الدرس في كتاب البيع 2، ألقاها
يتناول المقطع شروط صحة البيع في الفقه الإسلامي، حيث يشترط أن يكون المبيع مملوكًا للبائع وأن يكون فيه نفع مباح. يُفصّل النص في أن بيع ما لا يملكه الإنسان لا يجوز.
يناقش المقطع بعض القواعد النبوية المتعلقة بالبيع والشراء، مثل تحريم ثمن الشيء المحرم، وعدم جواز بيع ما لا نفع فيه أو ما ليس بمملوك. يشرح المقطع أيضًا أحكام بيع الكلب واقتنائه.
نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر والجهالة، مثل بيع ما في بطن الناقة أو بيع الغائب الذي لم يوصف. كما يتناول حكم بيع السلع المتساوية في الحجم والنوع، ويشير إلى جواز هذا البيع لعدم وجود غرر فيه.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، ثم أما بعد. قال الإمام موفق الدين أبو محمد ابن قدامة المقدسي رحمه الله تعالى وغفر له في كتابه "عمدة الفقه": قال في كتاب البيوع: قال الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ وهذه آية تدل على أن البيع حلال، وهذا هو الأصل كما مر معنا. ومعنى كونه هو الأصل أننا إذا شككنا في معاملة ما، قال الأصل الحل، ولا يخرج عن هذا الأصل إلا بدليل. قال رحمه الله تعالى: والبيع معاوضة المال بالمال، وهذا تقدم. قال: ويجوز بيع كل مملوك فيه نفع مباح. قوله رحمه الله: "ويجوز" أن يباح ويصح بيع كل مملوك، فخرج ما لم يكن مملوكًا، فلو أن إنسانًا باع شيئًا لا يملكه فإن ذلك البيع ليس بصحيح؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ولا تبع ما ليس عندك»، كما في الترمذي وغيره من حديث حكيم بن حزام بإسناد حسن. وكذلك جاء عنه صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن بيع ما لا يملك، وهذا من هذا الباب. وأيضًا؛ لأن حقيقة البيع هو مبادلة مال بمال، أي مبادلة مال يملكه الإنسان بمال يملكه إنسان آخر، فدل ذلك على أن بيع ما ليس في ملكه لا يجوز. والله جل وعلا يقول في كتابه الكريم: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾، فلابد في البيع والشراء من التراضي، ولا يكون التراضي إلا بأن يبيع الإنسان ما يملكه. فلو باع غير ما يملكه فلم يحصل هذا المعنى، لم يحصل حقيقة التراضي ولم يحصل كذلك معنى الملك لذلك المبيع. وقوله رحمه الله تعالى: "ويجوز بيع كل مملوك" هذا عام، فكل مملوك لإنسان فإنه يجوز بيعه. ثم قال: "فيه نفع مباح"، فيه نفع، إذن خصص ذلك العموم الذي في قوله "كل مملوك" بقوله ماذا؟ "فيه نفع"، هذا وصف، ووصف آخر بقوله "مباح". فقوله "فيه نفع" خرج ما ليس فيه نفع. قوله "فيه نفع" فخرج ما ليس فيه نفع، كبيع الحشرات وما لا نفع فيها، هذا البيع لا يحل؛ لماذا؟ لأنه لا نفع فيه. ويدخل مثل هذا النوع من البيع في البيوع المنهي عنها؛ إما لأنه داخل في عموم قول الله جل وعلا: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾، فتكون مثل هذه البيوع داخلًا تحت عموم الخبائث، أو تحت التبذير والإسراف في وضع المال في غير موضع لغير حاجة. قال رحمه الله تعالى: "في نفع مباح"، وقوله "فيه نفع مباح" خرج ما لم يكن فيه نفع مباح، يعني لو أن فيه نفع ولكنه ليس بمباح فإنه لا يجوز. يعني مثال ذلك إذا ما جاء في السنن أن رجلًا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن زيت الضفدع وأنه يستشفى به، فهل يجوز استخدامه؟ فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتل الضفدع، فدل ذلك على هذا المعنى أنه لا يجوز فيه البيع والشراء؛ لأنه لا يتوصل إلى ذلك إلا بقتله، وقتل الضفدع لا يجوز. وكما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث ابن عباس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله إذا حرم شيئًا حرم ثمنه»، إن الله إذا حرم شيئًا حرم ثمنه. وهذه قاعدة نبوية، وهو قاعدة: «إن الله إذا حرم شيئًا حرم ثمنه»، وهذا جاء في أمر اليهود حينما أراد بعض الصحابة أن يستفيد من دهون الميتة ونحوها مما لا يحل، فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم وكذلك عن بيعها. قال رحمه الله تعالى: إلا الكلب فإنه لا يجوز بيعه؛ لماذا؟ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ثمن الكلب، كما في الصحيحين من حديث أبي مسعود الأنصاري. وجاء في حديث رافع بن خديج عند الإمام مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ثمن الكلب خبيث»، فدل على أن الكلب لا يجوز بيعه ولا شراؤه. قال: ولا يجب غرمه على متلفه؛ بمعنى لو أن إنسانًا قتل كلبًا فهل يضمن من قتل ذلك الكلب؟ الجواب: لا؛ لماذا؟ لأنه لا ثمن له؛ لأنه لا قيمة له، وإنما تضمن المتلفات ذات القيمة. قال: ولا يجب غرمه على متلفه؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن ثمن الكلب. قال: «من اقتنى كلبًا إلا كلب ماشية أو صيد نقص من عمله كل يوم قيراطان»، وهذا يدلنا على أن اقتناء الكلب الأصل فيه هل هو المشروعية أو عدم المشروعية؟ الأصل عدم المشروعية إلا لاقتناء لأجل أن يكون ذلك الكلب كلب ماشية، أي حارسًا على ماشيته، أو كان كلب صيد، فإن هذا لا بأس به، لكن من غير بيع ولا شراء. قال رحمه الله تعالى: ولا يجوز بيع ما ليس بمملوك لبائعه إلا بإذن مالكه، كأن يأذن المالك لإنسان ببيعه، كوكيل مثلًا، يقول له: بع هذه الدار، أو بع هذه السلعة، وما شابه ذلك. فهذا مباح، وهذا جائز، وهذا من باب الوكالة ونحوها. وقوله رحمه الله تعالى: أو ولاية عليه، كولاية على أيتام مثلًا، فإن الولي عليهم له أن يبيع وأن يشتري بأموالهم بما يصلح أموالهم. فالبيع والشراء جائز وإن كان البائع والمشتري في ذلك المال ليس مالكًا له، إنما هو ملك لغيره، ولكنه يباح له التصرف فيه بالأصلح. قال رحمه الله تعالى: ولا بيع ما لا نفع فيه، مثل ماذا؟ كالحشرات، لو أن إنسانًا يبيع صراصير أو ذباب أو ما شابه ذلك، ما حكم هذا البيع؟ لا يجوز، ولا يحل؛ لماذا؟ لأنه لا نفع فيه. ويدخل أيضًا في عموم الخبائث، وتقدم معنا الحديث الذي هو قاعدة في هذا الباب: «إن الله إذا حرم شيئًا حرم ثمنه». قال رحمه الله تعالى: وما نَفْعُهُ مُحَرَّمٌ، أي فيه نفع ولكن نفعه محرم، ما حكم البيع والشراء؟ قال: «ولا ما نَفْعُهُ مُحَرَّمٌ كَالْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ»، أي لا يجوز هذا النوع من البيع إن كان فيه نفعًا؛ لماذا؟ لأنه نفع محرم؛ لأن الخمر محرم، وكذلك الميتة محرمة. والله تبارك وتعالى إذا حرم شيئًا حرم ثمنه، هذه قاعدة استصحبها. قال رحمه الله تعالى: ولا بيع معدوم، المعدوم الذي ليس بموجود، وهو في حكم موجود. هذا يسمى ماذا؟ معدومًا، كالذي تحمل أمته أو شجرته، يعني لو أن إنسان جاء إلى إنسان فقال له: أبيعك ما تلده أمتي وهي بعد حامل، أو ما تخرجه شجرته وشجرة لم تثمر بعد، هذا يسمى بيع ماذا؟ بيع معدوم، شيء معدوم ليس بموجود. أو يقول له: أبيعك ما تلده ناقة، وناقته بعد ما حملت، فمثل هذا لا يجوز؛ لأنه بيع معدوم، فيدخل في قاعدة ماذا؟ في قاعدة بيع الغرر. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول -كما جاء في حديث أبي هريرة عند مسلم وغيره-: «نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر»، ومعنى بيع الغرر: أي بيع المجهول، بيع المجهول جهالة. فكل بيع مجهول عينه أو وصفه فهو يدخل في بيع الغرر، وله أمثلة كثيرة. قال رحمه الله تعالى: ولا بيع مجهول، والمجهول هو الذي قد يكون موجودًا ولكنه مجهول الوصف. قال رحمه الله تعالى: كالحمل، ما الفرق بين الأول والثاني؟ الحالة الأولى يقول: أبيعك ما في بطن ناقة، وناقة لم تحمل بعد، هذا معدوم. الثاني يقول: أبيعك ما في بطن ناقة، وناقة حيامل، هذا مجهول. والأول مجهول. وكلاهما منهي عنه؛ لأن الصورتين داخلتان في بيوع الغرر، في بيوع الجهالة. فلو أن إنسان قال لإنسان: انظر إلى ناقة وهي حامل الآن، أبيعك ما في بطنها، ما حكم هذا البيع؟ هذا البيع محرم، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع حَبَلِ الحَبَلَة، وله صور ستأتي بإذن الله جل وعلا، وهو داخل في بيع الغرر؛ لماذا؟ لأن ما في بطن ناقته قد يخرج سليمًا، وقد يخرج غير سليم، وقد يخرج واحدًا، وقد يخرج اثنين، وقد يكون ذكرًا، وقد يكون أنثى، هذه كلها أوصاف مجهولة. قال رحمه الله تعالى: والغائب الذي لم يوصف، الغائب الذي لم يوصف، شيء غائب يقول له مثلًا: عندي ناقة تشتريها؟ أين ناقتك؟ ناقتي في القرية الفلانية، تشتريها مني؟ وهو ما يعرفها ولا وصفها له واضح. فهل له أن يشتري منه؟ الجواب: لا. قال: ولا معجوز عن تسليمه، كذلك من البيوع المنهي عنها المعجوز عن تسليمه، قال: كالآبق، ما معنى الآبق؟ الآبق: أي العبد الهارب، عبد هرب عن سيده، لا يدري أين ذهب. يأتي إلى إنسان يقول له: تعرف عبدي؟ يقول له: نعم، يقول له: قد أبق عليَّ هرب، قيمته مئة درهم، لكن بسبب أنه أبق سأبيعه لك بخمسين درهمًا، ما حكم هذا البيع؟ هذا البيع لا يصح؛ لماذا؟ لأنه بيع معجوز عن تسليمه. قال: والشارد، كذلك والطير في الهواء، يعني إنسان يكون صياد مثلًا يرى طيرًا في السماء يمر عليه إنسان يقول له: تشتري مني هذا الطير بمئة درهم في السماء، ما حكم هذا البيع؟ لا يجوز؛ لماذا؟ لأنه ليس في حكم المقبوض، بل هو كما ذكر معجوز عن تسليمه. قال رحمه الله تعالى: ولا بيع المغصوب إلا لغاصبه، ما معنى بيع المغصوب؟ إنسان ضعيف مسكين جاء إنسان عنده قوة وسلطة أخذ أرضه، هل لصاحب الأرض أن يبيع أرضه على غيره وهو مغصوب؟ الجواب: لا. إلا في حالة ما هي هذه الحالة؟ أن يكون المشتري ذا قوة، فيستطيع استخراجها من يدي ذلك الغاصب. قالوا: ها هنا له أن يبيعه؛ لماذا؟ لأن المشتري له قدرة على الاستخراج، فيكون الاستخراج مقابل ماذا؟ مقابل التخفيض في القيمة. وأيضًا قالوا: إلا أن يبيعه لغاصبه، يعني يأتي صاحب الأرض يرجع إلى الغاصب يقول له: اتق الله، تأكلها حرام، أنا سأبيعها، تريدها سأبيعها لك بطيبة نفس، ما حكم هذا البيع؟ جائز؛ لماذا؟ لأنه مقدور على تسليمه، بل هو في يد الغاصب. قال رحمه الله تعالى: ولا بيع غير معين، قال: كعبد من عبيده، يعني إنسان يكون عنده عشر عبيد مثلًا مختلفون، أحدهم أبيض والآخر أسمر والآخر أحمر، ومنهم الذكور ومنهم الإناث، فهل له أن يبيع أحد عبيده دون أن يعينه؟ يقول: من يشتري مني عبدًا بمئة درهم، من هذا العبد؟ لا يعرفون من هو، الحكم: هذا لا يجوز؛ لماذا؟ لأنه فيه جهالة. قال: إلا فيما يتساوى أجزاؤه، مثل ماذا؟ قال: كقفيز من صبرة، الصبرة هو الكوم كما يقام من الطعام ونحوه، إنسان عنده بضاعة طعام، سواء من أرز أو بر أو ملح، فيقول: القفيز بدرهم، القفيز: نوع من المكاييل، فهو يقول: القفيز بدرهم، معنى ذلك: أغرف أنت من أمام أو من وسط أو من خلف، هل يؤثر؟ ما يؤثر. ما حكم هذا البيع؟ هذا جائز. إنسان عنده كوم من الملح مثلًا، يقول: الواحد بمئة ريال، ما حكم هذا البيع؟ جائز؛ أنها كلها متساوية. عنده طماطم صلصة نفس النوع كلهم مقاس واحد، حجم واحد، يقول: العلبة بمئة ريال، ما حكم هذا البيع؟ يجوز؛ لماذا؟ لأنه كما قال رحمه الله تعالى: "إلا فيما يتساوى أجزاؤه"، إذا كان كذلك فجائز، وما لا تتساوى أجزاؤه فإنه غير جائز؛ لحصول الغرر فيه. والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم وعلى آله وصحبه أجمعين.