الدرس في التبيان في آداب حملة القرآن 58، ألقاها
ذكر الإمام النووي أن عدد سجدات التلاوة هو أربع عشرة سجدة، واستدل على ذلك بمواضع السجود في القرآن. وأوضح أن سجدة سورة ص مستحبة وليست واجبة.
اختلف العلماء في عدد مواضع السجود في القرآن، حيث اتفق الشافعي ومن وافقه وأبو حنيفة على أنها أربع عشرة، بينما تباينت آراء الإمام أحمد ومالك. يُذكر أن هناك إجماعًا على معظم المواضع واختلافًا في بعضها الآخر.
المقطع يلخص عدد مواضع السجود في القرآن الكريم بأربعة عشر موضعًا، ويذكر ترجيح العلامة النووي لعددها، ثم ينهي الكلام بالدعاء والاستغفار.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادئ له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال أبو زكريا النووي رحمه الله تعالى في كتاب التبيان في آداب حملة القرآن: قال فصل في بيان عدد السجدات ومحلها. أي أن هذا الفصل لأجل بيان عدد السجدات، أي ما هو العدد الصحيح في السجدات التي يشرع فيها المواضع التي يشرع فيها السجود، وكذلك ما هو مواضع ذلك السجود. قال رحمه الله تعالى: أما عددها فالمختار الذي قاله الشافعي والجماهير أنها أربع عشرة سجدة. أي أن عددها على ما ذكره النووي رحمه الله تعالى، وذكره عن الجمهور أن عدد السجدات أربع عشرة سجدة. قال: سجدة في الأعراف، والرعد، والنحل، وسبحان -أي الإسراء- سبحان الذي أسرى، ومريم، وفي الحج سجدتان، وفي الفرقان، والنمل، وألف لاميم تنزيل -أي تنزيل الكتاب، أي سورة الزمر-، وحاميم السجدة -أي سورة حاميم السجدة التي ذكرت فيه السجدة في فصل-، والنجم، وإذا السماء -ثلاثة مواضع-، وقرأ باسم ربك. أي هذه أربعة عشر موضعًا ذكر فيها السجود. قال: وأما سجدة صاد -أي السجدة الذي في سورة صاد-، قال: فمستحبة وليست من عزائم السجود. أي أنها ليست من العزائم بل من قال من الفقهاء بأنها سجدة شكر، إذ أن داود عليه السلام لما بشره ربه تبارك وتعال بما بشره به خر ساجدًا. قالوا: فهذه سجدة شكر فعلها النبي صلى الله عليه وسلم، ليست من باب السجود ولكن من باب الاقتداء بالأنبياء قبله، كما في قول الله جل وعلى: ﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ۖ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾. قال رحمه الله تعالى: ثبت في صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله عنه ما قال: «صاد ليست من عزائم السجود، وقد رأيت النبي صلى الله عليه وسلم سجد فيها». فهي من المواطن التي يشرع فيها السجود لسجود النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم فيها، وإن لم تكن من عزائم كغيرها من المواضع. قال: هذا مذهب الشافعي ومن قال مثله، ومن قال مثلهم -أي من العلماء- رحمهم الله تعالى. وقال أبو حنيفة رحمه الله: هي أربع عشرة أيضًا، لكن أسقط الثانية من الحج وأثبت سجدة صاد وجعلها من العزائم -أي من عزائم سجود ومن عزائم القرآن-. قال: وعن أحمد روايتان: إحداهما كما قال الشافعي، والثانية خمس عشرة سجدة زاد صاد -أي كما قال الشافعي أربعة عشر وزاد صاد صارت خمسة عشر موضعًا-. قال: وهو قول أبي العباس ابن سريج من الشافعية، وأبي إسحاق المروزي كذلك من أصحاب الشافعي رضي الله عنهم. وعن مالك روايتان: إحداهما كالشافعي، وأشهرهما إحدى عشرة -أي إحدى عشرة موضعًا-. قال: أسقط الثانية في الحج، والنجم، وإذا السماء انشقت، وقرأ. قال: وهو قول قديم للشافعي. قال: وأشهرهما إحدى عشرة، أسقط الثانية في الحج. قال: وهو قديم للشافعي، وهو قول قديم للشافعي، والصحيح ما قدمناه، والأحاديث الصحيحة تدل عليه -أي تدل على ما ذكر أولًا وما عليه جماهير الفقهاء رحمهم الله تعالى من أنها أربعة عشر موضعًا، وأن صاد يسجد لها لسجود النبي صلى الله عليه وسلم فيها، لا لأنها من عزائم القرآن-. قال: وأما محلها، فسجدة الأعراف في آخرها -أي في آخر السورة-، والرعد عقيب قوله تعالى: ﴿بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾، وفي النحل: ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾، وفي سبحان: ﴿وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾، وفي مريم: ﴿خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾، والأولى من سجدتي الحج: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾، والثانية: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾، والفرقان: ﴿وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾، والنمل: ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾، وألف لام تنزيل: ﴿وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾، وحاميم: ﴿وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ﴾، والنجم في آخرها، وإذا السماء انشقت: ﴿فَلَا يَسْجُدُونَ﴾، وقرأ في آخرها. أي هذه مواضع سجود. قال: ولا خلاف يعتد به في شيء من مواضعها إلا التي في حاميم، فإن العلماء اختلفوا فيها. فذهب الشافعي رضي الله عنه وأصحابه إلى ما ذكرناه أنها عقيب: ﴿وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ﴾. وهذا مذهب سعيد بن المسيب، ومحمد بن سيرين، وأبي وائل شقيق بن سلمة، وسفيان الثوري، وأبي حنيفة، وأحمد، وإسحاق بن راهويه. وذهب آخرون إلى أنها عقيب قوله تعالى: ﴿إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾، حكاه ابن المنذر عن عمر بن الخطاب، والحسن البصري، وأصحاب عبد الله بن مسعود، وإبراهيم النخعي، وأبي صالح، وطلحة بن مصرف، وزبيد بن الحارث، ومالك بن أنس، والليث بن سعد. قال: وهو وجه لبعض أصحاب الشافعي، كه البغوي في التهذيب. قال: وأما قول أبي الحسن علي بن سعيد العبدري من أصحابنا في كتاب الكفاية في اختلاف الفقهاء عندنا: أن سجدة النمل عند قوله تعالى: ﴿وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾. قال: وهذا مذهب أكثر الفقهاء. وقال مالك: هي عند قوله تعالى: ﴿وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾. قال: فهذا الذي نقله عن مذهبنا ومذهب أكثر الفقهاء غير معروف ولا مقبول، بل هو غلط ظاهر. وهذه كتب أصحابنا مصرحة بأنها عند قوله تعالى: ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾. والله أعلم. فالحاصل من هذا أن مواضع السجود هي ما ذكرتها هنا أنها أربعة عشر، والراجح فيها ما تقدم ذكره من كلام العلامة النووي رحمه الله تعالى وغفر له. نكتفي بهذا القدر في هذه الليلة. سبحانك اللهم بحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.