الدرس في التبيان في آداب حملة القرآن 55، ألقاها
يستحب للإمام في الصلاة الجهرية أن يسكت أربع سكتات، الأولى بعد تكبيرة الإحرام ليقرأ دعاء التوجّه. ثبت في الصحيحين سكتة النبي صلى الله عليه وسلم بعد التكبير وقبل القراءة.
ذكر النبي صلى الله عليه وسلم سكتتين في الصلاة، الأولى عند التكبير والثانية بعد قراءة الفاتحة. وهناك خلاف حول صحة الحديث في السكت الثانية بسبب اضطراب في المتن وانقطاع في السند.
ذكر أربعة مواضع للسكتات في الصلاة عند القراءة، وصحح ثلاثة منها، وهي بعد تكبيرة الإحرام، وبعد قوله 'ولا الضالين'، وبعد الفراغ من القراءة قبل الركوع.
أشار إلى أن النووي ذكر أربعة مواضع للسكتات، ثم ختم بالصلاة على النبي وآله وصحبه، مما يدل على انتهاء الحديث حول شرح أو توضيح بعض الأحكام أو الأفكار التي أوردها النووي.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهدِه الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادِي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في كتابه «التبيان في آداب حملة القرآن»: قال فصل في سكتات الإمام في الصلاة الجهرية. والمراد بسكتات الإمام: أي المواطن التي يسكت فيها الإمام في صلاته أثناء قيامه، أثناء قراءته في الصلاة الجهرية. قال رحمه الله تعالى: قال أصحابنا -أي من الشافعية-: ويستحب للإمام في الصلاة الجهرية أن يسكت أربع سكتات في حال القيام، في حال قيامه في صلاة الجهرية. قال: إحداها بعد تكبيرة الإحرام؛ ليقرأ دعاء التوجّه، وليحرم المأموم. قوله رحمه الله تعالى: إحداها، أي أول هذه المواضع بعد تكبيرة الإحرام، أي إذا كبر الإمام في الصلاة الجهرية للإحرام فإنه يسكت سكتة، هذه السكتة يقرأ فيها دعاء الاستفتاح. قوله رحمه الله تعالى: ليقرأ دعاء التوجّه، أي «وجهت وجهي»، معناه أنه يسكت قليلًا لأجل أن يقرأ دعاء الاستفتاح. قال: أو ليحرم المأموم، ومعنى ليحرم المأموم: أن يكبر تكبيرة الإحرام التي بها يدخل في الصلاة، ويحرم عليه ما كان منافيًا للصلاة. ويدل على هذا ما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كبر في الصلاة سكت هنيهة قبل أن يقرأ»، أي سكت سكتة لطيفة قبل أن يقرأ. جاء في حديث أبي هريرة قال: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، ما هذه السكتة التي تسكتها بين التكبير والقراءة؟ فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم أنه يدعو، يدعو الدعاء: «اللهم إني وجهته» يعني يدعو دعاء التوجّه. الموضع الثاني: قال: والثانية عقيب الفاتحة، أو عقيب الفاتحة، أي بعد الفاتحة سكتة لطيفة جدًا بين آخر الفاتحة وبين آمين؛ لئلا يتوهم أن آمين من الفاتحة. أن آمين من الفاتحة. وقد جاء في ذلك حديث، جاء في ذلك حديث رواه أبو داود وغيره من حديث الحسن عن سمرة رضي الله عنه وأرضاه أنه قال: «حفظ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سكتتين: سكتة إذا كبر، وسكتة إذا فرغ من قراءة غير المغضوب عليهم»، من قراءة غير المغضوب عليهم. إلا أن الحديث فيه كلام، فيه كلام. يعني منهم من أعله بالانقطاع بين سمرة وبين الحسن وسمرة. وهذا رده بعضهم بأن الصحيح أنه قد سمع منه مطلقًا. وقيل: كذلك أعل بأن الحسن مدلس وقد عنعن. وكذلك هذا أجيب عنه بأن الحسن على الفرض أنه مدلس، فإن حديثه عن سمرة يكون كتابًا فلا يضر. وأعل بعلة ثالثة وهي الاضطراب، وهي الاضطراب في المتن، إذ أن الحديث جاء بألفاظ مختلفة، في آخره في السكت الأخيرة قال: «وسكت إذا فرغ من قراءة غير المغضوب عليهم»، هذه في رواية. وفي رواية أخرى: «إذا فرغ من السورة الأخرى». وفي رواية ثالثة: «إذا فرغ من القراءة». فهذا الاضطراب هذا عند العلماء، فحكموا على الحديث بأنه من قسم الضعيف. فالحاصل إذا ما ثبت هذا الحديث، فيكون هذا الموضع ثابتًا باعتبار ماذا؟ باعتبار أن الإمام إذا قال «ولا الضالين» الغالب أنه يحتاج إلى ماذا؟ إلى نفس بعده يقول ماذا؟ آمين. يقول آمين، يمد بها. فإذا فعل هذا بهذا الاعتبار، فإنه لا بأس، ولا سيما إذا كان كذلك للفصل بين السورة وآمين؛ لأجل أن لا يتوهم أنها من السورة. قال: والثالثة -يعني هذا الموضع- عقيب سكتة اللطيفة بين آخر الفاتحة وبين آمين؛ لأجل ألا يتوهم أن آمين من الفاتحة. الموضع الثالث بعد آمين: قال سكتة طويلة بحيث يقرأ المأموم الفاتحة. وهذا الموضع كذلك مبني على حديث الحسن عن سمرة السابق، ولا يصح. فلا يصح أن يقف الإمام وأن يسكت الإمام بين آمين وبين السورة الأخرى، بل يواصل يقرأ. وقد ذكر الشيخ الإسلام رحمه الله تعالى هذه المسألة، فقال: أما سكوت عقيب الفاتحة، فلا يستحبه أحمد كما لا يستحبه مالك وأبو حنيفة والجمهور. فالجمهور لا يستحبون أن يسكت الإمام ليقرأ المأموم؛ وذلك أن قراءة المأموم عندهم إذا جاهر الإمام ليست بواجبة ولا مستحبة، بل هي منهي عنها. والصواب أنها واجبة، لكن لا يجب على الإمام أن يسكت لعدم الدليل الدال على هذا. قال: والرابع بعد الفراغ من السورة، يفصل بها بين القراءة وبين تكبيرة الهوي إلى الركوع. بمعنى أنه إذا فرغ من السورة الثانية -من السورة الثانية التي يقرأها بعد الفاتحة- فماذا يصنع؟ يقول رحمه الله تعالى: يقف وقفة يسيرة ثم يكبر للركوع؛ ليفصل بين القراءة وبين تكبيرة الهوي. لأنه إذا قرأ ثم قال مباشرة «الله أكبر» تكون «الله أكبر» متصلة بماذا؟ بالقراءة. فلأجل هذا استحب الوقف اليسير للفصل بين القراءة وبين تكبيرة الانتقال. وعلى هذا فتكون المواضع ثلاثة على الصحيح، وعلى ما ذكره النووي رحمه الله تعالى أربعة: الأول بعد تكبيرة الإحرام، والثانية -الموضع الثاني- بعد قوله «ولا الضالين»، والثالثة بعد آمين، والرابعة بعد أن يفرغ من القراءة قبل الركوع. فهذه أربعة مواضع ذكرها النووي رحمه الله تعالى ها هنا. والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم، وعلى آله وصحبه أجمعين.