الدرس في التبيان في آداب حملة القرآن 74، ألقاها
اختلف العلماء في كتابة القرآن للرقية، والصحيح هو عدم فعل ذلك لعدم وجود دليل، كما أن نقش القرآن على الحيطان والثياب يكره أو يحرم. ينبغي تعظيم القرآن وتقديره.
تعليق الآيات القرآنية على الجدران أو في السيارات أو على الأبواب لا يجوز، لأنه إما أن يكون امتهانًا لكلام الله أو يعتبر من تعليق التمائم المحرم شرعًا. يناقش المقطع أيضًا كتابة القرآن على الحروز وتعليقه.
يؤكد على العلم الإلهي ويختم بالصلاة والسلام على النبي محمد وعلى آله وصحابته. يُظهر الاحترام والتقدير للنبي والصلاة عليه.
بسم الله الرحمن الرحيم. والحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادى له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال النووي رحمه الله تعالى وغفر له في كتابه «التبيان في آداب حملة القرآن»: قال فصل في حكم كتابة القرآن للرقية. قال: اختلف العلماء في كتابة القرآن في إناء ثم يغسل ويسقاه المريض، فقال الحسن ومجاهد وأبو قلابة والأوزاعي: لا بأس به. وكرهه النخعي. قال القاضي حسين والبغوي وغيرهما من أصحابنا: ولو كتب القرآن على الحلوى وغيرها من الأطعمة فلا بأس بأكلها. قال القاضي حسين: ولو كان على خشبة كرهوا إحراقها. والصحيح من أقوال العلماء رحمهم الله تعالى أنه ينبغي أن يصان القرآن وأن يكرم، فكتابته في إناء ثم يغسل ويسقاه المريض هذا ليس عليه دليل من كتاب ولا من سنة، فلا يفعل مثل هذا الفعل. وما ذهب إليه النخعي رحمه الله تعالى من الكراهة هو الصواب. وأما كتابته على الحلوى ونحوها، فهذا يخشى عليه من أن يدخل في الاستهانة بالقرآن، فلا يفعل مثل هذا الفعل، بل لا يصدر مثل هذا الفعل ممن يعظم القرآن حق تعظيمه. فينبغي القرآن أن يحترم وأن يصان، وأن لا يكون عرضة لمثل ما ذكر هاهنا؛ لأن يكتب في الحلوى ولا في غيرها. القرآن أنزله الله جل وعلا هدى ونورًا؛ ليتعبد به قراءة وتدبرًا وعملا وهداية إلى غير ذلك من الأمور التي أنزل لأجلها ربنا تبارك وتعالى القرآن. فينبغي أن يصان وأن يحترم وأن يعظم، وهذا من تعظيم الله تبارك وتعالى. قال رحمه الله تعالى: فصل في حكم نقش القرآن على الحيطان والثياب، وفي حكم كتابة الحروز. قال: مذهبنا أنه يكره نقش الحيطان والثياب بالقرآن وبأسماء الله تعالى. وهو كما قال، بل نص غير واحد على أن ذلك يحرم. هذا الفعل ما فيه من معنى الاستهانة؛ لأن كتاب الله جل وعلا القرآن ما أنزل للزينة. القرآن ما أنزل للزينة. بعض الناس ربما وضع آيات القرآن أو رسم آيات القرآن إما في المساجد وإما في البيوت. وبعض ربما علق لوائح فيها آيات من القرآن أو سور من القرآن إما في البيوت وإما في السيارات ونحو ذلك. هذا لا يجوز، هذا الفعل لا يجوز؛ بل هو محرم؛ لأنه فيه امتهان لكلام الله تبارك وتعالى. فيه امتهان لكلام الله جل وعلا؛ فكلام الله جل وعلا ما أنزله الله جل وعلا لأجل أن يكون زينة. بعض الناس يقال له: لماذا تفعل هذا؟ يقول: زينة، من باب الزينة، تزين بكلام الله تبارك وتعالى. هذا من التعظيم، هكذا يعظم كتاب الله جل وعلا. وبعضهم ربما فعل ذلك على سبيل أن تلك الآية -يعني بعضهم ربما علق آية الكرسي في بيته أو آية بعض مقدمة سورة يس أو المعوذات أو ما شابه ذلك- يقول: هذا لأجل أن يحفظ البيت من العين أو لأجل أن يحفظ البيت من الشياطين وما شابه ذلك. وهذه النية تجعل هذه المعلقات حكمها حكم التمائم. تجعل حكمها حكم التمائم. والنبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم نهى عنه، يقول: «من علق تميمة فقد أشرك». وقد ذكر العلماء المحققين رحمهم الله تعالى أن تمائم القرآن تدخل تحت هذا العموم. أن تمائم القرآن تدخل تحت هذا العموم. فلا يجوز أن يعلق شيء من القرآن لا على أبواب البيوت ولا على مداخل البيوت ولا على السيارات ولا على شيء من ذلك؛ لأن هذا من تعليق التمائم كما تقدم. إما أن يكون علقه لأجل الزينة، فيكون امتهانًا لكلام الله جل وعلا. وإما أن يكون علقه اعتقادًا منه بأنها تدفع العين أو تبعد الشياطين، وهذا تعليق لها كتعليق التمائم. وهذا كذلك لا يجوز. قال رحمه الله تعالى: مذهبنا أنه يكره نقش الحيطان والثياب بالقرآن وبأسماء الله تعالى. وقال عطاء: لا بأس بكتاب كتب القرآن في قبلة المسجد. وهذا لا دليل عليه. قال: وأما كتابة الحروز من القرآن، فقال مالك: لا بأس به إذا كان في قصبة أو جلد وخُرِز عليه -أي خُتِم عليه-. وقال بعض أصحابنا: إذا كتب في الخرز قرآنًا مع غيره فليس بحرام، ولكن الأولى تركه؛ لكونه يُحمل في حال الحدث. وإذا كُتب بما يُصان -بما قاله الإمام مالك رحمه الله تعالى- فلا بأس به. وبهذا أفتى الشيخ أبو عمر ابن الصلاح رحمه الله تعالى. والصحيح ما تقدم: الصحيح ما تقدم من أن هذا الفعل لا يجوز؛ أن هذا الفعل لا يجوز؛ لعدم وجود أولا دليل يثبت أو يثبت هذا الحكم. وهذا حكم شرعي، والحكم والأحكام الشرعية لا تُثبت إلا بدليل من كتاب أو من السنة. وليس ثم دليل لا من كتاب الله جل وعلا ولا من سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. هذا أمر. الأمر الثاني: أن ثم أدلة كثيرة تدل على منع ذلك؛ إما باعتبارها تمائم وحروز. فكما تقدم: «من علق تميمة فقد أشرك». ومن علق وفيها القرآن -كما يقول العلماء رحمهم الله تعالى- لو أنه علق وفيها القرآن، هذا كذلك يكون ذريعة لغيره ممن ربما علق التمائم والحروز وفيها غير القرآن أو فيها خليط بين القرآن وبين غيره مما يفعل المشعوذون والسحرة والكهنة ونحوهم؛ فيكون فيه فتحًا لباب شر الواجب إغلاقه. إلى جانب ذلك أن فيه معنى من معاني الامتهان لكلام الله جل وعلا؛ فإن الحرز لا بد أن يدخل به صاحبه أماكن الخلاء وأماكن النجاسات وما شابه ذلك. وكلام الله جل وعلا الواجب أن يصان. قال الله جل وعلا: ﴿وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾، وقال الله جل وعلا: ﴿وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ﴾. فأشهد أن هذا لا يجوز؛ لا يجوز نقش القرآن على الحيطان ولا على الثياب، ولا أن يكتب فيه الحروز. هذا هو صحيح من أقوال العلماء. والله تعالى أعلم. وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم، وعلى آله وصحابته أجمعين.