذه المصالح، خلق المرض يضاد الصحة». قال: «ولذلك كان خلق ظلم الظالم الذي يحصل به للمظلوم من جنس ما يحصل به بالمرض، يضاد خلق عدله الذي لا يحصل به هذه المصالح، وإن كانت مصلحته هو في أن يعدل، حصول الظلم يضاد خلق عدله الله جل وعلا؛ لما خلق الظلم، لما خلق الظلم فجعل زيدا يظلم عمرا، حصلت لعمر مصلحة التي حصلت من جنسها المصلحة للمريض». قال: «ولو أن الله جل وعلا خلق العدل الذي هو ضد الظلم، لما ظهرت هذه الحكمة، ما هي الحكمة؟ انكسار العبد واستكانته وذله لله رب العالمين، إذن خلق الله جل وعلا يخلق الشيء لأجل أن ماذا؟ ولا يخلق ضده لحكمة بالغة عظيمة». قال: «وتفصيل حكمة الله عز وجل في خلقه وأمره يعجز عن معرفته عقول البشر، والقدرية دخلوا في التعليل على طريقة فاسدة، مثل الله فيها بخلقه، ولم يثبت حكمة تعود إليه؛ يقول رحمه الله تعالى: وتفصيل حكمة الله عز وجل في خلقه وأمره يعجز عن معرفته عقول البشر، لا يستطيعون أن يعرفوا تفاصيل حكمة الله جل وعلا، وإن كانوا قد يعرفوا بعض الحكم إجمالا أو بعض الحكم تفصيلا». قال: «والقدرية دخلوا في التعليل على طريقة فاسدة؛ بمعنى: القدرية المعتزلة دخلوا في التعليل، أي في تعليل أفعال الله جل وعلا، بمعنى أن الله جل وعلا لا يفعل إلا لحكمة، ولكن كما قال: بطريقة فاسدة؛ لماذا؟ لأنهم كما ذكر: مثل الله فيها بخلقه، مثل الله فيها بماذا؟ بخلقه، ولم يثبتوا حكمة تعود إليه، تعود إلى من؟ تعود إلى الله، بل جعلوا الحكمة تعود إلى من؟ إلى الخلق». قال: «الفرق بين قدرية في هذا الباب وبين أهل السنة والجماعة: أن أهل السنة والجماعة قالوا: بأن الله جل وعلا يفعل شيئا إلا لحكمة، هذه الحكمة هي صفة لله جل وعلا، عائدة إلى من؟ عائدة إلى الله جل وعلا، وقد تكون هذه الحكمة متعدية إلى من؟ إلى خلقه سبحانه، إلى خلقه؛ بخلاف المعتزلة: جعل حكمة محصورة على الخلق، إذا قالوا: ما كان واجبا على الخلق فيما بينهم، فإنه يجب فيما بين الله وخلقه، وما كان ممكنا كان ممكنا في حق الله، وما كان ممتنعا كان ممتنعا في حق الله جل وعلا، فمثلوا الله جل وعلا بماذا؟ بخلقه». والله تعالى أعلى وأعلم، سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على