الدرس في التبيان في آداب حملة القرآن 23، ألقاها
يؤكد الإمام النووي على أهمية اختيار المعلم الصالح الذي تتوفر فيه الصفات الشرعية والعلمية. كما يشير إلى أن معايير اختيار المعلم تتغير باختلاف العصور والأزمنة والأماكن.
يؤكد الإمام النووي على أهمية احترام الطالب لمعلمه وتقديره له، ويحذر من الاستهزاء به أو انتقاد أقواله أمام الناس. كما يشير إلى ضرورة الحفاظ على آداب التعامل مع المعلم.
ينبغي للطالب أن يتأدب مع شيخه أثناء تلقي العلم، ويجب عليه الدفاع عن شيخه إذا سمع أحدًا يغتابه. كما يجب تجنب التصرفات غير اللائقة في مجلس الشيخ.
المقطع الأخير يتضمن الدعاء لله تعالى بالتسبيح والاستغفار والتوبة، ويعبر عن التضرع والاعتراف بالذنب واللجوء إلى الله طلباً للمغفرة.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادئ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. ثم أما بعد، قال الإمام النووي رحمه الله في كتابه التبيان في آداب حملة القرآن: فصل في أهمية المعلم واحترام الطالب له. في أهمية المعلم، أي باعتبار وجود المعلم المتأهل للتعليم، فهذا أمر مهم يحتاج إليه الطالب. قال: واحترام الطالب له، هذا أدب ينبغي أن يتحلى به الطالب أن يحترم من كان معلمًا له. قال رحمه الله تعالى: «وَلَا يَتَعَلَّمُ إِلَّا مِمَّنْ كَمُلَتْ أَهْلِيَتُهُ وَظَهَرَتْ دِيَانَتُهُ وَتَحَقَّقَتْ مَعْرِفَتُهُ وَاشْتَهَرَتْ صِيَانَتُهُ»، فقد قال محمد بن إسماعيل ومالك، فقد قال محمد بن سيرين ومالك بن أنس وغيرهما من السلف: «هَذَا الْعِلْمُ دِينٌ فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ». وهذا أثر صحيح مشهور ذكره الإمام مسلم رحمه الله تعالى في مقدمة كتابه، وغيره ذكره الإمام مسلم في مقدمة كتابه، وذكره كذلك غيره في غيره من كتب أهل العلم رحمهم الله. وقوله رحمه الله تعالى: «وَلَا يَتَعَلَّمْ إِلَّا مِمَّنْ كَمُلَتْ أَهْلِيَتُهُ وَظَهَرَتْ دِيَانَتُهُ وَتَحَقَّقَتْ مَعْرِفَتُهُ وَاشْتَهَرَتْ صِيَانَتُهُ»، إلى آخره، ما يكون كذلك في هذه المعاني، هذا هو الأصل، وهذا يختلف من عصر إلى عصر، ومن زمن إلى زمن، ومن بلد إلى بلد، ومن مكان إلى مكان. فالعلماء الأول، الأئمة الأول الذين كانوا في الزمن الأول، كان لهم من الصيانة والديانة ما لم يكن لغيرهم، فمسألة أن يقاس المتأخر بالمتقدم هذا مستحيل. فالمتقدمون قد نالوا قصب السبق في الخيرات، من حيث المسارعة في الخيرات، ومن حيث ما آتاهم الله جل وعلا من الحفظ، وكذلك الديانة العظيمة والصيانة العظيمة وما شابه ذلك. حتى قال الإمام الذهبي رحمه الله تعالى كلامًا له معناه: قال: «ولو عاملنا من جاء بعد القرون الثلاثة معاملتنا لمن كان في القرون الثلاثة لما سلم لنا إلا الواحد تلو الواحد»، أو كما قال رحمه الله. لو جعلنا ميزانًا في العدالة، وفيمن تؤخذ عنه الرواية ويؤخذ العلم، فقسنا، جعلنا قياسًا وميزانًا لحال المتقدمين، وقلنا: لا يكون أهلًا إلا أن يكون حالك حال المتقدمين. يقول الإمام الذهبي رحمه الله: «لو جاء بعد القرون الثلاثة وعاملنا من كان بعد القرون الثلاثة معاملتنا لمن كان قبل ذلك لما سلم لنا إلا الواحد، أو قال: إلا النزر اليسير، إلا النزر اليسير». لذا، كما ذكر رحمه الله تعالى: أنه يتوسع في المتأخرين ما لا يتوسع في المتقدم، يتوسع في المتأخرين ما لا يتوسع في المتقدم، لكن العبرة في ذلك، كما ذكر العلماء رحمهم الله تعالى: أن يكون ظاهره السلامة والخير والصلاح، وكذلك الإتقان لما عنده من العلم. فمثل هذا يأخذ عنه، وعلى هذا سار العلماء. فتجد العالم ربما أخذ الفقه عن إنسان ليس بمحدث، وأخذ الحديث عن إنسان ليس بفقيه، وأخذ النحو عن إنسان ليس بمحدث ولا فقيه، وأخذ التفسير عن مفسر وليس بكذا ولا كذا. الحاصل أنهم ربما أخذوا العلوم من أهلها بحسبها. إذ لو عمل الناس هذه المعاملة، لو عمل الناس معاملة من كان قبل في زمن ابن سيرين، في زمن إمام مالك رحمهم الله تعالى، لما وجد أحد صفته كصفة المتقدمين، إلا أن يشاء الله رب العالمين. فالعبرة، كما ذكر من ذكر من الأئمة رحمهم الله تعالى: أن يكون ظاهر الإنسان، ظاهر ذلك المعلم، ظاهر ذلك العالم، الصلاح والخير والاستقامة والسنة. والعبرة بالسنة، أن يكون سنيا، لأن هذا الأمر، كما ذكر ابن سيرين ومالك رحمهم الله تعالى: «أن هذا الأمر دين، فانظروا عمن تأخذوا دينكم». فالعبرة بأن يكون سنيا، أن يكون ظاهره الاستقامة والصلاح والخير، وأن يكون كذلك ممن قد عرف بتلقي العلم الصحيح عن العلماء، ممن أخذ العلم وتلقى العلماء عن العلماء، وتدارس ذلك العلم وعرف به بين العلماء. فمثل هذا يؤخذ عنهم العلم، إذ لو عمل كما سمعتم المتأخر معاملة المتقدم بشروط المتقدمين لما سلم إلا اليسير. فمصلحة أخذ العلم، مصلحة أخذ العلم تكون في هذه الحالة مقدمة. فالعبرة، كما سمعتم، باستقامة الحال وصلاحه، وأن يكون المأخوذ عنه العلم من المعروفين بالسنة والاستقامة عليها والدعوة إليها والذب عنها. فهذا إذا، وقد كان متقنا لما يعلمه، فعضد عليه، ولا سيما في الأزمان المتأخرة التي ظهرت فيها البدع، وظهرت فيها الحزبيات، وظهر فيها دعاة الشر بأنواع شتى وأشكال متنوعة. فطالب العلم يحرص غاية الحرص على تلقي العلم عن أهل العلم، وعن أهل السنة والجماعة. وليحذر غاية الحذر أن يتلقى العلم عن أهل الأهواء والبدع، أو عن إنسان مغموز فيه في دينه، في استقامته، في سنيته، في أمانته، في صلاحه. فيجتنب هؤلاء، لأن العلم دين، فانظر يا طالب العلم عمن تأخذ دينك، فلا تأخذ دينك إلا ممن يرضى. قال رحمه الله تعالى: «وعليه أن ينظر معلمه بعين الاحترام، ويعتقد كمال أهليته ورجحانه على طبقته، فإنه أقرب إلى الانتفاع». وهذه وصية عظيمة من إمامنا النووي رحمه الله تعالى، والظاهر أنه استخلصها عن تجربة، استخلصها عن تجربة وسبر وخبرة. أن الإنسان، أن الطالب كلما كان مجلًا لشيخه، موقرًا لشيخه، محترمًا لشيخه، كلما كان أسعد الناس بالاستفادة من شيخه. والعكس بالعكس، لو كان ينظر إلى شيخه بنظرة ازدراء، إذا ألقى إليه الفائدة يقول: أكتبها أم لا؟ نتأكد، إذا ألقى إليه المسألة العلمية قال: ننظر هل هي صواب أم لا؟ يكون محل شك، فيحرم خير شيخه، يحرم خير معلمه، فلا ينتفع به. بخلاف ما إذا كان ينظر إليه بنظرة احترام وإجلال، فإنه يأخذ عنه العلم ويتلقى عنه العلم، لا سيما إذا كان المعلم بالأوصاف المذكورة سابقًا. ثم إن فتح الله جل وعلا عليه يأخذ ذلك العلم الذي أخذه على شيخه وينظر وينقح، هذه مرحلة أخرى. وكما جاء عن بعض الأئمة والسلف رحمه الله تعالى: أنهم كانوا يقولون: أولًا نقبض، ثم ننقش. يعني أولًا يأخذون كل شيء في بداية الطلب، ثم إن فتح الله عليهم بالعلم النافع صار ماذا؟ التنقيح، أخذ ما كان صحيحًا نافعًا، وما لم يكن كذلك جنبه. مع معرفة قدر شيخه ومعلمه، واحترامه، والدعاء له بظهر الغيب، والإجلال له إذا جلس بين يديه. قال رحمه الله: «وكان بعض المتقدمين، أي بعض الأئمة، إذا ذهب إلى معلمه تصدق بشيء، وقال: الله مستر عيب معلمي عني، ولا تذهب بركة علمه عني». انظر إلى حال السلف كيف وصل بهم الأمر، لا ينظر إلى شيخه بنظرة إجلال فقط، بل يسأل الله، يتصدق ويسأل الله تبارك وتعالى أن لا يظهر الله له شيئًا من عيب شيخه. مع أن الإنسان لا يسلم من خطأ، ولا يسلم من عيب، لكن انظر إلى الطالب الحريص، وإلى هؤلاء الأئمة رحمهم الله وتعالى كيف كانوا حريصين على أن لا يظهر لهم شيء من عيب مشائخهم، فيكونوا سببًا لشيء من الازدراء لمشائخهم، فيحرمون خيرًا كثيرًا من مشائخهم ومعلميهم. فهذا أدب جميل ينبغي أن يحرص عليه الطالب. قال رحمه الله تعالى: «وقال الربيع صاحب الشافعي رحمهم الله تعالى: قال: ما استحييت أن أشرب الماء والشافعي ينظر إلي، هيبة له». أي هيبة للعلم، وإجلال للعلماء. فانظر إلى حال هؤلاء الأئمة كيف نفعهم الله بعلم مشائخهم. والربيع كما تعلمون يعتبر هو المختص بالإمام الشافعي رحمه الله وغفر لهما جميعًا، هو ألصق أصحاب الشافعي بالشافعي. وانظر كيف استفاد من الشافعي بكونه كان مجلًا محترمًا له غاية الاحترام. حتى إنه إذا عطش ما جرؤ أن يشرب الماء والشافعي ينظر إليه، هيبة للعلماء، وإجلال العلماء، واحترام للعلماء. قال رحمه الله تعالى: «وروينا عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: من حق العالم عليك أن تسلم على الناس عامة وتخصه دونهم بالتحية». أي هذا من الحقوق، إذا سلمت على الناس سلمت على شيخك، وسألت عن أحواله وأخباره وما شابه ذلك، لأن له حقًا خاصًا. قال: «وأن تجلس أمامه، هذا كذلك من الآداب أن يجلس الطالب أمامه، إلا إذا ازدحمت الحلقة فيجلس عن يمينه أو عن شماله». قال: «وأن تجلس أمامه ولا تشيرن عنده بيدك، لا تشيرن عنده بيدك حتى لا تشغله أولًا، ولا ينشغل غيرك بك ثانيًا، وأيضًا لما في هذا الفعل من شيء من الغضاضة في حق شيخك ومجلس العلم». قال: «وَلَا تَغْمِزَنَّ بِعَيْنِكَ، وَلَا تَقُولَنَّ قَالَ فُلَانٌ خِلَافًا لِقَوْلِهِ». إذا قال الشيخ: «والراجح كذا وكذا، وهذه المسألة الصواب فيها كذا وكذا»، لا يأتي الطالب فيقول: «ولكن قال فلان كذا وكذا»، لكن العلامة فلان قد رجح كذا وكذا، والإمام فلان اختار كذا وكذا. ينبغي لك أن تتأدب، ولا سيما في مسائل اجتهاد، وإن كان من تنبيه، فكما ذكر من ذكر من أهل العلم: ينبغي له أن يذكر له الفائدة على سبيل الاستفسار والسؤال. يذكر له الفائدة على سبيل الاستفسار والسؤال، كأن يقول له بعد أن يفرغ المجلس ويرى شيخه متهيئًا لاستقبال أسئلة، ولا سيما عند انفراد، ويرى انشراحًا من ذلك الشيخ. يقول: «يا شيخنا، وقفت على كلام للعلامة فلان وفلان، ما أدري ما توجيهه، فأحب منك أن توجهني إليه أو توجه كلام ذلك العالم». فما هو الكلام يقال له؟ قال: «قال العالم فلان كذا وكذا»، فيلقي عليه الفائدة على سبيل ماذا؟ الاستفسار والاستفادة. وهذا كان حال بعض العلماء رحمهم الله تعالى، أنهم ربما فعلوا مثل هذه الفعلة. كما ذكروا أن أبا زرعة الرازي رحمه الله تعالى عندما حضره الموت، وكان قرب احتضاره، هاب الحاضرون، وكان فيهم أبو حاتم الرازي ومحمد بن وارة وجماعة من الحفاظ، هابوا أن يقولوا له وأن يلقنوه «لا إله إلا الله»، هابوا أن يلقنوه «لا إله إلا الله» لأنهم من حفاظ زمانه. فماذا صنعوا؟ عملوا له حيلة، مثل ما ذكر، جعلوا يذكرون الحديث ويقفون عند الإسناد، كأنهم نسوا ما هو الإسناد، فيقول أحدهم: «حدثنا فلان عن فلان»، ويقف، ويقول الآخر: «حدثنا فلان عن فلان»، ويقف، ويقول الثالث: «حدثنا فلان عن فلان»، ويقف. فحينها قال، رفع أبو زرعة الرازي رأسه وقال: «حدثني فلان عن فلان عن فلان عن فلان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: من كان آخر كلامه من هذه الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة». ومات رضي الله عنهم ورحمه الله. الشاهد أن فيه أدب إيصال الفائدة بأسلوب فيه ماذا؟ فيه أدب، ليس فيه غضاضة، ليس فيه شيء من الحرج أو الإحراج للشيخ. إيصال الفائدة بأسلوب فيه أدب، فالشيخ يعرف لك قدرك، وتكون بذلك قد أوصلت له الفائدة والمعلومة. قال رحمه الله تعالى: «وَلَا تَقُلْ قَالَ فُلَانٌ خِلَافًا لِقَوْلِهِ». أذكر مرة حصل موقف لشيخنا رحمه الله تعالى الوادعي، شيخ مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله تعالى، في التكلم في مسألة، فبعض الإخوة حفظه الله وأصلحه الله، يعني رفع ورقة ذكر قولًا لعالم خلاف ما ذكره الشيخ، يعني مثل المسألة بالضبط. فماذا حصل من الشيخ؟ غضب، فأخذ الورقة وقرأها، وقال: «يا صاحب الورقة»، قطع الورقة هكذا، وأخذها ونفخها، ثم غضب وتكلم بكلام شديد، يعني قال: «هذا قليل أدب». وذكر رحمه الله: شهد أن هذا الفعل فيه ازدراء، وفيه شيء من ماذا؟ من الغضاضة في حقه الشيخ. وهذا يغضب الشيخ، والطالب لا ينبغي له أن يفعل هذا مع شيخه. قال رحمه الله تعالى: «رحمه الله تعالى: «ولا تغتابن عنده أحدًا، هذا من باب أولى، أن المجلس مجلس ذكر، مجلس عبادة، فالغيبة محرمة عمومًا ومطلقًا، وفي مجالس الذكر من باب أولى، لأنها مجالس ينبغي أن تصان عنها المعاصي والمخالفات». قال: «ولا تساور في مجلسه، أي لا تكون كما يقال: من جهة إلى جهة، تمشي بين أعناق الناس وتزاحم الطلبة وتتخطى الرقاب، لا ينبغي لك أن تفعل هذا، ليس من الأدب». قال: «ولا تأخذ بثوبه إذا قام، كذلك ولا تلح عليه إذا كسل، أي إذا حدث أو روى أو درس، وقف عند مسألة رأى ما عنده نشاط، لا ينبغي له لكن كذا وماذا؟ نقول في كذا؟ وبقي كذا؟ وما شابه ذلك، هذا ليس من الأدب». قال: «ولا تعرض، أي لا تشبع من طول صحبته، ما دام نشيطًا فاستفد، ما دام يلقي عليك التعليم والدروس فاستفد، لا تيأس ولا تمل». قال: «وينبغي أن يتأدب بهذه الخصال التي أرشد إليها علي كرم الله وجهه». هذه عبارة انتقدها العلماء رحمهم الله تعالى، أي قول: «كرم الله وجهه» في علي رضي الله عنه وأرضاه، لأنها صارت شعارًا لشيعة، فينبغي أن يقال كما قيل: «علي رضي الله عنه»، كما يقال في الصحابة، في غيره من الصحابة. قال: «وأن يرد غيبة شيخه إن قدر، أي إذا سمع إنسانًا يغتاب شيخه، فينبغي له أن يدافع، أن يدفع عن شيخه». قال: «فإن تعذر عليه ردها فارق ذلك المجلس، أي لم يشهد ذلك المجلس لأنه مجلس، لأنه مجلس وقع فيه منكر ما استطاع تغييره، فكان ينبغي له بل يجب عليه أن يقوم عنه». والله أعلى وأعلم. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.