التبيان في آداب حملة القرآن 29

الدرس في التبيان في آداب حملة القرآن 29، ألقاها

التحذير من إساءة استخدام القرآن

يناقش المقطع أهمية النية الصادقة في تعلم وتعليم القرآن، ويحذر من اتخاذ القرآن وسيلة للكسب الدنيوي أو السمعة. يستشهد بحديث النبي صلى الله عليه وسلم "اقرأوا القرآن ولا تأكلوا به".

أحكام أخذ الأجرة على تعليم القرآن

يتناول المقطع آراء العلماء المختلفة حول جواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن، حيث يرى البعض المنع التام بينما يجيز آخرون ذلك بشروط معينة. الإمام النووي أجاز أخذ الأجرة مستندًا إلى أحاديث صحيحة.

تفصيل حكم أخذ الأجرة على التعليم

يفصل المقطع بين أخذ الأجرة على التعليم إذا كان تبرعًا وبين أخذه إذا تم الاتفاق عليه مسبقًا، مع جواز الأخير وعدم جواز الأول. يبين أن الإجارة الصحيحة تجعل أخذ الأجرة جائزًا.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادئ له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الإمام النووي رحمه الله في كتابه «التبيان في آداب حامل القرآن»: قال فصل في التحذير من اتخاذ القرآن معيشة، وفي حكم أخذ الأجرة على تعليمه. وهذا الفصل مأخوذ للتحذير من تعلم العلم وتعلم القرآن لأجل الدنيا، فهو متعلق بآداب القرآن، ومتعلق كذلك بالنيات في تعلم القرآن وتعليمه. والنبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم يقول: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى». فالإنسان له ما نوى، إذا نوى بتعلمه وتعليمه القرآن وجه الله تبارك وتعالى، هذا يؤجر عليه. وأما إن أراد به دنيا يصيبها، أو أراد به جاهًا، فهذا له ما نوى. وهذا أمر ينبغي لقارئ القرآن، لمتعلم القرآن، ولمعلم القرآن أن يتفطن له، وأن ينظر في مقاصده ونياته: هل تعلم لأجل الدنيا؟ لأجل أن يكون ذلك التعليم، وذلك العلم سببًا من أسباب التعيش، ودخلًا من أسباب حصول الداخل والرزق؟ إذا كانت نيتهم كذلك، فبئس ما نوى، وبئس ما صنع بهذه النية الفاسدة. قال رحمه الله تعالى: في التحذير من اتخاذ القرآن معيشة، وفي حكم أخذ الأجرة على تعليمه. قال: ومن أهم ما يؤمر به أن يحذر كل الحذر من اتخاذ القرآن معيشة يكتسب بها. فقد جاء عن عبد الرحمن بن شبل رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اقرأوا القرآن ولا تأكلوا به، ولا تجفوا عنه، ولا تغلوا فيه». وهذا الحديث رواه أحمد وغيرهم، وصححه العلامة الألباني رحمه الله كما في «صحيح الجامع». وأشهر منه واضح: «اقرأوا القرآن ولا تأكلوا به». اقرأوا القرآن لأجل الله، طاعة لله، تقربًا لله، لا لأجل أن تأكلوا به وتسترزقوا به، هذا لا يجوز. قال: وعن جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اقرأوا القرآن من قبل أن يأتي قوم يقيمونه إقامة القدح، يتعجلونه ولا يتأجلونه». وهذا حديث كذلك رواه أبو داود بمعناه. قال: ورواه أبو داود بمعناه من حديث سهل بن مسعد. وأما حديث جابر فقد رواه كذلك أبو داود رضي الله عنه ورحمه الله وغفر له، ورجاله ثقات غير وهب بن باقية، وتابعه خلف بن الوليد، ولا بأس به في المتابعة، وتابعه كذلك أسامة بن زيد الليثي عن محمد بن المنكدر، فإسناده كما ذكر المحقق حسن. قال رحمه الله تعالى: معناه يتعجلون أجره، إما بمال، وإما بسمعة ونحوهما. وهذا يبين المقصد الذي لأجله ذكر الإمام النووي رحمه الله تعالى هذا الموضوع هاهنا، وهو أن من تعلم القرآن لا يجوز له أن يتعلمه بهذه النية وبهذا القصد. لا يتعلمه إلا لأجل الدنيا، لأجل الكسب، لأجل المعاش، هذه نية فاسدة. وتعلم القرآن وتعلم العلم عبادة جليلة ينبغي أن تكون خالصة لله رب العالمين تبارك وتعالى. قال: وعن فضيل بن عياض رحمه الله تعالى قال: دخل رجلان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم مسجدًا، فلما سلم الإمام قام رجل فتلى آيات من القرآن، ثم سأل الناس أن يعطوه مالًا. قرأ القرآن ثم سأل الناس، وهذا كحال بعض السؤال اليوم. تجده يقوم ويقرأ من آيات الله من القرآن، وحيانًا يعظ موعظة مؤثرة، فإذا فرغ قال: أعينوني، أعينوني، وساعدوني، إلى غير ذلك، يتأكل به تلك الكلمة وبتلك التلاوة. قال رحمه الله تعالى: قال: دخل رجلان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم مسجدًا، فلما سلم الإمام قام رجل فتلى آيات من القرآن، ثم سأل الناس أن يعطوه شيئًا من المال. فقال أحدهما: إنا لله وإنا إليه راجعون، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «سيجيء قوم يسألون بالقرآن، فمن سأل بالقرآن فلا تعطوهم». الحديث. قال الإمام النووي رحمه الله: وهذا الإسناد منقطع، فإن فضيل بن عياض لم يسمع من الصحابة، لأنه من طبقة تابعي التابعين. فحديثه منقطع، كما ذكر رحمه الله تعالى، والمنقطع من قسم الضعيف. يعني الحديث ضعيف، لكن المعنى الموجود صحيح لما تقدمت من أدل، لا تدل على هذا المعنى من أنه لا يجوز أن يتأكل بالقرآن. قال رحمه الله تعالى: وأما أخذ الأجرة على تعليم القرآن، هذه مسألة فقهية تعرض لها هاهنا الإمام النووي رحمه الله. كما قيل: كل إناء بما فيه ينضح. النووي رحمه الله تعالى لما كان فقيهًا ذكر في هذا الكتاب جملة من مسائل الفقه المتعلقة بالقرآن وآدابه. ومن هذه المسألة وهي مسألة: ما حكم أخذ الأجرة على تعليم القرآن؟ قال: فقد اختلف العلماء، أي وقع الخلاف في هذه المسألة بين العلماء رحمهم الله. قال: فاختلف العلماء فيهم، فحكى الإمام أبو سليمان الخطابي رحمه الله منع أخذ الأجرة عليه عن جماعة من العلماء، منهم الزهري وأبو حنيفة. أي منع أخذ الأجرة على تعليم القرآن. قال: وعن جماعة أنه يجوز إذا لم يشرطه، وهذا قول الحسن البصري والشعبي وابن سيرين. يعني القول الأول: المنع مطلقًا، لا يجوز للإنسان أن يأخذ أجرة مقابل تعليم القرآن. القول الثاني: يجوز إذا لم يشترط، بمعنى أنه إذا علمهم القرآن وأعطوه من غير شرط جاز، أما إذا اشترط فلا يجوز. قال: وذهب عطاء ومالك والشافعي وآخرون إلى جوازها إذا شارطهم أو استأجرهم إجارة صحيحة. وقد جاء بالجواز الأحاديث الصحيحة. أي أن الإمام النووي رحمه الله، وهو من أئمة الشافعية، ذهب إلى ما ذهب إليه الإمام الشافعي رحمه الله تعالى من جواز أخذ الأجرة على القرآن، سواء شارطه أو استأجره إجارة صحيحة. قال: واحتج من منعها بحديث عبادة بن الصامت أنه علم رجلًا من أهل الصفة القرآن، فأهدى له قوسًا، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «إن سرك أن تطوق بها طوقًا من نار، فاقبلها». وهو حديث مشهور رواه أبو داود وغيره. بآثار كثيرة عن السلف، أي جاءت آثار عن السلف رحمهم الله تعالى ينهون فيها عن أخذ الأجرة على القرآن. وأجاب المجوزون عن حديث عبادة بجوابين: أحدهما أن في إسناده مقالًا، أي أن الحديث ضعيف. والثاني أنه كان تبرع بتعليمه، فلم يستحق شيئًا، ثم أهدي إليه على سبيل العوض، فلم يجز له الآخذ، بخلاف من يعقد معه إجارة قبل التعليم. والله أعلم. وسبحانك اللهم بحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على