الدرس في التبيان في آداب حملة القرآن 8، ألقاها
يتناول هذا الفصل تعظيم حملة القرآن وكرامتهم بناءً على الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، ويشير إلى أن تعظيمهم يأتي من تعظيم القرآن نفسه. كما يحذر من إيذاءهم ويبين شدة العقوبة لمن يفعل ذلك.
يُبين هذا الفصل أهمية إكرام العلماء وفضلهم، حيث يُعدون من أولياء الله تعالى ويجب احترامهم وتقديرهم. كما يشير إلى أحاديث نبوية تُظهر تكريم أهل القرآن وتقديمهم في اللحد، وتنهى عن إيذائهم.
يبرز هذا الفصل أهمية احترام أعراض العلماء ويذكر بعض العبارات الدينية التي تدل على التوبة والاستغفار. يظهر حرص المتحدث على بيان حرمة أعراض العلماء ورحمتهم.
بسم الله الرحمن الرحيم. والحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادئ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في كتابه التبيان في آداب حملة القرآن، الباب الثالث في كرام أهل القرآن والنهي عن إيذائهم: قال الله عز وجل ﴿وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾، وقال تعالى ﴿وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ﴾، وقال تعالى ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾، وقال تعالى ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا﴾. وفي الباب حديث أبي مسعود الأنصاري، وحديث ابن عباس المتقدمان في الباب الثاني، أي في الباب الذي قبل هذا الباب. حديث أبي مسعود: «يا أم القوم أقرأهم لكتاب الله». وما جاء في أثر عمر: «كان القراء وأصحاب مجلس عمر رضي الله عنه وأرضاه». فقول الله جل وعلا ﴿وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ تتضمن تعظيم القرآن. هذه الآية تتضمن تعظيم القرآن، ومن تعظيم القرآن أن يعظم وأن يجلَّ حملة القرآن، وأن يُكرم حملة القرآن إكرامًا وتعظيمًا وإجلالًا لكتاب الله جل وعلا. وكذلك الآية التي تليها وهي قوله جل وعلا ﴿وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ﴾ كذلك. وقوله جل وعلا ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ الآية عامة، ويدخل فيها دخولًا أوليًا أهل القرآن، وخاصة ممن ميَّزهم الله جل وعلا بكونهم من حملة القرآن، ومن علَّمه الله جل وعلا القرآن، فهم يدخلون في هذه الآية دخولًا أوليًا. وكذلك في قوله جل وعلا ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا﴾ يدخل في تحريم أذيَّتهم كذلك دخولًا أوليًا العلماء وحملة القرآن. فمن آذى مُسلمًا ولو كان هذا المسلم عاميًّا بغير إثم بغير ذنب، فالله جل وعلا يقول: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا﴾، فكيف بمن آذى حافظًا للقرآن؟ بمن آذى عالِمًا من علماء الأمة؟ بمن آذى من يعلم الناس الخير؟ سبَّه، شتمه، تنقصه، غمز فيه أو ازدراه أو ما شابه ذلك، فهذا أشد عقوبة. ويدخل في قول الله جل وعلا ﴿فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا﴾ أي أنه بهت الذي يتهم العلماء ويتكلم في العلماء ويتنقص العلماء ويزدر العلماء، فقد اكتسب إثمًا عظيمًا واحتمل بهتانًا كبيرًا. لأنه إذا تكلم في عموم المسلمين بغير حق بباطل فهو آثم، فكيف بمن تكلم في خواص أهل الإيمان؟ فهو أشد وأشد. وقد جاء في حديث ابن عمر رضي الله عنهما عند أبي داود وغيره بإسنادٍ حسن، وهو في صحيح المسند: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من قال في أخيه ما ليس فيه وهو يعلمه، أذاقه الله رضغة الخبال حتى ينزع عن قوله». فهذا أشد إذا كان في عموم المسلمين يأثم، فكيف بمن تكلم في خواص المؤمنين؟ في حملة القرآن؟ في معلمي الناس الخير؟ في مرشدي هذه الأمة إلى الخير إلى ربهم جل وعلا؟ في علمائهم؟ هذا أشد أشد إثمًا وذنبًا وجرمًا. قال رحمه الله تعالى: وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إن من إجلال الله تعالى إكرام ذي الشيبة المسلم، وحامل القرآن غير الغال فيه ولا الجافي عنه، وإكرام ذي السلطان المقصد». وهذا الحديث له طرق، حسنها جماعة من أهل العلم بمجموع تلك الطرق، ومنهم العلامة الألباني رحمه الله تعالى، أي حسن هذا الحديث بطرقه. ومن أهل العلم من ضعف هذا الحديث نظرًا إلى أن الطرق المذكورة لا يستقيم منها إسناد، ولا يصح منها إسناد، فلأجل هذا المعنى ضعفه من ضعفه من العلماء رحمهم الله تعالى، ورجح بعضهم فيه الوقف. وعلى صحة الحديث، الشاهد منه واضح، وهو قوله: «إكرام ذي الشيبة المسلم وحامل القرآن». وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ننزل الناس منازلهم». رواه أبو داود في سننه، والبزار في مسنده. وهذا الحديث وإن كان قد رواه أبو داود وغيره إلا أن هذا الحديث فيه ضعف، قد ذكر العلماء رحمهم الله تعالى له عللًا، ومن أشهر هذه العلل أنه من طريق ميمون بن أبي شبيب عن عائشة، وهو لم يسمع منها. يعني إمام أبو داود رحمه الله تعالى بعد أن أخرج الحديث قال: «وميمون لم يدرك عائشة»، أي أن الإسناد منقطع. وقد ضعف الحديث العلامة الألباني رحمه الله تعالى، وكذا شيخ العلامة الوادعي رحمهم الله. وعلى صحته، الشاهد منه واضح: «أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ننزل الناس منازلهم». لكن يغني عنه أو بمعناه ما جاء عند أصحاب السنن أو عند بعض أصحاب السنن كذلك من حديث عائشة: «أن النبي صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة أو يوم حجه قال: جعل المهاجرين عن يمينه والأنصار عن شماله، وأنزل الناس منازلهم»، يعني قرب الأدنى فالأدنى. قال رحمه الله تعالى: وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه: «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجمع بين الرجلين من قتلى أحد، ثم يقول: أيهما أكثر أخذًا للقرآن؟ فإذا أشير إلى أحدهما قدمه في اللحد». رواه البخاري. الشاهد منه أنه يقدم في اللحد الأكثر أخذًا للقرآن، وهذا فيه تقديم وتكريم لأهل القرآن. وكما جاء كذلك في حديث عمر عند مسلم: «إن الله ليرفع بهذا الكتاب أقوامًا ويضع به آخرين». والحديث جاء مرفوعًا، قالوا عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله عز وجل قال: من آذى لي وليًّا فقد آذنته بالحرب». رواه البخاري. وهذا كذلك الشاهد منه واضح، إذ أن أهل القرآن ويدخل في أهل القرآن من؟ العلماء. أهل القرآن وخاصة من هم؟ العلماء، معلمو الناس الخير، يدخلون في هذا الحديث دخولًا أوليًا ممن كان عالمًا وعاملًا بذلك العلم. قال رحمه الله تعالى: وثبت في الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من صلى الصبح فهو في ذمة الله، فلا يطلبنكم الله بشيء من ذمته». الحديث. هذا من حيث التخريج. ومن حيث المعنى: من صلى الصبح فهو في ذمة الله، فلا يطلبنكم الله بشيء من ذمته. ويدخل في هذا من العلماء وحملة القرآن، فإنهم هم المحافظون على صلاة الصبح، يدخل فيهم أو في هذا الحديث دخولًا أوليًا، ففيه النهي عن أذيتهم. قال: وعن الإمامين الجليلين أبي حنيفة والشافعي رحمهم الله تعالى قالا: «إن لم يكن العلماء أولياء الله تعالى فليس لله ولي». وهذا يقرر ويؤكد ما تقدم مرارًا من أن أولياء الله جل وعلا يدخل فيهم دخولًا أوليًا العلماء. قال الحافظ أبو القاسم ابن عساكر رحمه الله: «اعلم يا أخي وفقنا الله وإياك لمرضاته وجعلنا ممن يخشاه ويتقيه ويتقي حق تقاته، أن لحوم العلماء مسمومة، وعادة الله في هتك أستار من تنقصهم معلومة، وأن من أطلق لسانه في العلماء بالثلب بلاه الله قبل موته بموت القلب، فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم». وهذا من أجمل الكلام وأرصنه في بيان حرمة أعراض العلماء رحمهم الله. وسبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.