الدرس في فتاوى ابن باز في العقيدة 4، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
يقرر الشيخ ابن باز أن التبرك بغير النبي صلى الله عليه وسلم غير جائز لاختصاص البركة به، ولم يتبرك الصحابة بأحد سواه. كما أن التوسل بجاه النبي أو بركته لا دليل عليه ويُعد وسيلة للشرك، والصحيح التوسل بأسماء الله وصفاته.
يبيّن المقطع أنواع التوسل المشروع كالتوسل بحب الله ورسوله والإيمان والأعمال الصالحة كما في قصة أصحاب الغار، والتوسل بدعاء النبي وشفاعته لا بذاته. ويوضح جواز التبرك بالنبي في حياته بآثاره كشعره ووضوئه، مع تحريم التبرك بغيره واعتبار اعتقاد النفع والضر في ذات المتبرك به شركاً.
يؤكد أن الشفاء والبركة من الله وحده، وأن التبرك بغير النبي من وسائل الشرك كما فعلت الأمم السابقة. ويستعرض أنواع التوسل المشروع الثلاثة: بأسماء الله وصفاته، بدعاء الحي الصالح، وبالأعمال الصالحة، مستشهداً بحديث أصحاب الغار وتوسل الأعمى بالنبي في حياته.
يحذر المقطع من ممارسات أهل البدع في العكوف على قبور الموتى والتوسل بهم والاستشفاع بهم، مبيناً أن منها ما هو بدعة ومنها ما يصل إلى الشرك بالله. ويختتم بالدعاء بحماية العقيدة من الزيغ وهداية الضالين والصلاة على النبي وآله وصحبه.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فهذا سؤال وجه إلى فضيلة الشيخ العلامة العالم سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز رحمه الله تعالى، وأسكنه الله فسيح جناته. يقول السائل في هذا السؤال: هناك من يرى جواز التبرك بالعلماء والصالحين وآثارهم، مستدلا بما ثبت من تبرك الصحابة رضي الله عنهم بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم، فما حكم ذلك؟ ثم أليس فيه تشبيه لغير النبي صلى الله عليه وآله وسلم؟ وهل يمكن التبرك بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد وفاته؟ وما حكم التوسل إلى الله تعالى ببركة النبي صلى الله عليه وآله وسلم؟ فأجاب رحمه الله قال: لا يجوز التبرك بأحد غير النبي صلى الله عليه وآله وسلم، لا بوضوئه ولا بشعره ولا بعرقه ولا بشيء من جسده، بل هذا كله خاص بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم بما جعل الله في جسده وما مسه من الخير والبركة. ولهذا لم يتبرك الصحابة رضي الله عنهم بأحد منهم، لم يتبرك الصحابة رضي الله تعالى عنهم بأحد منهم لا في حياته ولا بعد وفاته صلى الله عليه وآله وسلم، لا مع الخلفاء الراشدين ولا مع غيرهم، فدل ذلك على أنهم قد عرفوا أن ذلك خاص بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم دون غيره، ولأن ذلك وسيلة إلى الشرك وعبادة غير الله سبحانه. وهكذا لا يجوز التوسل إلى الله سبحانه بجاه النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو ذاته أو صفته أو بركته، لعدم الدليل على ذلك، ولأن ذلك من وسائل الشرك به والغلو فيه عليه الصلاة والسلام، ولأن ذلك أيضا لم يفعله أصحابه رضي الله تعالى عنهم، ولو كان خيرا لسبقوا إليه، ولأن ذلك خلاف الأدلة الشرعية. فقد قال الله عز وجل: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾، ولم يأمر بدعائه سبحانه بجاه أحد أو حق أحد أو بركة أحد. ويلحق بأسمائه التوسل بصفاته كعزته، ويلحق بأسمائه سبحانه التوسل بصفته كعزته ورحمته وكلامه وغير ذلك. ومن ذلك ما جاء في الأحاديث الصحيحة من التعوذ بكلمات الله التامات، والتعوذ بعزة الله وقدرته. ويلحق بذلك أيضا التوسل بمحبة الله سبحانه ومحبة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وبالإيمان بالله وبرسوله، والتوسل بالأعمال الصالحات، كما في قصة أصحاب الغار الذين آواهم المبيت والمطر إلى غار فدخلوا فيه، فانحدرت عليهم صخرة من الجبل فسدت عليهم باب الغار، ولم يستطيعوا دفعها، فتذاكروا بينهم في وسيلة الخلاص منها، واتفقوا بينهم على أنه لن ينجيهم منها إلا أن يدعو الله بصالح أعمالهم. فتوسل أحد منهم إلى الله سبحانه ببر والديه، فانفرجت الصخرة شيئا لا يستطيعون الخروج منه، ثم توسل الثاني بعفته عن الزنا بعد القدرة عليه، فانفرجت الصخرة بعض الشيء لكنهم لا يستطيعون الخروج من ذلك، ثم توسل الثالث بأداء الأمانة، فانفرجت الصخرة وخرجوا. وهذا حديث ثابت في الصحيحين من أخبار من قبلنا، أخبر نبيه صلى الله عليه وآله وسلم لما فيه من العبرة لنا والتذكير. وقد صرح العلماء رحمهم الله بما ذكرته في هذا الجواب، كشيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه العلامة ابن القيم، والشيخ العلامة عبد الرحمن بن حسن في فتح المجيد شرح كتاب التوحيد، وغيرهم. وأما حديث توسل الأعمى بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم في حياته صلى الله عليه وسلم، فشفع فيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم ودعا له، فرد الله عليه بصره، فهذا توسل بدعاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم وشفاعته، وليس ذلك بجاهه وحقه، كما هو واضح في الحديث، وكما يتشفع الناس به يوم القيامة في القضاء بينهم، وكما يتشفع به يوم القيامة أهل الجنة في دخولهم الجنة. وكل هذا توسل به في حياته الدنيوية والأخروية، وهو توسل بدعائه وشفاعته لا بذاته وحقه، كما صرح بذلك أهل العلم، ومنهم من ذكرنا آنفا. هذا الجواب منه رحمه الله تعالى جواب واضح، بين فيه رحمه الله تعالى التبرك الجائز بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم حال حياته بوضوئه وعرقه، وهذا كان يفعله الصحابة رضي الله تعالى عنهم مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم، لكن ليس معناه أنه يتبرك كذلك بأبي بكر وعمر بوضوئه أو بعرقه، أو بعثمان أو علي أو بغيرهم، وإنما هذا فعله الصحابة مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حال حياته، فدل هذا على أن التبرك إنما هو بالنبي صلى الله عليه وسلم في حياته بشعره وفضل وضوء مائه وغير ذلك، وأما بغير النبي عليه الصلاة والسلام فإنه لا يجوز، بل هو من التبرك البدعي، بل يصل إلى التبرك الشركي إذا اعتقد النفع والضر في ذات المتبرك به، وأنه يعطي النفع أو يدفع الضر بذاته، لأن هذا إنما هو لله جل وعلا لا يشاركه في ذلك أحد. وإن كان قد جعل جل وعلا في الأشياء البركة كماء زمزم والحبة السوداء وغير ذلك، لكن الشفاء من الله: ﴿أَذْهِبِ الْبَأْسَ رَبَّ النَّاسِ اشْفِ أَنْتَ الشَّافِي لَا شِفَاءَ إِلَّا شِفَاؤُكَ شِفَاءً لَا يُغَادِرُ سَقَمًا﴾. وإذا لم يتبرك الصحابة، لم يتبرك الصحابة بغير النبي عليه الصلاة والسلام، لا بأبي بكر ولا بعمر ولا بغيره، لا في حال حياة النبي عليه الصلاة والسلام ولا بعد، وذلك لعلمهم أنه خاص بالنبي عليه الصلاة والسلام، وأيضا لأن هذا من وسائل الشرك. وهذا واقع حين تبرك الناس بالصالحين من العلماء أو الأئمة وغيرهم، حصل الشرك بالله جل وعلا، غلو بعد ذلك وانتقلوا إلى الشرك بالله جل وعلا. وهذا واضح حين تبركوا بالصالحين، عبدوهم بعد ذلك من دون الله جل وعلا، كما تبرك أولا قوم نوح بصالحيهم، بعد ذلك عبدوهم وجعلوهم آلهة. وهكذا حين تبرك كفار قريش بالرجل الصالح فيهم، صار بعد ذلك آلهة تعبد مع الله جل وعلا. فالتبرك بهؤلاء من وسائل الشرك بالله جل وعلا. وإنما النبي عليه الصلاة والسلام فقد جعل الله جل وعلا في ذلك خاصا في حال حياته صلى الله عليه وآله وسلم، أي بعرقه ووضوئه. ثم بينا كذلك رحمه الله تعالى في جوابه أن التبرك أو التوسل الجائز أنواع ثلاثة: توسل بأسماء الله وصفاته، توسل بدعاء الحي الصالح الحاضر، التوسل بالأعمال الصالحة. وهذا قد سبق معنا، والتوسل بالأعمال الصالحة منها محبة الله، محبة الرسول، محبة آل البيت، وغير ذلك من الأعمال الصالحة. وأشار إلى حديث أصحاب الغار الثلاثة الذي فيه أحد أنواع التوسل الثلاثة، والتوسل بالعمل الصالح: بر الوالدين، أداء الأمانة، العفة. وأشار إلى كلام أهل العلم بمثل هذا الجواب كشيخ الإسلام وابن قيم وغيرهم من أئمة الإسلام. وأشار إلى توسل الأعمى بالنبي عليه الصلاة والسلام، إنما هو أحد أنواع التوسل الثلاثة: توسل بدعائه، فإن النبي عليه الصلاة والسلام دعا له بعد أمره أن يتوضأ. هذا على القول بصحة الحديث، وإلا فبعض أهل العلم ضعف هذا الحديث، لكن مع صحته وتحسينه وحسنه فهو من التوسل بدعاء الحي الصالح وهو النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وهذا وارد عنه كثير في حال حياته عليه الصلاة والسلام، كان يأتون إليه يتوسلون به فيدعو لهم، جل وعلا يدعو لهم عليه الصلاة والسلام. وهكذا في الآخرة يتوسلون به عليه الصلاة والسلام وهو حي، فيشفع لهم في فصل القضاء وفي دخول الجنة وغير ذلك. هذا الذي دلت عليه دلائل الكتاب والسنة وما كان عليه سلف الأمة. أما ما هو عند أهل البدع من العكوف على قبور الأموات، والتوسل بهم، والاستشفاع وغير ذلك، فكل ذلك من الباطل، منه ما هو من البدع، ومنه ما هو من الشرك بالله جل وعلا. نسأل الله جل وعلا أن يحمي عقيدتنا من الزيغ والضلال، وأن يهدي ضال المسلمين إلى الحق. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.