شرح الفتوى الحموية 3

الدرس في شرح الفتوى الحموية 3، ألقاها

انتقاد المتكلمين واتباع طريق القرآن

ينتقد شيخ الإسلام المتأخرين من المتكلمين لاعتقادهم بتفوقهم على السابقين، ويوصي باتباع طريق القرآن في فهم العقيدة. يشير إلى اعتراف المتكلمين بفشلهم في الوصول إلى الحق.

الاستدلال بالقرآن والسنة على علو الله

يستشهد النص بالقرآن الكريم والسنة النبوية وكلام الصحابة والتابعين لإثبات علو الله تعالى فوق كل شيء وعلى العرش. يبين أن هذه الأدلة تثبت صفة العلو لله تعالى وتؤكد أنه فوق السماوات والعرش.

أدلة السنة على علو الله وتواتر النصوص

يذكر النص أحاديث نبوية تشير إلى علو الله تعالى واستدلال السلف بها، ويشير إلى تواتر النصوص التي تفيد علو الله على عرشه وفوق السماء، مما يورث علمًا يقينيًا في ذلك.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: فلما ابتنى أمرهم على هاتين المقدمتين الكاذبتين الكفريتين، كانت النتيجة استجهال السابقين الأولين واستبلاههم، واعتقادوا أنهم كانوا قومًا أميين بمنزلة الصالحين من العامة، لم يتبحروا في حقائق العلم بالله، ولم يتفطنوا لدقائق العلم الإلهي، وأن الخلفاء الفضلاء حازوا قصب السبق في هذا كله. وهذا القول إذا تدبره الإنسان، وجد في غاية الجهالة، بل في غاية الضلال. كيف يكون هؤلاء المتأخرون -لا سيما والإشارة بالخلف إلى ضرب من المتكلمين الذين كثر في باب الدين اضطرابهم، وغلظ عن معرفة الله حجابهم- أعلم بالله وأسمائه وصفاته وأحكم؟! أخبر الواقف على نهاية إقدامهم بما انتهى إليه أمرهم، حيث يقول: «لعمري لقد طفت المعاهد كلها، وسيرت طرفي بين تلك المعالم، فلم أر إلا واضع كف حائر على ذقن، أو قارع سن نادم». وأقر على أنفسهم بما قالوه، متمثلين به، أو منشئين له، فيما صنفوه من كتبهم، كقول بعض رؤسائهم: «نهاية إقدام العقول عقال، وأكثر سعي العالمين ضلال، وأرواحنا في وحشة من جسومنا، وحاصل دنيانا أذى ووبال، ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا سوى أن جمعنا فيه قيل وقال». لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية، فما رأيتها تشفي عليلًا، ولا تروي غليلًا. ورأيت أقرب الطرق طريق القرآن: «اقرأ في الإثبات: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾، ﴿إليه يصعد الكلم الطيب﴾، واقرأ في النفي: ﴿ليس كمثله شيء ولا يحيطون به علمًا﴾». ثم قال: «ومن جرب مثل تجربتي، عرف مثل معرفتي». ويقول الآخر منهم: «لقد خط البحر الخضم، وتردت أهل الإسلام وعلومهم، وخط في الذي نهوني عنه. والآن إن لم يتداركني ربي برحمته، فالويل لابن الجويني، وها أنا أموت على عقيدة أمي». ويقول آخر منهم: «أكثر الناس شكًا عند الموت أصحاب الكلام». وهذا القول نسبه شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في نقض المنطق إلى أبي حامد الغزالي. ثم هؤلاء المتكلمون المخالفون للسلف، إذا حقق عليهم الأمر، لم يوجد عندهم من حقيقة العلم بالله وخالص المعرفة به خبر، ولم يقعوا من ذلك على عين ولا أثر. كيف يكون هؤلاء المحجوبون المفضولون المنقوصون الحيارى المتهوكون أعلم بالله وأسمائه وصفاته وأحكم؟! قال رحمه الله تعالى: وإذا كان كذلك، فهذا كتاب الله من أوله إلى آخره، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم من أولها إلى آخرها، ثم عامة كلام الصحابة والتابعين، ثم كلام سائر الأئمة، مملوء بما هو إما نص، وإما ظاهر، في أن الله سبحانه وتعالى هو العلي الأعلى، وهو فوق كل شيء، وعلى كل شيء، وأنه فوق العرش، وأنه فوق السماء. مثل قوله تعالى: ﴿إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه﴾، ﴿إني متوفيك ورافعك إليه﴾، ﴿أأمنتم من في السماء أن يخصف بكم الأرض﴾، ﴿أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبًا﴾، ﴿بل رفعه الله إليه﴾، ﴿تعرج الملائكة والروح إليه﴾، ﴿يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه﴾، ﴿يخافون ربهم من فوقهم﴾، ﴿ثم استوى على العرش﴾ في ستة مواضع، ﴿الرحمن على العرش استوى﴾، ﴿يا هامان ابني لي صرحًا لعلي أبلغ الأسباب أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبًا﴾. وفي الأحاديث الصحاح والحسان ما لا يحصى إلا بالكلفة، مثل قصة معراج الرسول صلى الله عليه وسلم إلى ربه، ونزول الملائكة من عند الله وصدودها إليه، وقوله: «في الملائكة الذين يتعاقبون فيكم بالليل والنهار، فيعرج الذين باتوا فيكم إلى ربهم، فيسألهم وهو أعلم بهم». وفي الصحيح: «في حديث الخوارج: «ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء؟ يأتيني خبر السماء صباحًا ومساءً». وفي حديث الرقية الذي رواه أبو داود وغيره: «ربنا الله الذي في السماء، تقدس اسمك، أمرك في السماء والأرض، كما رحمتك في السماء، اجعل رحمتك في الأرض، اغفر لنا حوبنا وخطايانا، أنت رب الطيبين، أنزل رحمة من رحمتك، وشفاء من شفائك على هذا الوجع». قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا اشتكى أحد منكم أو اشتكى أخ له، فليقل: ربنا الله الذي في السماء». والحديث الأول في عروج الملائكة إلى ربهم، فيسألهم وهو أعلم بهم، كما هو معروف في الصحيحين من حديث أبي هريرة. وحديث الخوارج: «ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء؟» متفق عليه، من حديث أبي سعيد. وحديث الرقية: «ربنا الله الذي في السماء...» رواه أبو داود والنسائي وغيرهما، من حديث أبي الدرداء. وقوله في حديث الأوعال: «والعرش فوق ذلك، والله فوق عرشه، وهو يعلم ما أنتم عليه» رواه أحمد وأبو داود وغيرهما. والحديث له طرق، وقد يحسن بمجموعها. وقوله في الحديث الصحيح للجارية: «أين الله؟ قالت: في السماء. قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله. قال: اعتقها، فإنها مؤمنة». والحديث رواه مسلم من حديث معاوية بن الحكم السلمي. وقوله في الحديث الصحيح: «إن الله لما خلق الخلق، كتب في كتاب موضوع عنده فوق العرش: إن رحمتي سبقت غضبي». والحديث متفق عليه، من حديث أبي هريرة. وقول عبد الله بن رواحة الذي أنشده للنبي صلى الله عليه وسلم وأقره عليه: «شهدت بأن وعد الله حق، وأن النار مثوى الكافرين، وأن العرش فوق الماء طاف، وفوق العرش رب العالمين». والأظهر والله أعلى وأعلم أن الحديث لم يثبت إلى عبد الله بن رواحة. وقول أمية بن الصلت الثقافي الذي أنشد للنبي صلى الله عليه وسلم، فاستحسنه، وقال: «آمن شعره وكفر قلبه: مجد الله فهو للمجد أهل، ربنا في السماء أمسى كبيرًا...». رواه ابن عساكر وغيره في التاريخ. وقوله في الحديث: «إن الله حيي كريم، يستحيي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفرًا». والراجح فيه الوقف، والله أعلى وأعلم. وقوله في الحديث: «يمد يديه إلى السماء، يقول: يا رب، يا رب». رواه مسلم من حديث أبي هريرة. إلى أمثال ذلك مما لا يحصيه إلا الله، مما هو من أبلغ المتواترات اللفظية والمعنوية، التي تورث علمًا يقينيًا، من أبلغ العلوم الضرورية: أن الرسول صلى الله عليه وسلم المبلغ عن الله، ألقى إلى أمة المدعوين: أن الله سبحانه على العرش، وأنه فوق السماء. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على