الدرس في التبيان في آداب حملة القرآن 64، ألقاها
النووي يرى جواز قراءة آية السجدة للإمام في الصلاة السرية والجهرية، مع سجود في السرية فقط. هناك خلاف بين العلماء حول كراهة قراءتها.
هناك خلاف حول كراهة سجود التلاوة في أوقات النهي، وبعض العلماء لا يرون كراهته لعدم وجود نية صلاة. الجمهور يرى عدم جواز استبداله بالركوع.
المقطع ينتهي بالصلاة على النبي وآله وصحبه، والدعاء لهم بالسلام والبركة.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال النووي رحمه الله تعالى في كتاب التبيان في آداب حملة القرآن: «فصل في عدم ارتباط سجود المستمع بسجود القارئ». قال: إذا سجد المستمع مع القارئ لا يرتبط به، ولا ينوي الاقتداء به، وله الرفع من السجود قبله. وهذا يحمل على ما كان قبل الصلاة، أي خارج الصلاة. أما إذا كان في الصلاة فإنه يتابع إمامه، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فلا يسابقه لا في الهوي إلى السجود ولا في الرفع من السجود». قال رحمه الله تعالى: «فصل في حكم قراءة آية السجدة للإمام». قال: لا تكره قراءة آية السجدة للإمام عندنا، سواء كانت الصلاة سرية أو جهرية، ويسجد متى قرأها. وقال مالك: يكره ذلك مطلقًا. وقال أبو حنيفة وأحمد: يكره في السرية دون الجهرية. والأظهر -والله أعلى وأعلم- أن من حيث الجواز، أي القراءة، يقرأها سواء كان في السرية أو في الجهرية. أما السجود بها، فإنه يسجد في السرية، وهذا لا إشكال فيه. أما في الجهرية، فإنه لا يسجد؛ لأنه يشوش على من خلفه. بمعنى أن الإمام إذا قرأ آية فيها سجدة في صلاة سرية كالظهر أو العصر، فلا يسجد؛ لأنه إذا سجد سيحصل تشويش لمن خلفه. وإذا كان كذلك فلا يفعل ذلك؛ لأنه يترتب عليه مفسدة، وهي تشويش الصلاة على من خلفه الإمام؛ لأنهم قد يظنون بأنه سهى، فيقولون: سبحان الله، سبحان الله، حتى يقوم. ثم إذا ركع سيكون في الصلاة إشكال. وإذا سلم ينتظرون سجوده للسهو. فالحاصل أنه لا يفعل إذا كان في صلاة سرية. لكن إذا كان في صلاة جهرية فله أن يقرأ وله أن يسجد، هذا هو الصواب، والله أعلى وأعلم. قال: «فصل في حكم سجود التلاوة في الأوقات المنهية عنها». وهي خمسة أوقات: الأول بعد طلوع الفجر، والثاني عند طلوع الشمس، والثالث عند ارتفاع الشمس في كبد السماء، والرابع بعد صلاة العصر، والخامس عند غروب الشمس. وثلاثة منها الكراهة فيها شديدة؛ بل نص غير واحد من أهل العلم على أنها محرمة، أي أوقات منهي عنها، أي تحرم الصلاة فيها لغير حاجة، وهي عند طلوع الشمس، وعند ارتفاعها في كبد السماء قبل الزوال بقليل، وكذلك عند غروبها. فهذه أوقات النهي. والوقتان الآخران كذلك من أوقات النهي، إلا أن الكراهة فيهما دون الكراهة في المواضع الثلاثة السابقة. فها هنا مسألة أشار إليها النووي رحمه الله تعالى، وذكرها، وهي: ما حكم سجود تلاوة آية فيها سجدة والسجود فيها في أوقات الكراهة؟ يقول رحمه الله تعالى: لا يكره عندنا سجود التلاوة في الأوقات التي نهي عن الصلاة فيها. قال: وبه قال الشعبي، والحسن البصري، وسالم بن عبد الله، والقاسم، وعطاء، وعكرمة، وأبو حنيفة، وأصحاب الرأي، ومالك في إحدى الروايتين. وكره ذلك طائفة من العلماء، منهم عبد الله بن عمر، وسعيد بن المسيب، ومالك في الرواية الأخرى، وإسحاق بن راهويه، وأبو ثور أيضًا. هذه مسألة من المسائل: إذا قرأ إنسان آية فيها سجدة في أوقات النهي، فهل يسجد؟ يستحب له السجود أو لا؟ هل يستحب له السجود أم لا؟ من كره نظر إلى عموم النهي، ومن نهى عن ذلك وكره ذلك نظر إلى عموم النهي في الصلاة، قالوا: وهو كذلك في السجود؛ لأن المقصود من النهي في الصلاة السجود. قالوا: وهو كذلك، أي المعنى موجود في سجود التلاوة؛ فلذا كره ذلك. ومن قال بالجواز نظر إلى المسألة بمنظار آخر، وهو أن الصلاة ذوات الأسباب تجوز ولو كان في أوقات النهي، فالسجود كذلك يعتبر من ذوات الأسباب؛ لأنه سجود لسبب. فقالوا بالجواز نظرًا لهذا المعنى. وكلا القولين -كما ترون- له وجه واعتبار، ولكن لا شك ولا ريب أن ترك ذلك أولى؛ لأن السجود مستحب، وذلك الوقت وقت نهي، فالأولى أن لا يسجد. ومن سجد لا ينكر عليه. الأولى أن لا يسجد؛ أي بمعنى لو أن إنسانًا قبل المغرب أو قبل طلوع الشمس قرأ آية فيها سجدة، قبل طلوع الشمس في الفجر أو قبل غروب الشمس في المغرب، قبل المغرب بقليل، قرأ آية فيها سجدة، فهل يستحب له السجود؟ نقول: أولى أن لا يسجد؛ لأن الأوقات أوقات نهي، والسجود مستحب، فيقدم جانب الحاضر في مثل هذا، والله أعلم. قال رحمه الله تعالى: «فصل في حكم قيام الركوع مقام سجود التلاوة». بمعنى: هل لمن قرأ آية فيها سجدة أن يركع بدلًا من أن يسجد؟ قال النووي رحمه الله: لا يقوم الركوع مقام سجدة التلاوة في حال الاختيار، أي بخلاف حال الاضطرار. الاختيار: أن يكون قادرًا على السجود. وفي حال الاضطرار: أن لا يكون قادرًا على السجود. قال: لا يقوم الركوع مقام سجدة التلاوة في حال الاختيار، هذا مذهبنا ومذهب جماهير العلماء من السلف والخلف. وقال أبو حنيفة رحمه الله: يقوم مقامه. ودليل الجمهور القياس على سجود الصلاة. وأما العاجز عن السجود فيومئ إليه كما يومئ بسجود الصلاة كما تقدم؛ بمعنى أن في حال الاختيار لا يصح، وفي حال الاضطرار يصح. كأمر الصلاة، الأصل في الصلاة أن يسجد وأن يمكن جبهته من الأرض، لكن إذا لم يكن يستطيع السجود فإنه ينحني ما استطاع. ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، والله جل وعلا يقول: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾. هذا هو حكم هذه المسألة، والله أعلم. وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم، وعلى آله وصحبه أجمعين.