الدرس في التعليقات على شرح العقيدة الطحاوية 47، ألقاها
يثبت المؤلف أن النبي صلى الله عليه وسلم قد ثبتت له الخلة وهي أعلى مراتب المحبة، ويرد على من قال إن الخلة خاصة بإبراهيم عليه السلام. يبين أن الخلة هي الخصيصة التي اختص بها إبراهيم ومحمد عليهما السلام.
يشرح المقطع مراتب المحبة ودرجاتها، ويبين أن الخلة هي أعلى درجات المحبة وتتضمن كمال المحبة ونهايتها. كما يعدد ابن القيم مراتب المحبة ويبين حدود بعض الألفاظ مثل العشق.
يناقش المقطع رسالة النبي صلى الله عليه وسلم العامة إلى جميع الناس، ويشرح أن دعوى النبوة بعد وفاته باطلة، وأن رسالته تشمل عامة الجن وكافة الناس.
يشرح المقطع أوصاف الدين والشرع الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث وصف بالحق والهدى والنور والضياء، مبينًا أن الضياء أكمل من النور.
وحبيب رب العالمين، على الشارح رحمه الله تعالى، ثبت له صلى الله عليه وسلم أعلى مراتب المحبة، وهي الخلة، كما صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الله اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا»، وقال: «ولو كنتم متخذين من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكن صاحبكم خليل الرحمن». والحديثان في الصحيح، وهما يبطلان قول من قال: الخلة لإبراهيم والمحبة لمحمد، فإبراهيم خليل الله ومحمد حبيبه. وفي الصحيح أيضا: «إني أبرأ إلى كل خليل من خلته». والمحبة قد ثبتت لغيره، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾. فبطل قول من خص الخلة بإبراهيم والمحبة بمحمد، بل الخلة خاصة بهما، والمحبة عامة. قال الشارح رحمه الله تعالى: ثبت له صلى الله عليه وسلم أعلى مراتب المحبة، وهي الخلة، كما صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الله اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا»، وقال: «ولو كنتم متخذين من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكن صاحبكم خليل الرحمن». والحديثان كما أشار الشيخ رحمه الله تعالى، الأول أخرجه مسلم من حديث جندب، والثاني من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنهم جميعا. وقول الشارح رحمه الله تعالى: ثبت له صلى الله عليه وسلم أعلى مراتب المحبة، وهي الخلة، هذا تعقيب لطيف من الإمام ابن أبي العز رحمه الله تعالى على الطحاوي، وكأنه يقول: التعبير بالخلة أولى وأفضل من التعبير بالمحبة، بمعنى أنه لو قال: «وخليل رب العالمين» لكان أحسن وأقوم، لأنه الموافق لما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم. والخلة أعلى وأما المحبة فليست من خصائصه صلى الله عليه وسلم، الخلة مما اختص بها ربنا جل وعلا اثنان من رسله، وهما إبراهيم ومحمد عليهما السلام. إذن التعبير بالخلة أولى من التعبير بالمحبة، لماذا؟ لأن المحبة يشترك فيها جميع المؤمنين، الله جل وعلا أخبر في آيات كثيرة أن الله جل وعلا يحب المتقين، يحب المحسنين، يحب المتطهرين، إلى غير ذلك. فهؤلاء محبوبون إلى الله، وكل مؤمن يحب الله جل وعلا، وقد أخبر الله جل وعلا في آيات من كتابه بأن قال سبحانه: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾. إذن المحبة من الله للمؤمنين ثابتة، ومحبة المؤمنين لربهم جل وعلا كذلك ثابتة. فإذن ما هي الخصيصة التي هي خصيصة لنبينا صلى الله عليه وسلم؟ وكانت قبل ذلك خاصة بإبراهيم عليه السلام، فشارك النبي صلى الله عليه وسلم أباه إبراهيم في هذه الخصيصة، وهي الخلة. وهي خصيصة الخلة. إذن التعبير بالخلة أولى من التعبير بالمحبة، وذلك لأمور. أول هذه الأمور هو ما سمعتموه، أن الأدلة دلت على هذا المعنى، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا»، وقال: «ولو كنتم متخذين من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكن صاحبكم خليل الرحمن». إذن هذه من فضائله صلى الله عليه وسلم. ثانيا: أن المحبة كما سمعتم ثابتة لكل مؤمن من الله جل وعلا، وكذلك بالعكس، من العبد المؤمن لربه جل وعلا. الأمر الثالث: أن الخلة أعلى درجة، بل هي أعلى درجات المحبة، الخلة أعلى درجات المحبة. فلما كانت كذلك كانت أحق بالتقديم وبالذكر من غيرها، وذلك لأن ضابط الخلة كما ذكر العلماء رحمهم الله تعالى: هي كمال المحبة المستلزمة من العبد كمال العبودية لله، ومن الرب سبحانه كمال الربوبية لعبده. قال بعض أهل العلم، كالإمام ابن القيم رحمه الله: الخلة تتضمن كمال المحبة ونهايتها، بحيث لا يبقى لمحبه سعة لغير محبوبه. أي صار العبد قلبه كله لخليله، فليس ثم مكان لسواه. وهذا يدلنا على كمال توحيد إبراهيم عليه السلام، وتوحيد محمد عليهما السلام جميعا. قال رحمه الله تعالى: والمحبة قد ثبتت لغيره كما ذكر. ثم أشار رحمه الله بقوله: وحديث ابن عباس رضي الله عنه الذي رواه الترمذي، الذي فيه: «إن إبراهيم خليل الرحمن، وأنا حبيب الله ولا فخر». أي التفريق بين إبراهيم وبين محمد، وأن إبراهيم خليل الرحمن، وأن نبينا صلى الله عليه وسلم حبيب الرحمن، ثم قال: «ولا فخر». وقوله: «ولا فخر» مشعر بأن المحبة أعلى درجة من الخلة. فهذا الحديث ضعيف من حيث الإسناد، لأنه من طريق زمعة بن صالح، وسلمة بن وهرام، وكليهما ضعيف. ومن حيث المتن فيه نكارة، لأن الخلة أعلى درجة من المحبة. قال رحمه الله تعالى: والمحبة مراتب، أولها العلاقة، وهي تعلق القلب بالمحبوب. والثانية الإرادة، وهي ميل القلب إلى محبوبه وطلبه له. والثالثة الصبابة، وهي انصباب القلب إليه، بحيث لا يملكه صاحبه، كنصباب الماء في الحدور. قال رحمه الله: الرابعة الغرام، وهي الحب اللازم للقلب، ومنه الغريم لملازمته. والخامسة المودة، وهي صفو المحبة وخالصها ولبها، قال تعالى: ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾. والسادسة الشغف، وهي وصول المحبة إلى شغاف القلب، كما قال الله عز وجل في امرأة العزيز: ﴿قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا﴾. قال رحمه الله: السابعة العشق، وهي الحب المفرط الذي يخاف على صاحبه منه، ولكن لا يوصف به الرب تعالى، ولا العبد في محبته ربه. وإن كان قد أطلقه بعضهم، واختلف في سبب المنع، فقيل: عدم التوقيف، وقيل غير ذلك. ولعل امتناع إطلاقه أن العشق محبة مع شهوة. قال رحمه الله تعالى: ولكن لا يوصف به الرب تعالى، والعبد في محبته ربه، وإن كان قد أطلقه بعضهم. أي بعض الناس ممن لا يتقيد بالألفاظ الشرعية، ولا يتأمل في المعاني الشرعية، ربما أطلق هذه العبارات، يقال: «محمد عاشق الله» أو العكس، والعياذ بالله. وهذه ألفاظ لا ينبغي، بل لا يجوز إطلاقها في حق الرب، ولا في حق العبد مع ربه. ثم قال رحمه الله تعالى: واختلف في سبب المنع، العلماء منعوا إطلاق العشق في حق الله، أو في حق العبد مع ربه جل وعلا، لماذا؟ قال: فقيل عدم التوقيف، بمعنى أنه لم يثبت دليل على هذا الإطلاق. قال: ولعل امتناع إطلاقه أن العشق محبة مع شهوة، فإذا كان كذلك، فلا يجوز إطلاقه في حق الله، ولا يجوز إطلاقه في حق العبد مع ربه. قال رحمه الله تعالى: الثامنة التتيم، وهو بمعنى التعبد. التاسعة التعبد. العاشرة الخلة، وهي المحبة التي تخللت روح المحب وقلبه. قال رحمه الله تعالى: واعلم أن وصف الله تعالى بالمحبة والخلة هو كما يليق بجلال الله تعالى وعظمته، كسائر صفاته تعالى. وإنما يوصف الله تعالى من هذه الأنواع بالإرادة والود والمحبة والخلة، حسب ما ورد النص. قال رحمه الله تعالى: وقد اختلف في تحديد المحبة على أقوال نحو ثلاثين قولا. ولا تحد المحبة بحد أوضح منها، فالحدود لا تزيدها إلا خفاء. وهذه الأشياء الواضحة لا تحتاج إلى تحديد، كالماء والهواء والتراب والجوع ونحو ذلك. قال الإمام الطحاوي رحمه الله تعالى: وكل دعوى النبوة بعده فغي وهوى. قال الشارح رحمه الله تعالى: لما ثبت أنه خاتم النبيين، علم أن من ادعى بعده النبوة فهو كاذب. ولا يقال: فلو جاء المدعي للنبوة بالمعجزات الخارقة والبراهين الصادقة، كيف يقال بتكذيبه؟ لأننا نقول: هذا لا يتصور أن يوجد، وهو من باب فرض المحال. قال رحمه الله تعالى: وكل دعوى النبوة بعده فغي وهوى، أي أنها باطلة وواضحة الغواية، وإنما هي عن هوى النفس. قال الشارح: لما ثبت أنه خاتم النبيين، علم أن من ادعى بعده النبوة فهو كاذب. قال: ولا يقال: فلو جاء المدعي للنبوة بالمعجزات الخارقة والبراهين الصادقة، كيف يقال بتكذيبه؟ قال: لأننا نقول: هذا لا يتصور أن يوجد، أي هذا مستحيل أن يوجد، أن يأتي إنسان بعد النبي صلى الله عليه وسلم بمثل ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من المعجزات والتأييدات والنصر والمؤيد إلى غير ذلك. قال رحمه الله تعالى: والغي ضد الرشاد، والهوى عبارة عن شهوة النفس، أي أن تلك الدعوة بسبب هوى النفس لا عن دليل، فتكون باطلة. قال الإمام الطحاوي رحمه الله تعالى: وهو المبعوث إلى عامة الجن وكافة الوراء بالحق والهدى وبالنور والضياء. قال الشارح رحمه الله تعالى: أما كونه مبعوثا إلى عامة الجن، فقال تعالى حكاية عن قول الجن: ﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ﴾. وكذا سورة الجن تدل على أنه أرسل إليهم أيضا. قال مقاتل: لم يبعث الله رسولا إلى الإنس والجن قبله. وهذا قول بعيد، فقد قال تعالى: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾. والرسل من الإنس فقط، وليس من الجن رسول. قال ابن عباس: الرسل من بني آدم، ومن الجن نذر. وظاهر قوله تعالى حكاية عن الجن: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى﴾ يدل على أن موسى مرسل إليهم أيضا. والله أعلم. قال الشارح رحمه الله تعالى: وأما كونه مبعوثا إلى كافة الوراء، فقد قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾. وقد قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾. وقال تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾. قال صلى الله عليه وسلم: «أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي، وبعثت إلى الناس كافة». أخرجاه في الصحيحين. وقال صلى الله عليه وسلم: «لا يسمع بي رجل من هذه الأمة يهودي ولا نصراني، ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار». رواه مسلم. وكونه صلى الله عليه وسلم مبعوثا إلى الناس كافة معلوم من دين الإسلام بالضرورة. قال رحمه الله تعالى: وَأَمَّا قَوْلُ بَعْضِ النَّصَارَى: إنه رسول إلى العرب خاصة، فظاهر البطلان. فإنهم لما صدقوا بالرسالة، لزمهم تصديقه في كل ما يخبر به. قال رحمه الله تعالى: وقوله: «وكافة الوراء» في جر كافة نظر، فإنهم قالوا: لم تستعمل كافة في كلام العرب إلا حالا. واختلفوا في إعرابها في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ على ثلاثة أقوال. قال رحمه الله تعالى: بالحق والهدى وبالنور والضياء، هذه أوصاف ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الدين والشرع، المؤيد بالبراهين الباهرة من القرآن وسائر الأدلة. والضياء أكمل من النور، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا﴾.