الدرس في التبيان في آداب حملة القرآن 32، ألقاها
يؤكد الإمام النووي على أهمية تعاهد القرآن وعدم نسيانه، حيث يشبه النبي حفظ القرآن بحفظ الإبل المعقلة التي إن لم تعاهد ذهبت. يشدد على ضرورة تكرار قراءة القرآن وتعهده.
يفسر المقطع معنى نسيان القرآن وهجره، حيث يشمل نسيان حفظه وترك العمل بمقتضاه. يبين أن كلا المعنيين يدخل في هجر القرآن الذي نهى الله عنه.
يتضمن الدعاء بالصلاة والسلام على النبي محمد وعلى آله وصحبه، معبرًا عن التبجيل والتقدير للنبي وأتباعه. يمثل الختام الصيغة التقليدية المستخدمة في نهاية النصوص الدينية.
بسم الله الرحمن الرحيم. والحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادئ له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في كتابه «التبيان في آداب حملة القرآن»: قال فصل في الأمر بتعهد القرآن والتحذير من تعريضه للنسيان. قال رحمه الله: ثبت عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «تعاهد القرآن، فوالذي نفس محمد بيده لهو أشد تفلتًا من الإبل في عقولها». رواه البخاري ومسلم. قال: وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إنما مثل صاحب القرآن كمثل صاحب الإبل المعلقة، إن عاهد عليها أمسكها، وإن أطلقها ذهبت». قال: رواه البخاري ومسلم. في النسخة الأخرى عندهم: «المعقلة». هذا هو الصواب؛ يعني في نسختنا: «المعلقة»، ما يستقيم الكلام. فالصواب: «إنما مثل صاحب القرآن كمثل صاحب الإبل المعقلة»، أي التي عُقلت، إن عاهد عليها أمسكها، وإن أطلقها ذهبت. رواه البخاري ومسلم. قال: وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عُرضت علي أجور أمتي حتى القذاة يخرجها الرجل من المسجد، وعُرضت علي ذنوب أمتي، فلم أر ذنبًا أعظم من سورة من قرآن أو آية أوتيها رجل ثم نسيها». رواه أبو داود والترمذي، وتُكلم فيه؛ أي أن هذا الحديث متكلم فيه، وهو كما قال رحمه الله تعالى: فإنه لا يصح، هذا الحديث ضعيف. قال: وعن سعد بن عبادة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من قرأ القرآن ثم نسيه لقي الله عز وجل يوم القيامة وهو أجذم». والحديث رواه أبو داود والدارمي، وكذلك هو حديث ضعيف. وهذه الأحاديث التي ساقها الإمام النووي رحمه الله تعالى: الحديث الأول فيه بيان الأمر بتعاهد القرآن، ومعنى التعاهد: أي أن ينظر فيه، وأن يقرأه، وأن يكرر تلاوته بحيث لا يتفلت عليه القرآن. لأن القرآن كما ذكر في الحديث: «أشد تفلتًا»؛ لأن القرآن كما قال بعض العلماء: حفظه ثقيل، كما قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾. ولكن الله جل وعلا أعان من عمل على حفظه وعلى تذكره، وعلى كذلك العمل بمقتضاه، أعانه على حفظه. قال الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾، وقال جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾. أي: من كان مدكرًا مذاكرًا للقرآن، معاهدًا للقرآن، تاليًا للقرآن، فإن الله جل وعلا يسر عليه حفظ القرآن وجمعه. ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾؛ أي: الله جل وعلا يعهد بجمعه وقرآنه، ولا سيما لمن عمل بمقتضى ذلك؛ أي: عاهد القرآن وتعاهده، وقرأه، وقام به آناء الليل والنهار. وإلا كما سمعتم، فإن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «تعاهد القرآن». وهذا أمر، «فوالذي نفسه محمد بيده له أشد تفلتًا»؛ أي: أن من ترك القرآن فلم يتعاهد القرآن، ولم يحفظ، ولم يراجع، ولم ينظر في القرآن بعد أن يحفظه، فإنه يتفلت. حتى قال بعض الأئمة: لا ينبغي لمن حفظ القرآن أن يتركه أربعين يومًا لا يتعاهده؛ أي: أنه أقل شيء أن يتعاهد القرآن كل أربعين يومًا. كما روي ذلك عن إمام الأوزاعي رحمه الله. ومر معنا أن الأخيار من السلف الصالح منهم من كان يقرأ القرآن في ليلة، في يوم، في ثلاث، في خمس، في سبع، في عشر، في خمسة عشر، في شهر، إلى غير ذلك مما تقدم ذكره في الفصل السابق. فالحاصل: أن القرآن ينبغي أن يتعاهد، أن يقرأ، وأن يتعاهد في النظر إليه وتكرار حفظه وتلاوته والعمل بمقتضاه. قال: رواه البخاري ومسلم. وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: «إنما مثل صاحب القرآن كمثل صاحب الإبل المعقلة، إن عاهد عليها أمسكها، وإن أطلقها ذهبت». صاحب الإبل إن كان يعقل إبله يمسكها فلا تتفلت عليه، وأما إذا تركها من غير عقال ذهبت وشردت وفرت، وهذه عادة الإبل. فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: القرآن أشد تفلتًا من الإبل إذا تركت من غير عقال. كذلك القرآن إذا ترك من غير تعاهد ونظر وتلاوة بين الوقت والآخر ذهب ونسي. وفي حديث أنس وسعد بن عبادة يعني ما فيها من ذكر الذنب الشديد لمن ترك القرآن حتى نسيه. وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى أن يقول الإنسان في القرآن أنه نسيه، قال: «ولكن ليقل: أنسيته». ولكن ليقل: أنسيته. وقد حمل بعض أهل العلم هذا المعنى -أي نسيان القرآن- منهم من حمله على معنى نسيان حفظه بعد أن حفظه، ومنهم من حمله على أن معنى النسيان هاهنا معنى ترك العمل بمقتضاه. وهذا الذي ذهب إليه الإمام سفيان بن عيينة رحمه الله، قال: إذ لا يصح أن يقال بأن النسيان مجرد الذهول عن شيء من القرآن؛ فإن هذا يعتري كل أحد. بل نبينا صلى الله عليه وسلم مرة برجل مرة فقال: «لقد ذكرني هذا آية نسيتها». فهذا من هذا الباب. فيقول سفيان رحمه الله تعالى: أن المراد بالنسيان المذموم هو نسيان الذي هو بمعنى ترك العمل بمقتضى القرآن. ومنه قول الله جل وعلا: ﴿وَنَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾؛ أي: تركوا العمل بطاعة الله، فترك مجازاتهم برحمته جل وعلا. فهذا من هذا الباب. وذهب آخرون إلى أن المراد بالنسيان نسيان حفظ القرآن بعد أن حفظ. وذكر من أهل العلم آثارًا في ذلك، منها ما جاء عن أبي العالية، وجاء نحوه كذلك عن ابن سيرين رحمه الله تعالى: أنهم كانوا يكرهون الرجل يحفظ القرآن ثم ينساه، وكانوا يرون أن من كان هذا حاله أنه قد وقع منه أمر عظيم؛ حتى إنه نسي القرآن. والظاهر -والله أعلى وأعلم- أن كلا المعنيين صحيح؛ أن كلا المعنيين صحيح. فيدخل في نسيان القرآن نسيان تلاوته وحفظه، وكذلك نسيان العمل بمقتضاه، وهو كله داخل في هجر القرآن الذي قال الله جل وعلا فيه: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾. فهذا من هجر القرآن: هجر تلاوته، هجر حفظه، هجر العمل بمقتضاه، هجر تدبره، هجر تعقل معانيه، إلى غير ذلك. هذا كله من نسيان القرآن ومن هجره. نسأل الله تبارك وتعالى العفو والعافية والسلامة، إنه قريب مجيب. وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم، وعلى آله وصحبه أجمعين.