شرح كتاب الإيمان لأبي عبيد 2

الدرس في شرح كتاب الإيمان لأبي عبيد 2، ألقاها

التدرج في تشريع الإيمان وفرائضه

يتحدث الإمام أبو عبيد عن تدرج الله في تشريع الإيمان وفرائضه، بدءًا من التوحيد ثم الصلاة وأخيرًا الزكاة، مستدلًا بآيات القرآن. يُبرز حكمة الله وراء هذا التدرج مراعاةً لحال الناس في الانتقال من الجاهلية إلى الإسلام.

أحكام مانع الزكاة ودليلها من السنة

يتناول المقطع حكم مانع الزكاة، ويفرق بين مانع الزكاة جاحدًا لوجوبها وبين مانعها بخلًا، ويستدل على ذلك بأدلة من السنة النبوية وآثار الصحابة، ويشرح موقف شيخ الإسلام ابن تيمية.

مفهوم الإيمان وزيادته ونقصانه من القرآن والسنة

يشرح المقطع مفهوم الإيمان وزيادته ونقصانه مستندًا إلى الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، مشيرًا إلى أن الإيمان يشمل الأعمال الظاهرة، ويستدل على ذلك من القرآن مثل قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾، ومن السنة بأحاديث متعددة.

سند الحديث النبوي ورواته

يذكر المقطع سلسلة الرواة لسند حديث نبوي عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم، حيث يروي أبو عبيد الحديث بسلسلة رواة تبدأ بإسحاق بن سليمان الرازي وتنتهي بالنبي صلى الله عليه وسلم.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم قال الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام رحمه الله تعالى: الإيمان والشهيد على أن الصلاة من الإيمان قول الله عز وجل: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾. ونزلت في الذين توفوا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم على الصلاة إلى بيت المقدس، فسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية. فأي شهيد يلتمس على أن الصلاة من الإيمان بعد هذه الآية؟ قال: فلبثوا بذلك برهة من دهرهم، فلما أقدموا إلى الصلاة مسارعة وانشرحت لها صدورهم، أنزل الله فرض الزكاة في إيمانهم إلى ما قبلها. فقال: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾، وقال: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾. فلو أنهم ممتنعون من الزكاة عند الإقرار، وأعطوها ذلك بالألسنة، وأقاموا الصلاة، غير أنهم ممتنعون من الزكاة، كان ذلك مزيلا لما قبله وناقضا للإقرار والصلاة، كما كان إيثاء الصلاة قبل ذلك ناقضا لما تقدم من الإقرار. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعود بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، الإمام أبو عبيد القاسم رحمه الله تعالى يتدرج مع السائل في مسائل الإيمان، وأن الإيمان فرضه الله جل وعلا شرعها الله جل وعلا شيئا فشيئا. فأول ما فرضه التوحيد الذي سماه رحمه الله تعالى الإقرار، الإقرار بماذا؟ بالشهادتين. ثم قال رحمه الله تعالى: بعد ذلك فرض عليهم الصلاة، فلما صلوا واستجابوا وآمنوا وأقروا، فرض عليهم ربنا تبارك وتعالى بعد ذلك الزكاة. فهذا سمى تدرجا في التشريع، تدرجا في ماذا؟ في التشريع. وقد ذكر العلة في ذلك التدرج أنها من رحمة الله تبارك وتعالى ومن حكمته، إذ أن الناس في أول عهد كانوا حديث عهد بماذا؟ بشرك وجاهلية. فلو جاءت العبادة مباشرة والفرائض مباشرة لم استطاعوا أن يتقبلوها، لكن جاءهم شيئا فشيئا. فهذه من حكمة الله تبارك وتعالى ورحمته بعباده أن أنزل عليهم فرائض الإيمان وشرائع الإيمان شيئا فشيئا، فتقبلوها. قال: أنزل الله فرض الزكاة في إيمانهم إلى ما قبلها، أي إلى الإقرار، إلى الشهادة، وإلى الصلاة. أول شيء الشهادة، أضاف إليها ماذا؟ الصلاة، الصلاة من الإيمان أم لا؟ الجواب: نعم. استدل على ذلك بقول الله جل وعلا: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾. وقال: لو أنهم افتوا بالإقرار الأول وأبوا الإيمان بالصلاة، نقض الآخر الأول. ثم انتقل إلى الزكاة، قال: بعد أن أقر بالشهادتين وأدوا الصلاة، فرض عليهم ماذا؟ من فرائض الإيمان وشرع الإيمان الزكاة. وذكر الآية: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾، ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾. ثم قال رحمه الله: فلو أنهم ممتنعون من الزكاة عند الإقرار، وأعطوه ذلك بالألسنة، وأقاموا الصلاة، غير أنهم ممتنعون من الزكاة، كان ذلك مزيلا لما قبله وناقضا للإقرار والصلاة. كما كان إيثاء الصلاة قبل ذلك ناقضا لما تقدم الإقرار. قال رحمه الله تعالى: والمصدق لهذا جهاد أبي بكر الصديق رضي الله عنه بالمهاجرين والأنصار على منع العرب الزكاة، كجهاد رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل الشرك، سواء. لا فرق بينهما في سفك الدماء وسبي الذرية واغتنام المال، فإنما كانوا مانعين لها غير جاحدين بها. قوله رحمه الله تعالى: والمصدق لهذا، أي والبرهان لهذا، والمبين لهذا، لهذا الأمر أن من امتنع بالقلب، واضح. امتنع أي لم يقبل فريضة الزكاة، ولو تظاهر بماذا؟ بأدائها، قلبه ممتنع. ما حكمه؟ يقول: هذا كافر. لماذا كافر؟ استدل على ذلك بماذا؟ بفعل أبي بكر والصحابة في حرب المرتدين. أولا مسألة الزكاة، ما حكم الزكاة؟ واجبة من الواجبات، وفرض من فرائض الإسلام. من أنكرها؟ من جحدها؟ صار ماذا؟ صار كافر. واضح، وهذا محل اتفاق. طيب من تركها؟ بخلا، يعني ما زكى؟ بخلا إنسان بخيل عنده أموال، لكن ما يزكي. ما حكم الزكاة؟ الزكاة من فرائض الإسلام، لا علّة، لكنه بخيل يحب المال حبا جما. ما حكم هذا؟ هذا مؤمن فاسق. يدل على هذا ما جاء في صحيح مسلم، حديث أبي هريرة، وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم ما ذكر في مانعي زكاة، وذكر منهم ماذا؟ أنهم يعذبون بمالهم. قال: ثم ماذا؟ ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار. يدل على أنه مؤمن، أو كافر، على أنه مؤمن عاصي، هو داخل تحت مشيئة الله تبارك وتعالى. فدل هذا على أن من مانع الزكاة بخلا، هذا مؤمن، بدليل حديث أبي هريرة صحيح مسلم. بقي كما يقال: صنف ثالث بين الجاحد وبين المانع بخلا. وهذا هو الذي وقع فيه خلاف ونزاع، هل هو مؤمن أو كافر؟ من هو هذا الصنف؟ ومن هو هذا النوع؟ هذا الصنف، وهذا النوع هو من منع الزكاة لا جحودا، كما ذكر رحمه الله تعالى. في الظاهر يقولون: ما جحدها، ولكن منعها، وقاتل دونها، دون إعطائها، قاتل دونها. فمثل هذا هل يغفر أم لا؟ واضح. رجل عنده قبيلة، سيد أو أمير بلدة، وكلهم يطيعونه، فاتفقوا على منع الزكاة، على معطائها للمستحقين. قيل لهم: إما أن تؤدوها وإما أن تقاتلوا. قالوا: نقاتل. فخرج أمامهم الجيش العظيم: إما أن تؤدوها وإما أن نقتلكم. قالوا: نقاتل ولا ندفع لكم شيئا، لا نعطيكم شيئا. واضح، هذه المسألة هي التي وقع فيها ماذا؟ الإشكال. هل هؤلاء بمنعهم وقتالهم على المنع صاروا كفارا مرتدين أم لا؟ شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى ينقل اتفاق الصحابة كما نقلوا هاهنا أبو عبيد القاسم رضي الله عنهم ورحمهم الله تعالى جميعا على أن أولئك مرتدون. لماذا؟ لأن منعهم يدل على ماذا؟ على جحودهم، وإن ادعوا أنهم غير جاحدين. واضح، منعهم يدل على جحودهم، وإن ادعوا أنهم غير جاحدين، إذ العبرة بماذا؟ بالأفعال أو بماذا؟ بالأقوال. بالأفعال. قال رحمه الله: ثم كذلك كانت شرائع الإسلام كلها، كلما نزلت شريعة صارت مضافة إلى ما قبلها، لاحقة بها، ويشملها جميعا اسم الإيمان. فيقال لأهله: مؤمنون. بمعنى: كلما نزلت شريعة وجب على المؤمن أن يؤمن بها. كلما نزلت شريعة وجب على المؤمن ماذا؟ أن يؤمن بها. الإيمان: يقر، يصدق بأنها من الإيمان. ثم هل يجب أن يعملها؟ لا يجب أن يعملها إذا تركها تكاسلا. إذا تركها تفاصيل، لكن من حيث الإيمان يجب عليه أن يؤمن بأنها ماذا؟ بأنها من الإيمان. لأن حقيقة الإيمان بالله تبارك وتعالى ما هو؟ الإيمان بالله بأسمائه وصفاته تبارك وتعالى، بإلهيته وبروبيته. ومن إلهيته أن يعبد الله تبارك وتعالى بماذا؟ بما شرعه. وكذلك الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم ما معنى الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم؟ بما أخبر، تصديقه فيما أخبر، وطاعة فيما أمر ونهى. صلى الله عليه وسلم، الإيمان بالقرآن ما هو؟ بالكتب السماوية منها القرآن، أن تؤمن بالقرآن بأنه من عند الله. وتؤمن كذلك بأن ما جاء بالقرآن هو ماذا؟ بأنه حق. وكذلك قلت بقية أمور الإيمان. فمسألة الإيمان أي تؤمن بأنها حق وأنها من عند الله تبارك وتعالى، فتصدق وتقر وتذعن لذلك الأمر. واضح، هذا لا بد منه. ثم العمل الظاهر هذا أمر آخر. قال رحمه الله: وهذا هو الموضع الذي غلط فيه من ذهب إلى أن الإيمان بالقول. لما سمعوا تسمية الله إياهم مؤمنين، أوجبوا لهم الإيمان كله بكماله. كما غلطوا في تأويل حديث النبي صلى الله عليه وسلم حين سئل عن الإيمان ما هو؟ فقال: «أن تؤمن بالله وكذا وكذا». وحين سأله الذي عليه رقبة مؤمنة عن عتق العجمية، فأمر بعتقها وسماها مؤمنة. قال: إذن الإيمان يدل بماذا؟ على أن من العلم أن الله في السماء، وأن النبي صلى الله عليه وسلم هو مؤمن، ولو لم يصلي، ولو إلى آخر ذلك. إذن الأعمال عندهم أي عند هؤلاء الطائفة الأخرى، أي مرجئة الفقهاء، وبنو باب الأولى المرجئة المحضة، عندهم أن الأعمال ليست من ماذا؟ ليست من الإيمان. قال رحمه الله: فمن الكتاب قوله: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾. فهذا يدل على ماذا؟ على أن الإيمان يزيد وينقص. أما الزيادة فواضح: ﴿فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾. وأما النقص فمن أين أخذناه؟ من مفهوم الآية. قال رحمه الله: وقوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾. في مواضع من القرآن مثل هذا. أفلست ترى أن الله تبارك وتعالى لم ينزل عليهم الإيمان جملة كما لم ينزل القرآن جملة؟ فهذه الحجة من الكتاب. فلو كان الإيمان مكملا بذلك الإقرار، الإقرار أي بالشهادتين أولا. إذا كان كاملا بشهادة أولا، محتاج إلى ماذا؟ إلى إكمال. والآيات القرآنية تدل على ماذا؟ على أنه ما زال ماذا؟ يكمل. قال رحمه الله: وأما الحجة من السنة والآثار المتواترة في هذا المعنى من زيادات قواعد الإيمان بعضها بعد بعض. ففي حديث منها أربع، وفي آخر خمس، وفي الثالث تسع، وفي الرابع أكثر من ذلك. فمن الأربع حديث بن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أن وفد عبد القيس قدم عليه. فقالوا: يا رسول الله، إن هذا الحي من ربيعة، وقد حالت بيننا وبينك كفار مضر، فلسنا نخلص إلا في شهر حرام. فمرنا بأمر نعمل به وندعو إليه من وراءنا. فقال: «آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع: الإيمان بالله وحده، شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وأن تؤدوا خمس ما غنمتم». هذه كله سماها النبي صلى الله عليه وسلم ماذا؟ إيمانا. قال أبو عبيد: حدثنا عباد بن عباد المهلبي، قال: حدثنا أبو جمرة عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم بذلك. ومن الخمس حديث ابن عمر أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت». قال أبو عبيد: حدثنا إسحاق بن سليمان الرازي عن حنظلة بن أبي سفيان عن عكرمة بن خالد عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم بذلك. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على