الدرس في التعليقات على شرح العقيدة الطحاوية 94، ألقاها
يشرح الشارح أن نعيم القبر وعذابه ليسا من جنس ما يوجد في الدنيا، بل هما من جنس آخر يخص دار البرزخ. يُظهر الله لبعض عباده شيئًا من هذا النعيم أو العذاب.
يتناول موضوع عذاب القبر وسؤال الملكين منكر ونكير، ويشير إلى اختلاف العلماء في سؤال الأطفال والكفار، ويبين أن عذاب القبر إما أن يكون دائمًا أو منقطعًا حسب الذنوب المرتكبة.
يتناول حياة الشهداء في البرزخ حيث تُحفظ أجسادهم ولا تأكلها الأرض، ويُبين الإيمان بالبعث وجزاء الأعمال يوم القيامة مستندًا إلى الآيات القرآنية والأحاديث النبوية.
يتناول الرد على الذين كذبوا بالبعث والجزاء، حيث يبين أن الله قادر على إحياء الموتى وإعادة خلقهم، ويرد على شبهاتهم وأسئلتهم حول ذلك.
قال الشارح رحمه الله تعالى: فالحاصل أن الدور ثلاث: دار الدنيا، ودار البرزخ، ودار القرار. وقد جعل الله لكل دار أحكاما تخصها. وركب هذا الإنسان من بدن ونفس، وجعل أحكام الدنيا على الأبدان والأرواح تبعا لها، وجعل أحكام البرزخ على الأرواح والأبدان تبعا لها. فإذا جاء يوم حشر الأجساد وقيام الناس من قبورهم، صار الحكم والنعيم والعذاب على الأرواح والأجساد جميعا. فإذا تأملت هذا المعنى حق التأمل، ظهر لك أن كون القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار مطابق للعقل، وأنه حق لا مرية فيه. وبذلك يتميز المؤمنون بالغيب من غيرهم، ويجب أن يعلم أن النار التي في القبر والنعيم ليس من جنس نار الدنيا ولا نعيمها. وإن كان الله تعالى يحمي عليه التراب والحجارة التي فوقه وتحته حتى يكون أعظم حرا من جمر الدنيا. ولو مسها أهل الدنيا لم يحسوا بها، بل أعجب من هذا أن الرجلين يدفن أحدهما إلى جنب صاحبه، وهذا في خفرة من النار، وهذا في روضة من رياض الجنة، لا يصل من هذا إلى جاره شيء من حر ناره، ولا من هذا إلى جاره شيء من نعيمه. وقدرة الله أوسع من ذلك وأعجب، ولكن النفوس مولعة بالتكذيب بما لم تحط به علما. الحمد لله حمدا كثيرا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. فكما ذكر رحمه الله تعالى بأن الدور ثلاث: دار الدنيا، ودار البرزخ، ودار القرار. وتقدم الإشارة إلى هذا الأمر في الدرس الماضي. والشارح رحمه الله تعالى أراد هاهنا أن يبين أن ما يقع في القبر من تعذيب أو من نعيم فإنه ليس من جنس ما يكون في هذه الدنيا، بل هو من جنس آخر؛ لأنها في دار أخرى غير الدار التي هي دار الدنيا. لأن الدور كما ذكر ثلاثة، فإذا كان كذلك فلا عجب أن يحصل في القبر من النعيم والتعذيب ما لا يراه الإنسان أو يشعر به. وهذا من حيث الجملة والعموم، وإلا فإن الله جل وعلا ربما أطلع بعض عباده على بعض أو على شيء من نعيم الجنة أو قل من نعيم القبر أو من عذابه. وهذا له حوادث كثيرة وكثيرة جدا، أي يحصل بين الوقت والآخر ما يذكر ويشهر ويرويه الثقات أن بعضهم ربما يفتح القبر أو يحصل في القبر شيء فيرى من ذلك الشيء العجيب، يرى أهوالا أو يرى حيات أو ما شابه ذلك في القبر. وهذا نوع من إظهار شيء لبعض الناس من ذلك العذاب أو ذلك النعيم. بل قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: وقد انكشف لكثير من الناس ذلك حتى سمعوا صوت المعذبين في قبورهم ورأوهم بعيونهم يعذبون في قبورهم. قال: في آثار كثيرة معروفة. ومن الأشياء العجيبة التي ذكرها شيخ الإسلام الرتيمية رحمه الله تعالى: أن بعض الناس في زمانه كانوا إذا حصل ببعض الدواب من الإبل نوع حصر -يعني نوع لا تستطيع أن تخرج ما في بطنها من الأذى- يحصل لها نوع إمساك، فجرت عادتهم إلى أن يذهبوا بها إلى قبور الفاطميين من العبيديين. قال: فتستطلق بطونها، فيعتقد الجهلة أنها من كراماتهم. قال شيخ الإسلام الرتيمية رحمه الله تعالى: وإنما تسمع تلك البهائم شيئا من عذاب أولئك المعذبين؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في الحديث في قصة الرجل الذي في القبر، قال: فيضربهم بمن زبة، يسمعها كل شيء إلا الثقلين الإنس والجن. فيكون هذا من هذا الباب. وكما ذكر رحمه الله تعالى: رب حفرة -يعني يكون في قبرين أحدهما بجانب الآخر- هذا قد جعل الله جل وعلا قبره روضة من رياض الجنة، وآخر جعله الله جل وعلا حفرة من حفر النيران. وأذكر قديما أحد الإخوة أخبرني بقصة -يعني حصلت له بنحو هذا المذكور- خرج في يوم حار كان في مكان قريب من المقبرة يحرس عمارة في يوم حار، قال: جلس في المقبرة بجانب قبر، فشعر بحر، قال: انتقل إلى القبر الذي بجانبه، شعر ببرودة عجيبة. قال: رجع إلى الجهة الثانية، يشعر بحر، يرجع إلى القبر الثانية، يشعر ببرودة. قال: سبحان الله -يعني ما بينهم كبير شيء- يقول: يذهب إلى هذا، يشعر بحر شديد، يأتي إلى الآخر بجانبه، يشعر ببرودة. فيكون هذا من جنس ما قد يظهره الله جل وعلا أو يطلع الله جل وعلا به من شاء من خلقه. وإلا كما سمعتم الوقائع في هذا كثيرة وكثيرة، ولكن كما ذكر الشارح: ولكن النفوس مولعة بتكذيب بما لم تحط به علما. كما قال الله جل وعلا: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾. فضلا قال رحمه الله: وقد أرانا الله في هذه الدار من عجائب قدرته ما هو أبلغ من هذا بكثير. وإذا شاء الله أن يطلع على ذلك بعض عباده أطلعه، وغيبه عن غيره. ولو أطلع الله على ذلك العباد كلهم لزالت حكمة التكليف والإيمان بالغيب، ولما تدافن الناس كما في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: «لو لا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر ما أسمع». ففي ذلك دلالة على أن النبي صلى الله عليه وسلم ممن أسمعه الله جل وعلا من عذاب القبر. وهذا كذلك الحوادث في هذا كثيرة. النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في حديث ابن عباس: مر بقبرين، فقال: «إنهما لا يعذبان» الحديث. وجاء في قصة أخرى أنه مرة في طريق في المدينة، فنفرت دابته، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لمن هذه القبور؟ فقالوا: يا رسول الله، إنها قبور لأناس ماتوا في الجاهلية من أهل الشرك. فقال: «إنها لتعذب» أو كما قال صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. الوقائع في هذه كثيرة، ولكن في هذا الباب يظهر أهل الإيمان ممن يؤمن بما جاء عن الله جل وعلا وجاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ممن ليسوا كذلك؛ لأن حقيقة الإيمان الإيمان بالغيب كما مر معنا. لأن لفظ الإيمان مشعر بالإيمان بخبر الغيب، بخبر غيبي، هذا هو حقيقة الإيمان. قال الله جل وعلا: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾. قال رحمه الله: ولما كانت هذه الحكمة منتفية في حق البهائم سمعته. وللناس في سؤال منكر ونكير هل هو خاص بهذه الأمة أم لا ثلاثة أقوال: الثالث التوقف، وهو قول جماعة منهم أبو عمر ابن عبد البر. فقال: وفي حديث زيد بن ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن هذه الأمة تبتلى في قبورها». منهم من يرويه: تسأل. وعلى هذا اللفظ يحتمل أن تكون هذه الأمة قد قصت بذلك. وهذا أمر لا يقطع به. ويظهر عدم الاختصاص، والله أعلم، وهو الأظهر، وهو الذي مال إليه جماعة من المحققين ومنهم العلامة ابن القيم وغيره رحمهم الله تعالى. والدليل على هذا ما رواه الإمام البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه عن أبي أيوب الأنصاري أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع صوتا، فقال: «يهود تعذب في قبورها». أي: تعدب بسبب ما يحصل لها من عدم الإجابة لدعوة الدعاء. وكذلك ما جاء في حديث عائشة رضي الله عنها وأرضاها في قول تلك اليهودية: «استعيذي بالله من عذاب القبر». فقالت: «إنما يعذب يهود». وإذا ثبت أن يهود تعذب، فكذلك غيرهم من المشركين يعذبون. وأصرح من هذا ما جاء كذلك في الصحيحين من حديث أنس، وكذلك جاء عن عائشة وجاء كذلك عن البراء وعن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم في سؤال الملكين منكر ونكير. وفيه قالوا: أما الكافر فيسأل عن ربه وعن دينه وعن نبيه، فيقول: ها ها لا أدري. فهذا هو الأظهر والله أعلى وأعلم أن السؤال عام، وكل أمة تسأل عن نبيها كما قال الله جل وعلا: ﴿وَيَوْمَ نَأْتِي مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾. فكل نبي تسأل أمته عنه كما جاء في صحيح البخاري من حديث أبي سعيد أن نوحا عليه السلام يسأل عنه قومه، فيقال له: بمن ترضى؟ فيقول: أرضى بمحمد وأمته، عليهم شهودا. قال: وذلك قوله: ﴿وَجِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾. قال رحمه الله: وكذلك اختلف في سؤال الأطفال أيضا، وهو يدوم عذاب القبر أو ينقطع. كذلك اختلف في سؤال الأطفال. الحافظ بن حجر رحمه الله تعالى يقول: واختلف في الطفل الغير المميز، فجزم القرطبي في التذكرة بأنه يسأل. قال: وهو المنقول عن الحنفية. وجزم غير واحد من الشافعية بأنه لا يسأل. وقال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى بعد ذكر الخلاف: الصبيان والمجانين. وذكر أن القول بأنهم يفتنون في قبورهم مطابق لقول من يقول: إنهم يكلفون يوم القيامة. قال: كما هو قول أكثر أهل العلم وأهل السنة من أهل الحديث والكلام هو الذي ذكره أبو الحسن الأشعري عن أهل السنة، واختاره، وهو مقتضى نصوص الإمام أحمد رحمه الله تعالى. فالحاصل أن ظاهر كلام شيخ الإسلام رحمه الله تعالى هو ينسب هذا القول إلى أهل السنة: جواز سؤال الصبيان ومن كان كذلك على شاكلتهم، ويدخل كذلك في هذا المعنى سؤال من لا تكليف عليه. هل يبعث يوم القيامة؟ فأما الإنس والجن فيبعثون جميعا باتفاق الأمة، ولم يختلفوا -يقول شيخ الإسلام فيما علمت- إلا فيمن لم ينفخ فيه الروح: هل يبعث؟ على قولين. وبعثه اختيار القاضي، وكثير من الفقهاء. وذكر أنه ظاهر كلام أحمد رضي الله عنه. ويدل على هذا الأمر أن السقط يكون فرطا، أنه يكون فرطا لأبويه يوم القيامة. ففي هذا المعنى أن السقط -ويدخل في السقط ما نفخ فيه الروح وما ليس كذلك- كله يقال فيه بأنه سقط. قال رحمه الله: وهل يدوم عذاب القبر أو ينقطع؟ جوابه: أنه نوعان: منهما هو دائم، كما قال تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾. وكذلك في حديث البراء بن عازب في قصة الكافر: «ثم يفتح له باب إلى النار، فينظر إلى مقعده فيها حتى تقوم الساعة». رواه الإمام أحمد في بعض طرقه. والنوع الثاني: أنه مدة ثم ينقطع، وهو عذاب بعض العصاة الذين خفت جرائمهم، فيعذب بحسب جرمه، ثم يخفف عنه كما تقدم ذكره في الممحصات العشرة -يعني المكفرات العشرة- ومنها ذكرنا أنه عذاب القبر. فإذن يعني يكون العذاب على قسمين: عذاب مستمر، وعذاب منقطع. وهذا خلاص ما يقال. والعذاب المنقطع يكون لمن خفت ذنوبهم وجرائمهم في هذه الدنيا، فهذا من هذا الباب. قال رحمه الله: وقد تلف في مستقر الأرواح ما بين الموت إلى قيام الساعة، فقيل: أرواح المؤمنين في الجنة، وأرواح الكافرين في النار. وقيل: إن أرواح المؤمنين بفناء الجنة على بابها، يأتيهم من روحها ونعيمها ورزقها. وقيل: على أثنية قبورهم. وقال مالك: بلغني أن الروح مرسلة تذهب حيث شاءت. وقال الطائفة: بل أرواح المؤمنين عند الله عز وجل، ولم يزيد على ذلك. وقيل: إن أرواح المؤمنين بالجابية من دمشق، وأرواح الكافرين ببرهوت -بئر بئر بحضر موت. وقال كعب: أرواح المؤمنين في عليين في السماء السابعة، وأرواح الكافرين في سجين في الأرض السابعة تحت خد إبليس. وقيل: أرواح المؤمنين ببئر زمزم، وأرواح الكافرين ببئر برهوت. وقيل: أرواح المؤمنين عن يمين آدم، وأرواح الكفار عن شماله. قال ابن حزم وغيره: مستقرها حيث كانت قبل خلق أجسادها. وقال أبو عمر بن عبد البر: أرواح الشهداء في الجنة، وأرواح عامة المؤمنين على أفنية قبورهم. وعن ابن شهاب أنه قال: بلغني أن أرواح الشهداء كطير خضر معلقة بالعرش، تغدو وتروح إلى رياض الجنة، تأتي ربها كل يوم تسلم عليه. وقالت فرقة: مستقرها العدم المحض، وهذا قول من يقول: إن النفس عرض من أعراض البدن كحياته وإدراكه. وقولهم مخالف للكتاب والسنة. وقالت فرقة: مستقرها بعد الموت أبدان أخر تناسب أخلاقها وصفاتها التي اكتسبتها في حال حياتها، فتصير كل روح إلى بدن حيوان يشاكل تلك الروح. وهذا قول التناسخية، منكر المعاد، وهو قول خارج عن أهل الإسلام كلهم. ويضيق هذا المختصر عن بسط أدلة هذه الأقوال والكلام عليها. قال رحمه الله: ويتلخص من أدلتها أن الأرواح في البرزخ متفاوتة أعظم تفاوت. فمنها أرواح في أعلى عليين في الملأ الأعلى، وهي أرواح الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه. وهم متفاوتون في منازلهم. ومنها أرواح في حواصل طير خضر تسرح في الجنة حيث شاءت، وهي أرواح بعض الشهداء -لا كلهم- بل من الشهداء من تحبس روحه عن دخول الجنة لدين عليه. كما في المسند عن عبد الله بن جحش أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «يا رسول الله، ما لي إن قتلت في سبيل الله؟ قال: الجنة». فلما قال: «إلا الدين»، قال: «سارني به جبرائيل آنفا». قال رحمه الله: ومن الأرواح من يكون محبوسا على باب الجنة كما في الحديث الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رأيت صاحبكم محبوسا على باب الجنة». والحديث الحاصل فيه أنه حسن لغيره -حسن لغيره- أي: بمجموع طرقه له طرق، وبمجموعها يرتقي إلى الحسن. قال رحمه الله: ومنهم من يكون محبوسا في قبره، ومنهم من يكون محبوسا في الأرض. ومنها أرواح تكون في تنور -في تنور- الزناة والزواني. وأرواح في نهر الدم تسبح فيه وتلقم الحجارة، كل ذلك تشهد له السنة. كما جاء في الصحيح -حيث جندب رضي الله عنه وأرضاه- في أخبار عذاب أهل الذنوب والمعاصي من الزناة ومن آكلي الربا وهكذا. قال رحمه الله: وأما الحياة التي اختص بها الشهيد وامتاز بها عن غيره في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ﴾. فهي أن الله تعالى جعل أرواحهم في أجواف طير خضر كما في حديث عبد الله بن عباس أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لما أصيب إخوانكم -يعني يوم أحد- جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر ترد أنهار الجنة وتأكل من ثمارها وتأوي إلى قناديل من ذهب مضللة في ظل العرش» الحديث. رواه الإمام أحمد وأبو داود، وبمعناه في حديث ابن مسعود رواه مسلم. قال: فإنهم لما بذلوا أبدانهم لله عز وجل حتى أتلفها أعداؤهم فيه، أعاضهم منها في البرزخ أبدانا خيرا منها تكون فيها إلى يوم القيامة. ويكون تنعيمها بواسطة تلك الأبدان أكمل من تنعيم الأرواح المجردة عنها. ولهذا كانت نسمة المؤمن في صورة طير أو كطير، ونسمة الشهيد في جوف طير. وتأمل لفظ الحديثين. ففي الموطأ أن كعب بن مالك كان يحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن نسمة المؤمن قائر يعلق في شجر الجنة حتى يرجعه الله إلى جسده يوم يبعثه». فقوله: «نسمة المؤمن» تعم الشهيد وغيره. ثم خص الشهيد بأن قال: «هي في جوف طير خضر». ومعلوم أنها إذا كانت في جوف طير، صدق عليها أنها طير، فتدخل في عموم الحديث الآخر بهذا الاعتبار. فنصيبهم من النعيم في البرزخ أكمل من نصيب غيرهم من الأموات. قال رحمه الله: وحرم الله على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء كما روي في السنن. وأما الشهداء فقد شوهد منهم بعد مدد من دفنه كما هو لم يتغير، فيحتمل بقاؤه كذلك في تربته إلى يوم محشره، ويحتمل أنه يبلى مع طول المدة والله أعلم. وكأنه -والله أعلم- كلما كانت الشهادة أكمل والشهيد أفضل، كان بقاء جسده أطول. وهذا كذلك أدل على هذا المعنى: أن الشهداء كذلك ممن أكرمهم الله جل وعلا بهذا المعنى: أن أجسادهم كذلك قد حفظت. كما جاء في حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه وأرضاه حينما أخرج والده من قبره في زمن معاوية، وكان بين زمن معاوية ويوم أحد -يعني أكثر من ثلاثين سنة تقريبا- ومع هذا قال: جدته لم يتغير منه شيء، لم يتغير منه شيء لشيء يسير. قال: في أطراف أنفه وأذنه رضي الله عنهم جميعا. فهذا من هذا الباب: أن الله جل وعلا يحفظ أجسادهم بما حفظوها لله جل وعلا، حفظوا أجسادهم وبدلوها لله جل وعلا، فحفظ الله جل وعلا تلك الأجساد من أن تأكلها الدود. وهذا من إكرام الله جل وعلا لعباده الصالحين. قال الإمام الطحاوي رحمه الله: ونؤمن بالبعث وجزاء الأعمال يوم القيامة، والعرض والحساب، وقراءة الكتاب، والثواب والعقاب، والصراط والميزان. قال الشارح رحمه الله: الإيمان بالمعاد مما دل عليه الكتاب والسنة والعقل والفطرة السليمة. فأخبر الله سبحانه عنه في كتابه العزيز، وأقام الدليل عليه، ورد على منكريه في غالب سور القرآن. وذلك أن الأنبياء عليهم السلام كلهم متفقون على الإيمان بالله، فإن الإقرار بالرب عام في بني آدم، وهو فطري. كلهم يقر بالرب إلا من عاند كفرعون، بخلاف الإيمان باليوم الآخر، فإن منكريه كثيرون. ومحمد صلى الله عليه وسلم لما كان خاتم الأنبياء، وكان قد بعث وهو والساعة كهاتين، وكان هو الحاشر المقفي، بين تفصيل الآخرة بيانا لا يوجد في شيء من كتب الأنبياء تفصيله أو تفصيله. قال رحمه الله: والقرآن بين معاد النفس عند الموت ومعاد البدن عند القيامة الكبرى في غير موضع. وهؤلاء ينكرون القيامة الكبرى، وينكرون معاد الأبدان، ويقول من يقول منهم: إنه لم يخبر به إلا محمد صلى الله عليه وسلم على طريق التخيل. وهذا كذب، فإن القيامة الكبرى معروفة عند الأنبياء من آدم إلى نوح إلى إبراهيم وموسى وعيسى وغيرهم صلى عليهم السلام. وقد أخبر الله بها من حين أهبط آدم، فقال تعالى: ﴿قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ﴾. قال رحمه الله: ولما قال إبليس اللعين: ﴿رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾. وهذا دليل واضح كذلك بأن إبليس قد علم يقينا أن هناك يوم يبعث الله جل وعلا فيه الخلائق. قال رحمه الله: وأما نوح عليه السلام فقال: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا﴾. وقال إبراهيم عليه السلام: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِينِ﴾ إلى آخر القصة. وقال: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾. وقال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى﴾ الآية. وأما موسى عليه السلام فقال الله تعالى: لما نجاه: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى﴾. فلا يصدنك عنها من لا يؤمن بها، واتبع هواه فتردى. بل مؤمن آل فرعون كان يعلم المعاد، وإنما آمن بموسى. قال تعالى حكاية عنه: ﴿وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾. إلى قوله تعالى: ﴿يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ إلى قوله: ﴿أُدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾. وقال موسى: ﴿وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾. وقد أخبر الله في قصة البقرة: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾. وقد أخبر الله أنه أرسل الرسل مبشرين ومنذرين في آيات من القرآن. وأخبر عن أهل النار أنهم إذا قال لهم خزنتها: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾. وهذا اعتراف من أصناف الكفار الداخلين جهنم أن الرسل أنذرتهم لقاء يومهم هذا. فجميع الرسل أنذروا بما أنذر به خاتمهم من عقوبات المذنبين في الدنيا والآخرة. فعامة سور القرآن التي فيها ذكر الوعد والوعيد يذكر ذلك فيها في الدنيا والآخرة. وأمر نبيه أن يقسم به على المعاد، فقال: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ﴾ الآيات. وقال تعالى: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾. وقال تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾. وأخبر عن اقترابها، فقال: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌ﴾. وقال: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾. وقال: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ لِلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَابِرٌ﴾ إلى أن قال: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا وَنَرَاهُ قَرِيبًا﴾. وذم المكذبين بالمعاد، فقال: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا﴾. قال: ﴿أَلَا إِنَّ الَّذِينَ يَمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ بَلْ أَدَارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾. وأقسموا بالله جاد أيمانهم: ﴿لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ إلى أن قال: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ﴾. وقال: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. وقال: ﴿وَنُحْشِرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾. ذلك يزاؤهم بأنهم كفروا بآياتنا. وقال: ﴿ذَلِكَ يُزَاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾. أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض قادر على أن يخلق مثلهم، وجعل لهم أجلا لا ريب فيه؟ فأبى الظالمون إلا كفورا. وقال: ﴿وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيَنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾. فتأمل ما أجيب به عن كل سؤال. فإنهم قالوا أولا: ﴿أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾. قل: ﴿كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا﴾. فقيل لهم في جواب هذا السؤال: إن كنتم تزعمون أنه لا خالق لكم ولا رب لكم، فهل لا كنتم خلقا لا يفنيه الموت كالحجارة والحديد وما هو أكبر في صدوركم من ذلك؟ فإن قلتم: كنا خلقا على هذه الصفة التي لا تقبل البقاء، فما الذي يحول بين خالقكم ومنشئكم وبين إعادتكم خلقا جديدا؟ وللحجة تقدير آخر: وهو لو كنتم من حجارة أو حديد أو خلق أكبر منهما، فإنه قادر على أن يفنيكم ويحيل ذواتكم وينقلها من حال إلى حال. ومن يقدر على التصرف في هذه الأجسام مع شدتها وصلابتها من إفناء وإحالة، فمن الذي يعجزه فيما دونها؟ ثم أخبر أنهم يسألون سؤالا آخر بقولهم: ﴿مَنْ يُعِيدُنَا﴾ إذا استحالت جسومنا وفنيت؟ فأجابهم بقوله: ﴿قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾. فلما أخذتهم الحجة ولزمهم حكمها، انتقلوا إلى سؤال آخر يتعللون به بعلل المنقطع، وهو قولهم: ﴿مَتَى هُوَ﴾. فأجيبوا بقول: ﴿عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾. ومن هذا قوله: ﴿ضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ إلى آخر السورة. ولو رام أعلم البشر وأفصحهم وأقدرهم على البيان أن يأتي بأحسن من هذه الحجة أو بمثلها بألفاظ تشابه هذه الألفاظ في الإيجاز ووضوح الدلالة وصحة البرهان لما قدر. فإنه سبحانه افتتح هذه الحجة بس