الدرس في التبيان في آداب حملة القرآن 61، ألقاها
يتناول آراء الفقهاء حول اختصار سجود التلاوة وأحكام سجود التلاوة في الصلاة مثل مراعاة ترتيب الأفعال. يشرح كيفية التعامل مع سجود التلاوة في حالة الصلاة منفردًا أو جماعة.
يشرح حكم سجود المأموم مع إمامه أو منفردًا عند سماع آية سجدة، ويبين أنه يجب على المأموم السجود إذا سجد إمامه. كما يتناول حكم سجود المأموم مع الإمام وعدم جواز السجود إذا لم يسجد الإمام.
يتناول حكم الاستماع لقراءة الإمام، ويبين أنه يكره للمأموم الإصغاء إلى قراءة غير إمامه. يجب على المأموم الإنصات لقراءة إمامه كما جاء في الآية الكريمة وحديث الإجماع الذي نقله الإمام أحمد.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادئ له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال النووي رحمه الله تعالى في كتابه «التبيان في آداب حملة القرآن»: قال فصل في اختصار السجود، وهو أن يقرأ آية أو آيتين ثم يسجد. قال: حكى ابن المنذر عن الشعبي والحسن البصري ومحمد بن سيرين والنخع وأحمد وإسحاق أنهم كرهوا ذلك. وعن أبي حنيفة ومحمد بن الحسن وأبي ثور أنه لا بأس به. قال: وهذا مقتضى مذهبنا، أي أن مذهب الشافعي رحمه الله تعالى مقتضاه جواز ذلك. قال رحمه الله تعالى: فصل في أحكام تتعلق بسجود التلاوة في الصلاة. قال: إذا كان مصليًا منفردًا سجد لقراءة نفسه، فلو ترك سجود التلاوة وركع -يعني الآن هل أحكام متعلقة بسجود التلاوة متى يشرع له أن يسجد ومتى لا يشرع له أن يسجد- فهو يقول رحمه الله تعالى: إذا سجد إذا كان مصليًا منفردًا، أي لو أن إنسانًا صلى صلاة منفردًا وقرأ آية سجدة، قال: سجد لقراءة نفسه. قال: فلو ترك سجود التلاوة وركع ثم أراد أن يسجد للتلاوة لم يجز؛ لماذا؟ لأنه قد انتقل إلى ركن، وسجود التلاوة مستحق. ولو سجد بعد الركوع، قال: فإن فعل مع العلم بطلت صلاته؛ أي لو أنه ركع ثم سجد للتلاوة بطلت صلاته؛ لماذا؟ لأنه فعل فعلًا في الصلاة ليس منها، ليس من جنسها. ومن تعمد فعل شيء في الصلاة مما هو ليس من جنس الصلاة ولا هو مشروع في الصلاة عالما عامدا ذاكرا بطلت صلاته. قال: وإن كان قد هوى إلى الركوع ولم يصل إلى حد الراكعين جاز أن يسجد للتلاوة؛ لماذا؟ لأنه والحالة كذلك لا يقال فيه بأنه راكع؛ أي نوى أن يركع ثم هوى لسجود التلاوة، يقول: صحة منه ذلك؛ لأنه ليس براكع والحالة كذلك. قال رحمه الله تعالى: ولو هوى لسجود التلاوة ثم بدا له ورجع إلى القيام جاز. قال: أما إذا أصغى المنفرد بالصلاة لقراءة قارئ في صلاة أو غيرها فلا يجوز له أن يسجد، ولو سجد مع العلم بطلت صلاة؛ يعني لو أن إنسانًا كان يصلي منفردًا، فكان مثلًا بجانبه من يقرأ سورة فيها السجدة -سواء كان مصليًا ذلك الآخر أو كان قارئًا بجانبه يسمع الآية- فسجد ذلك القارئ للسجدة، فهل من كان مصليًا منفردًا أن يسجد معه؟ يقول النووي رحمه الله تعالى: ليس له أن يسجد معه، وإذا سجد معه بطل الصلاة إن كان عالما. ومعناه أنه إذا لم يكن عالما فإن صلاته لا تبطل؛ وهو كما قال؛ لأن فساد الصلاة إنما يكون بفعل ما لا يصح في الصلاة عالما عامدا ذاكرا. أما إذا لم يكن عالما بأن ذلك لا يجوز ولا يصح، أو كان غير عامد إنما فعله عن خطأ، أو كان غير ذاكر فعمله عن ساه ونسيان، فإن صلاته لا تبطل. قال رحمه الله تعالى: أما المصلي في جماعة، فإن كان إماما فهو كالمنفرد؛ أي أحكام كأحكام المنفرد التي مر ذكرها. قال: وإذا سجد الإمام لتلاوة نفسه وجب على المأموم أن يسجد معه. فإن لم يفعله بطل الصلاة؛ لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما جُعل الإمام ليؤتمَّ به»، وفي الحديث قال: «فإذا سجد فاسجُدوا». فمن خالف الإمام في السجود يكون ترك واجبًا يكون ترك واجبًا عالما عامدا قاصدا، فتحصل صلاته بذلك. قال رحمه الله تعالى: فإن لم يسجد الإمام لم يجز للمأموم؛ فإن سجد بطل الصلاة؛ كذلك لمخالفة الإمام. ولو أن مأمومًا صلى خلف إمام، قرأ الإمام سورة السجدة ولم يسجد الإمام، فهل للمأموم أن يسجد؟ الجواب: لا يسجد المأموم. فإن سجد عالما بالحكم فإن صلاته تبطل. أما إذا كان جاهلا فإنه يعلم. قال: ولكن يستحب أن يسجد إذا فرغ من الصلاة، ولا يتأكد. والاستحباب يحتاج إلى دليل في مثل هذا. فالأظهر والله أعلى وأعلم أنه ما دام مع إمام في صلاة وما سجد الإمام فإنه لا يسجد ولو كان بعد الصلاة. قال: ولو سجد الإمام ولم يعلم المأموم حتى رفع الإمام رأسه من السجود، فهو معذور في تخلفه، ولا يجوز أن يسجد؛ معذور في تخلفه؛ لماذا؟ لأنه التخلف ليس عن علم، ليس عن عمد، ليس عن ذكر، وإنما عن سهو أو نسيان. ولو ترك واجبًا أصليًا في الصلاة -يعني كان يكون الإمام مثلًا جالسًا للتشهد الأول وهو سهى فقام إلى ركعة الثالثة مغمضًا عينيه مثلًا وما يدري أن الإمام في السجود- كان في حالة ماذا؟ غفل، سها، ففتح عينيه يسمع الإمام يقول: الله أكبر. رفع، صلاته لا شيء عليه؛ لا شيء عليه؛ لأنه ترك واجبًا ناسيًا. قال رحمه الله تعالى: ولا يجوز أن يسجد، ولو علم والإمام بعد في السجود وجب السجود. فلو هو ذاهب إلى السجود فرفع الإمام رأسه وهو في الهوي رفع معه؛ أي لم يسجد؛ لأن المتابعة قد انفصلت حينها. قال: ولم يجوز السجود. وكذا الضعيف الذي هوى مع الإمام إذا رفع الإمام قبل بلوغ الضعيف إلى السجود لسرعة الإمام وبطء المأموم يرجع معه ولا يسجد؛ يعني هذه الصورة لو أن الإمام سجد، هوى للسجود ورفع، والمأموم ما سجد بعد، هوى فرفع الإمام قبل أن يسجد المأموم، ماذا يصنع المأموم؟ هل يسجد ثم يرفع؟ يقول النووي رحمه الله تعالى: يرفع معه ولا يسجد؛ يرفع معه ولا يسجد؛ فليس هو من الأركان التي لا بد له أن يأتي بها. وإنما يتابع الإمام متى ما صحت المتابعة. أما إذا انفصل الإمام عن ذلك الفعل فإنه لا يتابع والحالة كذلك. قال رحمه الله تعالى: أما إذا كان المصلي مأمومًا فلا يجوز أن يسجد لقراءة نفسه، ولا لقراءة غير إمامه. كذلك إذا كان مأمومًا خلف إمام مثلًا في صلاة الظهر، قرأ المأموم سورة فيها سجدة، هل يسجد والإمام ما سجد؟ الجواب: لا يسجد؛ لا يسجد. كذلك لو أنه يصلي كذلك فسمع قارئًا غير الإمام يقرأ بآية فيها سجدة، فسجد ذلك القارئ، فهل يسجد معه؟ الجواب كذلك: لا؛ لا يسجد معه. فإن سجد، ما حكمه؟ قال النووي رحمه الله: قال: فإن سجد بطلت صلاته؛ لماذا؟ لأنه خالف الإمام وترك واجبًا من واجبات الصلاة، وهو متابعة الإمام والاقتداء بالإمام. قال: ويكره له قراءة السجدة؛ يكره له؛ أي للمأموم. والكراهة تحتاج إلى دليل. فالأظهر والله أعلى وأعلم: لا مانع من أن يقرأ المأموم سورة فيها السجدة، لكن لا يسجد فيها؛ متابعة للإمام؛ أي في الصلوات غير الجهرية. وأما الصلوات الجهرية فإنه يقرأ الفاتحة فحسب؛ أي المأموم. قال رحمه الله تعالى: ويكره له الإصغاء إلى قراءة غير إمامه؛ لأن الأصل أن ينصت وأن يصغي لقراءة إمامه؛ لقول الله جل وعلا: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾. ونقل الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى الإجماع على أن المقصود في الآية بالاستماع والإنصات هو في الصلاة؛ فيجب عليه إذا كان خلف إمام أن ينصت وأن يستمع إلى قراءة إمامه، وأن لا ينشغل بقراءة غير إمامه. والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم وعلى آله وصحبه أجمعين.