الدرس في التعليقات على شرح العقيدة الطحاوية 31، ألقاها
يتناول آراء أهل النظر حول إمكان دوام الحوادث في الماضي والمستقبل، ويشير إلى ثلاثة أقوال معروفة وقول الفلاسفة. يبين بطلان قول الفلاسفة القائلين بقدم العالم وتسلسل الحوادث.
ناقش الخلاف بين أهل السنة والفلاسفة والجهمية حول حدوث الحوادث وقدمها، وأوضح تفريق أهل السنة بين النوع والفرد في الحوادث.
يناقش مسألة حدوث العالم وعلاقة الله بالأزلية والأبدية، ويستدل بقول شيخ الإسلام ابن تيمية على إمكان تسلسل الحوادث في الماضي كما في المستقبل.
فالحاصل أن نوع الحوادث هل يمكن دوامها في المستقبل والماضي أم لا، أو في المستقبل فقط أو الماضي فقط؟ فيه ثلاثة أقوال معروفة لأهل النظر من المسلمين وغيرهم. أضعفها قول من يقول: لا يمكن دوامها لا في الماضي ولا في المستقبل، كقول جهم بن صفوان وأبي الهذيل العلاف. وثانيها قول من يقول: يمكن دوامها في المستقبل دون الماضي، كقول كثير من أهل الكلام ومن وافقهم من الفقهاء وغيرهم. والثالث قول من يقول: يمكن دوامها في الماضي والمستقبل، كما يقوله أئمة الحديث. هي من المسائل الكبار، ولم يقل أحد يمكن دوامها في الماضي دون المستقبل. قال الشارح رحمه الله تعالى، الإمام ابن أبي العز الحنفي: «فالحاصل أن نوع الحوادث هل يمكن دوامها في المستقبل والماضي أم لا، أو في المستقبل فقط أو الماضي فقط؟ فيه ثلاثة أقوال معروفة لأهل النظر من المسلمين وغيرهم». وكلامه رحمه الله تعالى كما هو واضح، أن هذه الأقوال منسوبة إلى أهل الإسلام. وثم قول آخر لم يذكره رحمه الله تعالى، ولكن سيأتي الإشارة إليه، وهو قول الفلاسفة. فالفلاسفة في هذا الباب على قسمين: فلاسفة لا يقولون بقدم العالم، وهؤلاء كما سيأتي معنا أنهم موافقون في إمكان حوادث لا أول لها. وطائفة أخرى من الفلاسفة، وهم الذين يقولون بقدم العالم وبقدم الأفلاك، فهؤلاء يقولون في مسألة التسلسل: أن الحوادث لا أول لها باعتبار إمكانها ووقوعها وباعتبار أفرادها ونوعها. وهذا القول كما هو ظاهر، باطل منكر، بل هو كفر صريح. قال الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿إِنَّمَا أَمْرُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾. فقول القائل بأن المفعول مقارن للفاعل، قول باطل ببداهة العقول. وللأسف، بعض الناس ممن إما أنه لم يحقق المسألة تحقيقا تاما، أو ممن في قلبه مرض أو في قلبه زيغ وتحامل على شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، فنسب هذا القسوة إلى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، وزعم أن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى قال بقدم العالم. هذا قول منكر، وبعد هذا نسب بعضهم شيخ الإسلام بسبب هذه الفرية إلى أنه كافر. الحاصل أن قول الفلاسفة في هذا الباب، يقولون بتسلسل الحوادث، يقولون بحوادث لا أول لها باعتبار الفرد والنوع. ويقولون بأن العالم قديم، قديم بقدم الله رب العالمين. في مقابلهم، قال الجهمية والمتكلمون ممن ينتسبون إلى الإسلام: أن الجهمية قالوا بحوادث لها أول، باعتبار الفرد والنوع. إذا قيل للجهمية: كيف تقولون بحوادث لها أول ولها بدء، وهذا يلزم أن يكون الله جل وعلا الخلق في حقه ممتنع، ثم صار ممكنا؟ أجابوا بأننا لو قلنا بأن الحوادث لا أول لها، لزم القول بقول الفلاسفة بقدم العالم، وهذا قول منكر وباطل. قالوا: نقول بأن الحوادث لها أول. قيل لهم: يلزم من هذا أن الفعل والخلق من الله جل وعلا كان ممتنعا ثم صار ممكنا. فقالوا: نعم، نقول بهذا. فقالت الفلاسفة: وهذا محال، لأنه يلزم الجمع بين نقيضين. قال الجهمية: وأنتم أيضا تقولون بحوادث لا أول لها، يلزم من هذا أن تكون هذه الحوادث مقارنة لله رب العالمين. قالوا: نعم، نلتزم بهذا. قالوا لهم: وهذا محال، إذ يلزم أن يقارن المفعول فاعله، وهذا محال وباطل. فالحاصل أن كلا الطرفين أسقط حجة الآخر. والسبب في هذا، هو عدم التفريق بين النوع والفرد. فأهل السنة والجماعة قالوا: نقول بحوادث لا أول لها، لكن باعتبار النوع. وأما باعتبار الفرد، فإنه ما من مخلوق إلا وهو مسبوق بعدم، فله أول. قال الشارح رحمه الله تعالى: «فالحاصل أن نوع الحوادث هل يمكن دوامها في المستقبل والماضي أم لا، أو في المستقبل فقط أو الماضي فقط؟ فيه ثلاثة أقوال معروفة لأهل النظر من المسلمين وغيرهم». وقوله: «معروفة لأهل النظر من المسلمين وغيرهم»، يحتمل أن يكون معطوفا على قوله: «لأهل النظر»، فيكون من المسلمين ومن غير المسلمين. أضعفها قول من يقول: لا يمكن دوامها لا في الماضي ولا في المستقبل، كقول جهم بن صفوان وأبي الهذيل العلاف. جهم بن صفوان يقول: الحوادث لها أول ولها نهاية، ويقول بفناء الجنة والنار. وهذا يرده الأدلة الكثيرة المتكاثرة من كتاب الله جل وعلا، الدال على خلود أهل الجنة أبد الآباد وخلود أهل النار في النار أبد الآباد. قال الله جل وعلا: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾، وقال: ﴿أَكْلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا﴾، وقال: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾. أبو الهذيل العلاف يوافق الجهم في القول الأول، وفي القول الثاني أتى بقول غريب، فقال: لا نقول أن الحوادث لا نهاية لها، ولكن نقول: حركات أهل الجنة وأهل النار تفنى. والقول الثاني: قول من يقول: يمكن دوامها في المستقبل دون الماضي، كقول كثير من أهل الكلام، ومن وافقهم من الفقهاء وغيرهم. هذا القول كذلك ذهب إليه بعض أهل السنة، ومن هؤلاء الإمام الطحاوي رحمه الله تعالى. والقول الثالث: قول من يقول: يمكن دوامها في الماضي والمستقبل، كما يقوله أئمة الحديث. ووجه هذا: أنه كما أن إمكانها في المستقبل ممكن، فكذلك لا ابتداء لها باعتبار النوع. وقولنا: لا ابتداء لها باعتبار النوع، لا ينافي أن تكون هذه المخلوقات تنتهي إلى الأول الذي ليس قبله شيء. فكما قلنا: أن الأواخر تنتهي إلى الآخر الذي ليس بعده شيء، فكذلك الأوائل تنتهي إلى الأول الذي ليس قبله شيء. فالقول كالقول، لا فرق. واضح. قال الشارح رحمه الله تعالى: «هي من المسائل الكبار». وقد تقدم أن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى يقول: بأن هذه المسألة من محارات العقول. قال رحمه الله تعالى: «ولم يقل أحد يمكن دوامها في الماضي دون المستقبل». أي هذا القول ليس لأحد. قال رحمه الله تعالى: «ولا شك أن جمهور العالم من جميع الطوائف يقولون: إن كل ما سوى الله تعالى مخلوق، كائن بعد أن لم يكن». وقوله: «جمهور العالم»، ليخرج الفلاسفة الذين قالوا بقدم العالم. قال رحمه الله تعالى: «ومن المعلوم بالفطرة أن كون المفعول مقارنا لفاعله لم يزل ولا يزال معه، ممتنع محال». لماذا؟ لأنه يلزم أن يكون المفعول وجد مع الفاعل، ومعلوم أن المفعول لا يوجد إلا بفعل، والفعل مسبوق بفاعل. قال رحمه الله تعالى: «ولما كان تسلسل الحوادث في المستقبل لا يمنع أن يكون الرب سبحانه هو الآخر الذي ليس بعده شيء، فكذا تسلسل الحوادث في الماضي لا يمنع أن يكون سبحانه وتعالى هو الأول الذي ليس قبله شيء». فإن الرب سبحانه وتعالى لم يزل ولا يزال يفعل ما يشاء ويتكلم إذا يشاء. قال رحمه الله تعالى: «فمن قال بأن باعتبار المستقبل ممكن، فيلزمه أن يقول باعتبار الماضي ممكن». لماذا؟ لأنه كما أن الرب جل وعلا هو الآخر الذي ليس بعده شيء، ومع هذا قالوا بإمكان حوادث لا آخر لها، كذلك يجب أن يقول في حق الله جل وعلا الذي هو الأول الذي ليس قبله شيء، بإمكان حوادث لا أول لها. قال الله جل وعلا: ﴿كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾، وقال: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾، وقال: ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾، وقال: ﴿وَلَوْ أَنَّ مَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾، وقال: ﴿وَلَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾. قال رحمه الله تعالى: «والمثبت إنما هو الكمال الممكن الوجود». أي المثبت من الأفعال، ما كان من الفعل الممكن الوجود. قال رحمه الله تعالى: «وحينئذ فإذا كان النوع دائما، فالممكن والأكمل هو التقدم على كل فرد من الأفراد». بحيث لا يكون في أجزاء العالم شيء يقارنه بوجه من الوجه. قال رحمه الله تعالى: «وأما دوام الفعل، فهو أيضا من الكمال». فإن الفعل إذا كان صفة كمال، فدوامه دوام كمال. فالحاصل أن منتهى المخلوقات إلى الأول الذي ليس قبله شيء. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.