الدرس في كتاب البيع 13، ألقاها
الرهن هو توثيق دين بعين يمكن استيفاؤه منها أو من ثمنها، ويشترط لصحة الرهن أن يكون معلومًا وقابلًا للبيع وأن يتم قبضه.
يشترط القبض لتمام الرهن، ويختلف القبض باختلاف نوع الرهن، والرهن أمانة عند المرتهن ولا يضمن تلفه إلا بتعد أو تفريط.
يتضمن شرح أحكام الرهن مثل ملكية الثمار للراهن ومسؤولية الراهن عن تلف الرهن وإجراءات بيع الرهن عند حلول الدين.
البائع يمنح المشتري خيارًا بين إتمام الصفقة أو إلغائها في حال وجود رهن أو ضمين، ويشرح الإمام ابن قدامة أحكام هذه الحالة.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، ثم أما بعد. قال الإمام موفق الدين أبو محمد ابن قدامة المقدسي رحمه الله تعالى وغفر له في كتابه «عمدة الفقه» في كتاب البيع منه، قال: باب الرهن. الرهن لغةً بمعنى الثبوت والدوام، وشرعًا توثقة دين بعين يمكن استيفاؤها منها أو من ثمنها إن تعذر الاستيفاء من ذمة المدين. والرهن معلوم، كأن يكون إنسان يريد من إنسان دينًا، فيقول له: نعم أعطيك دينًا لكن لا بد أن تأتيني برهن، وهذا الرهن من أجل توثقة المال، أي في حالة عدم إتيانه بذلك الدين عند حلول الأجل، فلصاحب الحق أن يأخذ ذلك الرهن إن كان ثمنه مثل الدين، أو أن يبيعه وأن يستوفي حقه من ذلك الرهن، فهذا هو معنى الرهن، فهو عقد استيثاق، أي يستوثق صاحب الحق لماله بذلك الرهن. قال رحمه الله تعالى: «وكل ما جاز بيعه جاز رهنه وما لا فلا». هذه المسألة الأولى من مسائل هذا الباب، وهي ما هو الذي يصح فيه الرهن وما لا يصح فيه الرهن. يقول الإمام ابن قدامة رحمه الله: «وكل ما جاز بيعه جاز رهنه»، ومعناه أن كل ما لا يجوز بيعه لا يجوز رهنه، يعني مثاله لو أن إنسانًا طلب من إنسان دينًا، فقال له: اعطيني رهنا، فقال له: خذ ولدي هذا رهنًا، هل يصح هذا الرهن؟ لماذا؟ لأنه لا يُباع، فالرهن لا بد أن يكون في شيء يُباع من أجل أن يستوفي صاحب الحق حقه إن لم يأت صاحب الدين بما عليه من المال، إذن الرهن لا بد أن يكون في شيء يُباع. قال رحمه الله تعالى: «ولا يلزم إلا بالقبض». أي متى يثبت الرهن؟ يقول رحمه الله تعالى: لا يثبت إلا بالقبض، يعني مثاله لو أن إنسانًا قال لإنسان: سأعطيك دينًا، قال له: نعم، قال: لكن بشرط أن تعطيني رهنا، قال له: نعم، هات الدين وإن شاء الله أعطيك الرهن، فأخذ الدين وما أعطاه الرهن، ثم طالب بالرهن، فهل في مثل هذه الحالة له أن يطالب بالرهن؟ الجواب أن الراهن لا يصح إلا بالقبض، معناه يقول له: لا أعطيك دينًا حتى تأتيني بالرهن، لقول الله جل وعلا: ﴿فرهان مقبوضة﴾، فلا بد من قبضها. قال رحمه الله: «ولا يلزم إلا بالقبض، وهو نقلهم إن كان منقولًا والتخلية فيما سواه إن كان غير منقول». أي أن القبض إما أن يحصل بنقله إلى صاحب الحق إن كان ذلك الرهن منقولًا كالدواب والذهب والأشياء المنقولة، فكل ما يصلح للنقل فإن القبض فيه يكون بالنقل، وما لم يكن منقولًا كالعقار، فإنه يكون بالتخلية، لأن قبض العقار يكون بالتخلية، أي يقول له: هذا الدار أو هذه الأرض رهن، فيرفع يده ويضع الراهن يده عليها، فحينها تكون تلك الدار أو ذلك العقار رهنا لصاحب الحق. قال رحمه الله تعالى: «وقبض أميني المرتهن يقوم مقام قبضه». هذه مسألة أخرى من مسائل الرهن، وهي لو أن صاحب الدين ما قبض المال مباشرة، لكن أرسل أمينه أو وكيلًا عنه، فقال له: اذهب مع هذا الرجل فخذ منه الرهن وأعطه المال، فإذا قبضه أمينه أو وكيله، فإنه يقوم مقامه في القبض، فالقبض لا يشترط أن يكون مباشرة من صاحب الحق، بل يصح كذلك ممن وكله صاحب الحق. قال رحمه الله تعالى: «والرهن أمانة عند المرتهن أو أمينه لا يضمنه إلا أن يتعدى». هذه كذلك من مسائل الرهن، والرهن عند الفقهاء، وهو الصحيح من أقوال العلماء رحمهم الله تعالى، أن الرهن أمانة، نستفيد من أن الرهن أمانة أنه متى تلف ذلك الرهن بيده المرتهن، فإنه لا ضمان عليه إذا لم يكن بتعد ولا بتفريط، إذا تلف ذلك الرهن عند المرتهن دون إفراط ولا تفريط منه، فإنه لا يكون ضامنا، لماذا؟ لأنه أمين. قال رحمه الله تعالى: «ولا ينتفع بشيء منه». هذا هو الأصل في الرهن، لماذا؟ لما مر معنا من القاعدة السابقة في باب الربويات، وهي أن كل قرض جر نفعًا فهو ربا، إذن الأصل في من طلب رهنًا ليستوثق لماله أن لا ينتفع بذلك الرهن، مثل أعطاه دارًا أو سيارة أو أرضًا، فليس له أن يسكن الدار ولا أن يقود السيارة ولا أن يزرع الأرض، لماذا؟ لأنه إذا فعل ذلك دخل في الربا. قال رحمه الله: «ولينتفع بشيء منه إلا ما كان مركوبًا أو محلوبًا، فيركب ويحلب بقدر العلف». يعني بهذا الاعتبار فيكون ركوبه مقابل إعلافه لتلك الدابة، ويكون حلبه للبنها مقابل كذلك إعلافه لتلك الدابة، فليس هو داخلًا في كل قرض جر نفعًا، لأنه أخذ أو انتفع بمنفعة بمقابل أثبته الشرع. قال رحمه الله تعالى: «وللراهن غنمه من غلته وكسبه ونمائه، لكنه يكون رهنًا معه، وعليه غرمه من مؤنته ومخزن وكفن إن مات». هذه كذلك من مسائل الرهن، يقول الإمام ابن قدامة رحمه الله: «وللراهن غنمه من غلته»، الراهن يعني صاحب الرهن، لو أن الراهن رهن مزرعة مزرعة رهنها قبل مثلا موسم الثمار، أثمرت هذه المزرعة وهي في يد المرتهن، الثمار تكون لمن؟ تكون لمالكها، لأنها ملك له، ثمارها وما خرج منها يكون له. قال رحمه الله تعالى: «وإن أتلفه أو أخرجه من الرهن بعتق أو استيلاد فعليه قيمته تكون رهنا مكانه». يعني لو أن صاحب الرهن أتلف الرهن، أو أعتق عبدًا كان رهنًا، فإنه يضمن قيمته، ويكون ذلك الرهن مثل ذلك الراهن، فإن لم يكن فقيمته، فالقيمة تكون مكان ذلك الرهن. قال رحمه الله تعالى: «وإن جنى عليه غيره فهو الخصم فيه، وما قبض بسببه فهو رهن». أي إن جنى على العبد غير السيد، قال: فهو الخصم فيه، أي أن ذلك العبد هو سيد العبد، يكون خصما في تلك الخصومة، وإذا كان كذلك، فربما يكون سببا لإخراج ذلك العبد من الرهن. قال رحمه الله تعالى: «وإن جنى الرهن فالمجني عليه أحق برقابته، فإن فداه فهو رهن بحاله». بمعنى إن جنى الرهن أي عبد جنى في جناية تستوجب ذلك العبد قيمة لتلك الجناية، قال: فالمجني عليه أحق برقابة العبد من السيد ومن المرتهن، فيأخذ ذلك العبد، فإن فداه سيده، فهو رهن يبقى على حاله الأولى. قال: «وإذا حل الدين فلم يوفه الراهن بيع ووفى الحق من ثمنه وباقي للراهن». يعني إذا حل الدين مثلا، قال له: في تاريخ كذا أريد مالي، حل الأجل وحل وقت قضاء الدين، ومع هذا لم يوفه حقه ودين، فماذا يصنع؟ يبيع الرهن، فيبيع الراهن، فيأخذ حقه، وما زاد على حقه رده على صاحبه. قال: «وإذا شرط الرهن أو الضمين في بيع فأبى الراهن أن يسلمه أو أبى الضمين أن يضمن خير البائع بين الفسخ أو إقامته بلا رهن ولا ضمين». طيب هذه مسألة، يقول: وإذا شرط الرهن أو الضمين في بيع، يعني يقول لهم: تبيعني هذه الدار بكذا وكذا، لمدة سنة، أي مدة سنة سأعطيك مالك، فيقول: نعم، لكن أريد رهنا أو بشرط أن تأتيني برهن أو بشرط أن تأتيني بضمين، فيقول: نعم، ثم يأبى، يقول: لو ما أعطيك، ما عندي رهن أو يأتي بضمين، فيقول: ضمين، أنا ما أضمن هذا، فما الحكم ها هنا؟ يقول الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى: خير البائع بين الفسخ أو إقامته بلا رهن ولا ضمين، أي قال البائع: إن شئت أتممت البيع بلا رهن ولا ضمين، وإن شئت فسخت البيع. وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم وعلى آله وصحبه أجمعين.