الدرس في التبيان في آداب حملة القرآن 39، ألقاها
يتناول أهمية ترديد الآيات القرآنية لتدبر معانيها والتأمل في المواعظ والعبر، ويشير إلى تأثير ذلك في خشوع القلب وإحياء الإيمان. يُذكر أمثلة على تأثير الآيات في قلوب الناس مثل قصة الفضيل بن عياض وجبير بن مطعم.
يذكر أمثلة من سلف الأمة في تدبرهم للقرآن وتأثرهم به، مثل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وكانوا يرددون الآيات ويبكون ويخشعون عند سماعها. يُبرز تأثير القرآن في قلوبهم وخشوعهم عند تلاوته.
يتحدث عن شكوى الناس من قسوة قلوبهم وعدم تأثرهم بكلام الله، ويبين أهمية علاج القلوب من الأمراض التي تصيبها. يشير إلى أن قراءة القرآن بالتأمل والتدبر هي من أعظم العلاجات لقسوة القلوب.
يتحدث عن قوة تأثير القرآن على الجبال كما ورد في القرآن الكريم، ويستدل بذلك على ضعف استجابة الإنسان لآيات الله. يختتم بالدعاء إلى الله أن يلطف بعباده ويكشف عنهم البلايا.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال النووي رحمه الله تعالى وغافر له: قال فصل في استحباب ترديد الآية لتدبر. قال رحمه الله تعالى: وقد قدَّمنا في الفصل قبله الحث على التدبر وبيان موقعه وتأثر السلف به. ومعنى هذا أن هذا الباب له علاقة بالباب قبله، وهو أن من تدبر القرآن وتفكر في آيات الله تبارك وتعالى، وما تضمَّنه كلام ربنا تبارك وتعالى من المواعظ العظيمة والتذكير بآلاء الله تبارك وتعالى من جهة، والتذكير كذلك بأسماء الله تبارك وتعالى وصفاته وأفعاله العظيمة من جهة، وكذلك ما تضمَّنه كتاب ربنا تبارك وتعالى من الوعد والوعيد، من الوعد الذي وعد الله تبارك وتعالى به أهل طاعته، والوعيد الذي توعد به ربنا تبارك وتعالى أهل معاصيه، من تدبَّر ذلك وقرأ القرآن وقد تأمَّل في هذه المعاني، لا شك ولا ريب أنه يكون من أعظم الأسباب لخشوع قلبه، وكذلك ظهور ذلك على جوارحه. ومن الخشوع كما أشار هاهنا المؤلِّف رحمه الله تعالى أن الإنسان ربما ردَّد الآية لما تضمَّن تلك الآية من معاني عظيمة، فرب قارئ يفتح الله تبارك وتعالى عليه في آية من الآيات ما يكون سببًا لإحياء قلبه، ولأن تكون تلك الآية موعظةً كافيةً في حقه. فكم من إنسانٍ كان تائهاً، كان بعيدًا عن الله رب العالمين تبارك وتعالى، فقرأ آيةً أو سمع آيةً كان سببًا في هدايته وفي رجوعه إلى الله تبارك وتعالى. ومن ذلك ما شهر واشتهر عن الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى، وكان في بدء أمره في شبيبة كان كما قيل بأنه كان قاطع طريقٍ على الحجيج، فبينما هو أراد أن يفعل شيئًا كعادته إذ سمع قارئًا يقرأ قول الله جل وعلا: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾، فما أن سمع تلك الآية حتى وقعت في قلبه موقعًا عظيمًا، وقال: بلى قد آن، فتاب وأناب، وصار من كبار العباد والصالحين، رحمه الله تعالى وغفر له. ولهذا أمثلةٌ عظيمة، بل جاء في صحيح البخاري من حديث جبير بن مطعم رضي الله عنه وأرضاه، أنه قبل إسلامه حينما ذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم بعد وقعة بدر ليفادي أسار بدر، أتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي صلاة المغرب، فسمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ قول الله جل وعلا: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمْ الْخَالِقُونَ﴾، فقال رضي الله عنه وأرضاه حينما سمعها: «لقد كاد قلبي أن يطير»، أي مما دلت عليه تلك الآية من البراهين العقلية والبراهين كذلك الإلهية على أن الله تبارك وتعالى هو وحده المستحق لعبادة، وأن كل ما سواه لا يستحق منها شيئا. قال رحمه الله تعالى: وقد قدمنا في الفصل قبله الحث على التدبر وبيان موقعه وتأثر السلف به، وروينا عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه قال: أنه قام النبي صلى الله عليه وسلم بآية يرددها حتى أصبح، والآية: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، وهذا الحديث يحسنه العلامة الألباني رحمه الله تعالى، رواه النسائي وابن ماجه. قال رحمه الله تعالى: وعن تميم الداري رضي الله عنه أنه كرر هذه الآية حتى أصبح، أي أن النبي صلى الله عليه وسلم أن تميم الداري رضي الله عنه كرر هذه الآية وهي قول الله جل وعلا: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾. قال: وعن عباد ابن حمزة قال: دخلت على أسماء رضي الله عنها وهي تقرأ «فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم»، قال: فوقفت عندها فجعلت تعيدها وتدعو، فطال علي ذلك فذهبت إلى السوق فقضيت حاجتي ثم رجعت وهي تعيد وهي تعيدها وتدعو. قال: ورويت هذه القصة عن عائشة رضي الله تعالى عنها كما ذكره أي رواها ابن أبي شيبة رحمه الله تعالى وعبد الرزاق بإسناد صحيح عن عائشة رضي الله عنها وأرضاه، وحديث أو أثر أسماء كذلك رواه ابن أبي شيبة رضي الله عنه، ولا مانع من أن تكون الحادثة حصلت لها ولأختها رضي الله عنهما جميعا. قال: وردَّد ابن مسعود رضي الله عنه: ﴿رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾، وردَّد سعيد بن جبير رضي الله عنه: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾، وردَّد أيضًا: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ﴾ الآية، وردَّد أيضًا: ﴿مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾، وكان الضحاك إذا تلألأت لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل، وردَّدها إلى السحر. وقد مر معنا كذلك أن ابن عباس رضي الله عنهما قرأ قول الله جل وعلا: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾، قرأها فصلى أو قرأها من أول الليل في صلاة حتى أصبح وهو يردد تلك الآية ويبكي، رضي الله عنه وعن جميع أصحاب رسول الله رضي الله عنهم جميعا. وصلى الله وسلم على نبيه الكريم، فهذه كانت حالة هؤلاء رضي الله عنهم وأرضاهم، فكانوا لتدبرهم لكلام ربهم تبارك وتعالى تجد الرجل يقرأ الآية فلا يتجاوزها لما قد أوقعت تلك الآية في قلبه ما أوقعت من الموعظة والتذكير، وكذلك من الخشوع لله رب العالمين جل وعلا. وهذا يدلنا دلالةً واضحة على فضل السلف على الخلف، فالسلف رضي الله عنهم وأرضاهم لنقاوة قلوبهم وصفاء كذلك إيمانهم، كان الواحد منهم ربما تقرأ عليه الآية أو يقرأ الآية فتؤثر فيه تأثيراً عظيماً. وللأسف كثير من الناس ولا سيما المتأخرين منهم يشتكون دائماً وأبداً من قسوة القلوب، وهذا حاصل، نسأل الله تبارك وتعالى لنا جميعاً السلامة والعفو والعافية، يشكون من قسوة القلوب قسوة يجدونها دائماً في قلوبهم، يجدون في قلوبهم كذلك عدم لين عند قراءة كتاب الله تبارك وتعالى، عدم خشوع لكلام الله تبارك وتعالى، مع أنهم ربما يقرؤون القرآن بأحسن الأصوات أو يسمعون القرآن بأحسن الأصوات، إذا ما هو السبب؟ يحتاج الإنسان دائماً وأبداً إن أراد دواء نافعاً أن ينظر إلى سبب ذلك الداء. لأن قسوة القلوب مرض يحتاج الإنسان دائماً إلى أن ينظر ما هو السبب الذي ابتلاه فأبتلي بسببه بأن قسى قلبه، فيحتاج الإنسان دائماً وأبداً إلى أن ينظر في حاله وأن ينظر كذلك في أعماله وأن ينظر كذلك في قلبه، وأن يكون طبيباً لقلبه، لا ينظر إلى الناس، الناس ربما يرونك على مظهر حسن على مظهر جميل على مظهر محبوب، لكن أنت أعلم بنفسك، وربك تبارك وتعالى أعلم بك من نفسك. فيحتاج من الإنسان إلى أن ينظر في نفسه أن ينظر في أحواله أن يكون دائماً وأبداً حارساً على قلبه أن يكون طبيباً لقلبه، ينظر إلى هذا العظم الذي وصفه النبي صلى الله عليه وسلم بأنه أشد تقلبا من القدر إذا وضع على النار، يجد الإنسان تقلبا في ذلك الموجود في القدر، النبي صلى الله عليه وسلم يقول بأن القلب أشد تقلبا. فيحتاج الإنسان بين الوقت والآخر إلى أن ينظر في قلبه وأن ينظر كذلك في أحواله، لا بد لنا جميعا أن ننظر في قلوبنا وأن نعالجها من الأوبئة والأمراض التي تعرض عليها. كم من إنسان إذا ابتلي بشيء من الأمراض الظاهرة سارع إلى العلاج سارع إلى الأطباء، لكن من من العقلاء فضلاً عن غيرهم من إذا مرض قلبهم أو أصيب قلبه بشيء سارع إلى الدواء وسارع إلى الأطباء ما يفعل ذلك إلا القليل. فنسأل الله تبارك وتعالى أن يعفو عنا وأن يعاملنا بلطفه، نسأل الله تبارك وتعالى أن يعاملنا بعفوه ولطفه وأن لا يعاملنا بعدله، فينبغي لنا جميعا أن نتدبر في أحوالنا وكذلك أن نتدبر في كتاب ربنا تبارك وتعالى، فهو من أعظم الأدوية والعلاجات التي يعالج بها العبد قلبه، أن يقرأ كتاب الله تبارك وتعالى قراءة متأمل، قراءة متدبر، قراءة متفكر، قراءة إنسان يرى أن الله تبارك وتعالى كأن الله يخاطبه مباشرة. كيف سيكون وقع ذلك الكلام عليه؟ لا بد أنه سيكون له تأثير وتأثير عظيم، فينبغي للمسلمين عامة ولطلبة العلم خاصة أن يتفقدوا قلوبهم دائما وأبدا، وأن ينظروا كيف حال قلوبهم مع كتاب الله تبارك وتعالى ومع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، هل يتأثرون بكتاب الله تبارك وتعالى؟ هل يتأثرون بالأحاديث النبوية التي فيها الأمر العظيم الوعد والوعيد؟ أمن قلوبهم كالأحجار لا تتأثر؟ ربنا تبارك وتعالى يقول في كتابه الكريم: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾، فإذا كانت الجبال تتصدع من خشية الله رب العالمين تبارك وتعالى، فهذا العضو الضعيف لا يحصل منه هذا، والله إنها بلية لنا أو علينا جميعا، نسأل الله تبارك وتعالى أن يكشفها وأن يعاملنا بلطفه، إنه قريب مجيب. وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم وعلى آله وصحبه أجمعين.