الدرس في كتاب الأذكار والدعوات وغيرها 1، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يبيّن المقطع أن الأذكار والأدعية هي أفضل العبادات اللسانية بعد تلاوة القرآن، مستدلاً بآيات تحث على ذكر الله في جميع الأحوال. ويؤكد حديث قدسي أن الله مع العبد حين يذكره، مما يمنح الذاكر معية خاصة وعناية ربانية.
يفصل المقطع نوعي معية الله العامة والخاصة، ويشترط تحريك اللسان والشفتين في الذكر والقراءة لتحقيقها. ويستعرض فضائل مجالس الذكر من حفاف الملائكة، وغشيان الرحمة، ونزول السكينة، وذكر الله لأهلها في الملأ الأعلى.
يحث المقطع على إعمار المجالس بذكر الله والصلاة على النبي، محذراً من عاقبة الغفلة حيث شبه المجلس الخالي من الذكر بجيفة الحمار. ويبين أن الذكر أسهل العبادات على اللسان، فاغتنامه يرفع الدرجات ويجنب الندم يوم القيامة.
يختتم المتحدث الدرس بدعاء أن يجعل الله العلم النافع حجة له لا عليه، ويطلب المغفرة والقبول. ويختم بالصلاة والسلام على النبي محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: قال أبو قدامة المقدسي رحمه الله - ابن قدامة المقدسي رحمه الله - في كتابه "مختصر من هاج القاصدين": كتاب الأذكار والدعوات وغيرها. والمراد بالأذكار: الأذعية والأوراد التي يذكر بها ربنا سبحانه وتعالى. وسيبين المؤلف أنه يريد بالأذكار هنا ما يكون بعد تلاوة القرآن. فقد تقدم الكلام على فضل تلاوة القرآن، فالقرآن من ذكر الله، بل هو من أعظم الذكر، كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾ [الحجر: 9]، أي: القرآن. وإنا له لحافظون. فسماه ربنا عز وجل قرآناً. ويريد بالدعوات: الدعاء الذي يدعو به المسلم ربه. فسيبين المؤلف رحمه الله فضل الأذكار والدعوات. قال: "اعلم أنه ليس بعد تلاوة القرآن عبادة تؤدى باللسان أفضل من ذكر الله سبحانه وتعالى، قال: ورفع الحوائج بالأدعية الخالصة إليه تعالى". فهذه أفضل الأذكار بعد القرآن: ذكر الله عز وجل والأدعية. قال: "ويدل على فضل الذكر قوله تعالى: ﴿ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ ﴾ [البقرة: 152]". فالجزاء من جنس العمل، وكلما ذكر العبد ربه كلما ذكره ربه سبحانه وتعالى. فإذا أكثر العبد من ذكر الله عز وجل كان ذكر الله له بقدر هذا الذكر، ويا لها من فضيلة عظيمة أن يذكرك ربك سبحانه وتعالى. قال: ﴿ وَالَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ ﴾ [آل عمران: 191]. وهذا فيه مدح وثناء على الذاكرين الله، فمن صفات أولي الألباب ومن صفات المؤمنين المتقين أنهم يذكرون الله على جميع الأحوال وفي جميع الأوقات. فقال الله عز وجل: ﴿ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ ﴾. ولا يخلو الإنسان من أن يكون على حالة من هذه الحالات: إما أن يكون قائماً، وإما أن يكون قاعداً، وإما أن يكون متكئاً. فالمؤمن الذي يذكر الله على أي أحيانه - كما كان نبينا عليه الصلاة والسلام، كما تخبر عائشة بذلك - كلما كان أقرب إلى الله. الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم، هذا من صفات المؤمنين. فلا يقتصر الذكر على حالة معينة. لا تظن أن الذكر لا يكون إلا في المسجد. لا، أنت في بيتك اذكر الله، أنت في سيارتك اذكر الله، أنت في عملك سواء كان عمل بناء أو عمل هندسة أو طب أو مهنة، كأن تكون صياداً أو فلاحاً أو حداداً أو نحو ذلك. اذكر الله، حتى وإن كنت مفتياً أو مدرساً، اذكر الله عز وجل. فإذا الذكر يكون على جميع الحالات. قال: ﴿ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ ﴾ [الأحزاب: 35]. وهذا أيضاً في معرض الثناء، وذكر الله عز وجل صفات كثيرة يتصف بها أهل الجنة، ومن أعد الله عز وجل لهم مغفرة وأجراً عظيماً. فذكر من هذه الصفات: ﴿ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ﴾. فهذه ثلاث آيات ذكرها المؤلف رحمه الله في فضل الذكر وفي الحث على ذكر الله سبحانه وتعالى. وقد علمت معناها ووجه إيرادها في هذا الباب، وأنها تدل على الترغيب في الإكثار من ذكر الله سبحانه وتعالى. قال: وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الله عز وجل يقول: أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت به شفتاه». وهذا الحديث أخرجه الإمام أحمد وأبو داود والحاكم من حديث أبي هريرة، وذكره الإمام البخاري في كتابه لكنه معلقاً. ولكن صح هذا الحديث في أبي داود وغيره كما ذكر ذلك العلامة الألباني عليه رحمة الله، ذكر ذلك في "صحيح أبي داود". وهذا الحديث يبين معنى الآية الأولى التي ذكرها المؤلف: ﴿ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ ﴾. فالله عز وجل مع عبده الذاكر له كثيراً، والمعية هنا معية خاصة. فالمعية معيتان: معية عامة بعلمه سبحانه وتعالى، ومعية خاصة. الله عز وجل مع عبده متى ما ذكره وتحركت به شفتاه. واستدل العلماء على ذلك - أو استدل العلماء بذلك - أن القراءة والذكر لا تسمى قراءة وذكراً إلا إذا تحركت بها الشفتان واللسان، وإلا لا تسمى قراءة. فبعض الناس ربما ينظر هكذا في القرآن فقط، يمرر الآيات مروراً على قلبه دون أن يحرك لسانه أو شفتَيه، فهذه لا تسمى قراءة. وكذلك الذكر. نعم، إذا أردت ذكر القلب، هناك للقلب ذكر، للقلب ذكر وهو التفكر في آيات الله وما يكون في القلب من التعظيم والإجلال والخشية لله عز وجل، هذا يسمى ذكراً لكن ذكر القلب. أما ذكر اللسان فلابد فيه من تحريك اللسان والشفتين، بمعنى إخراج الحروف من مخارجها، فهذا يسمى ذكراً باللسان. فهذا الحديث دل على فضيلة الذكر، أن الله عز وجل معك بنصره وتأييده وتوفيقه لك، فأكثر من ذكر الله سبحانه وتعالى. قال: وفي أفراد مسلم عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا يقعد قوم يذكرون الله إلا حفتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، ونزلت عليهم السكينة، وذكرهم الله فيمن عنده». وهذا الحديث أيضاً دل على فضائل عدة للذكر، فضائل وجوائز عدة للذكر. والحديث كما سمعت في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة: «لا يقعد قوم يذكرون الله». وفي رواية: «يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم». ولا تعارض بين الروايتين، فإن الذكر عام والقرآن يدخل في هذا العموم. فأي قوم يجلسون مجلساً يذكرون الله، سواء كان بقراءة القرآن أو مدارسته أو قراءة تفسيره أو تجويده أو غير ذلك من الذكر، جلسوا يذكرون الله بما من الله به عليهم من الإسلام، في محاضرة، في موعظة، في درس من الدروس، كل ذلك يدخل في ذكر الله. كل ذلك يدخل في ذكر الله. فلا يقعد قوم يذكرون الله إلا أكرمهم الله عز وجل بهذه الجوائز الثمينة: إلا حفتهم الملائكة. والملائكة إذا حفت قوماً فهذا دليل على أن المجلس مجلس رحمة ومجلس طمأنينة، لأن الملائكة تنزل بالخير وتنزل بالرحمة وتنزل كذلك بكل ما فيه معنى الخيرية. ولذلك وصف الله عز وجل ليلة القدر بماذا؟ تنزل الملائكة والروح فيها. ما وجه فضيلة ليلة القدر من نزول الملائكة فيها؟ لأن الملائكة لا تنزل إلا بالرحمة والخير، بالرحمة والخير. وهكذا في هذه المجالس، إذا حفت الملائكة أهلها فهذا دليل على أن هذا المجلس مجلس رحمة ومجلس خير. وكما جاء في بعض الأحاديث الأخرى أن من رحمة الله عز وجل وفضله على أهل هذه المجالس أن يغفر ذنوبهم، فيقال لهم: «قوموا مغفوراً لكم، فقد بدلت سيئاتكم حسنات». وهذه من بركات هذه المجالس. فاحذر أن تفرط فيها، احرص عليها دائماً وأبداً، ليس في رمضان فحسب. ولله الحمد مساجد السنة معمورة بالعلم والخير والدروس العامة والخاصة، فاحرص على أن يكون لك حظ من هذه الدروس حتى تنال هذه الجوائز الثمينة، وحتى تتفقه في دين الله سبحانه وتعالى، فتعبد الله على علم وبصيرة. فهذه الجائزة الأولى: إلا حفتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة. انظر الرحمة تتغشى أهل هذه المجالس الذين يذكرون الله، ونزلت عليهم السكينة. ونزول السكينة سبب لزيادة الإيمان، والدليل قوله تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ ﴾ [الفتح: 4]. فكم نحن بحاجة إلى زيادة إيماننا الذي يدفعنا إلى الطاعة ويقوينا ويثبتنا عن المعصية. وكلما زاد إيمان العبد كلما تقرب إلى ربه وخشي من أن يعصي الله عز وجل. فهذه جوائز ثمينة، وذكرهم الله فيمن عنده. وهذا أيضاً مصداق ما جاء في الآية والحديث الذي ذكره أول حديث في ذكره لفضائل الذكر: «أنا مع عبدي ما ذكرني»، وفي الآية: ﴿ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ ﴾، وفي هذا الحديث: «وذكرهم الله فيمن عنده». وهذا فيه حث على أن المسلم تكون مجالسه مجالس ذكر. ولو كنت جالساً مع أصحابك في مقهى، في طريق، في كذا... فهذه مجالس الناس، كما قال الصحابة: «إنما هي مجالس نتحدث بها». فعمر هذا المجلس بذكر الله، اذكر الله سبحانه، هل الكبر... ولو بعد فترة يسيرة من الزمن تذكر الله، ليكن لسانك رطباً من ذكر الله. فهذا من أفضل الأعمال كما قال النبي عليه الصلاة والسلام لذاك الذي طلب منه عملاً يتشبث به لما فثرت عليه شرائع الإسلام، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: «لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله». «لا يزال» تفيد الاستمرار. وما أسهل الذكر على اللسان! ما أسهل الذكر! لكنها الغفلة. أسهل وأيسر العبادات ما يكون بذكر اللسان. أسهل العبادات: اللسان لا يمل ولا يتعب، فهو عضو يستطيع أن يتحرك الساعات الطويلة، فحركه في الخير. بخلاف بقية الجوارح والأعضاء، إذا استمريت في العمل بها كلت وملت وفترت. أرأيت لو مسكت شيئاً بيدك عشر دقائق أو نصف ساعة، أليست اليد تفتر وتتعب؟ بلى. أرأيت لو مشيت ساعتين أو ثلاث ساعات متواصلة، أو وقفت نصف ساعة أو ساعة، الرجل تفتر وتتعب. أما اللسان فتستطيع تتكلم عشر ساعات ولا تفتر ولا تمل. فليكن عمله في الخير وكلامه في الخير. «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت». قالوا: عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما جلس قوم مجلساً فتفرقوا على غير ذكر الله عز وجل إلا تفرقوا على مثل جيفة الحمار». انظر إلى هذا التشبيه وتقيله وتصوره: حمار ميت له أيام، ها وأنت جالس أنت وأصحابك عند هذه الجيفة، هل تطيق ذلك؟ لا تطيق ذلك. فالذي يجلس مجلساً ويقوم من هذا المجلس ولا يذكر الله، لا في أثناء المجلس ولا في أول المجلس ولا في آخر المجلس، هذا كأنهم قاموا على مثل جيفة الحمار. هكذا يخبر النبي عليه الصلاة والسلام. وهذا الحديث في أبي داود، ومسند الإمام أحمد، ويصححه العلامة الألباني عليه رحمة الله: «ما جلس قوم مجلساً فتفرقوا على غير ذكر الله إلا تفرقوا عن مثل جيفة الحمار، وكان ذلك المجلس عليهم حسرة يوم القيامة». يعني كل لحظة مر على المسلم ولا يستثمرها في الخير يتحسر عليها يوم القيامة. ولا يستلزم من الحسرة أن هذا الفعل واجباً أو محرماً، فذكر الله ليس واجباً في المجلس ولكنه عبادة جليلة. ومن ضيع مجالسه في القيل والقال وبغير ذكر الله يتحسر على هذه المجالس يوم القيامة، يقول: يا ليتني في تلك المجالس ذكرت الله. لأن كثرة الطاعة سبب لرفعتك في درجات الجنة، فتتمنى أن تكون في درجة أعلى من درجات الجنة. ما الذي قصر بك؟ تقاعسك عن الطاعات والعبادات والمسابقة في الخيرات، هذا السبب الذي جعلك في الدرجات السفلى، فتتحسر، تقول: يا ليت الأيام والمجالس التي مرت ذكرت الله فيها حتى أرتقي مع الذاكرين الله كثيراً والذاكرات. كانت عليهم حسر هذه المجالس. وفي حديث آخر: «لا يجلس قوم مجلساً لا يذكرون الله عز وجل ولا يصلون على النبي صلى الله عليه وسلم إلا كان عليهم حسرة يوم القيامة». وهذا أيضاً في الترمذي ويصححه العلامة الألباني. ففيه زيادة الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام، وهذا من ذكر الله لأنك تدعو الله، والدعاء من جنس الذكر. لما تقول: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، فتجمع بين ذكر الله وبين الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام. فهذا أيضاً مما ينبغي أن يكثر منه المسلم في مجالسه، فتكون مجالسه معمورة بذكر الله عز وجل. هذا بعض الأدلة في فضل الذكر العام. وأما فضل الذكر الخاص فقد جاءت الأحاديث الكثيرة، ولعلنا في الدرس القادم ننبه أو نذكر بعضها وإن لم يذكرها المؤلف من باب الفائدة. فنسأل الله بمنه وكرمه أن ينفعنا بما أخذنا، وأن يجعل ذلك حجة لنا لا علينا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.