الدرس في حلية طالب العلم 29، ألقاها
يؤكد الشيخ على ضرورة التلقين والتدرج في طلب العلم من شيخ متقن. التدرج في طلب العلم مهم كما هو واضح في آيات القرآن وأقوال أئمة العلم.
التدرج في إنزال القرآن كان له أهمية في استيعاب النفس وتقبلها، ومراتب إنزال القرآن الثلاث توضح ذلك. التدرج في طلب العلم وبناء المعرفة على أسس ثابتة أمر ضروري.
الشيخ يذكر ستة شروط لإتقان فن معين، وهي حفظ مختصر جامع، وضبطه على شيخ متقن، وعدم الاشتغال بالمطولات قبل الإتقان، وغيرها. هذه الشروط تضمن التأسيس الصحيح للطالب.
المقطع الأخير يتضمن الدعاء للجميع بالتوفيق والثناء على النبي محمد وآله وصحابته، ويبدأ بالحمد لله وينتهي بالصلاة على النبي.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمداً كثيراً مباركاً فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. ثم أما بعد، قال الشيخ رحمه الله: وعليه فلابد من التأصيل والتأسيس لكل فن تطلبه، بضبط أصله ومختصره على شيخ متقن، لا بالتحصيل الذات وحده، وآخذاً الطلب بالتدرج. وهذه من الأمور المهمة، كما تقدم معنا فيما مضى، أنه ينبغي للطالب أن يلقن ما يحتاج إلى تلقين عند متخصص في ذلك الفن. فإذا أراد حفظ القرآن، نظر إلى من هو متخصص في هذا الفن في قراءة القرآن وتجويده، فيقرأ عليه ويحفظ عليه، ولا ينفرد بحفظ القرآن لوحده؛ لأن مثل هذا يكون عرضه للتصحيف وللأخطاء. لذا ذكر في بعض تراجم أهل العلم أن مما عيب على بعضهم هذا الأمر، أنهم كانوا يصحفون في القرآن؛ لأنهم أخذوه قراءة ذاتية ولم يأخذوه تلقياً. وهكذا قل في بقية الفنون، مثلاً رجل أراد أن يحفظ بعض الأحاديث، يحفظ متناً من المتون الحديثية، فإذا قرأها بنفسه ربما يقرأها على غير الصواب، ويحفظ على غير الصواب، ويتفرع عن ذلك أن يفهم على غير الصواب. وما بني على باطل يكون باطلاً. فإذا وجد هذا المتقن وهذا المتخصص، فبها ونعمة، وإن استطاع أن يرحل إليه، فهذا أيضاً محمود، مرغب فيه. فمن لم يستطع، فليتقي الله جل وعلا ما استطاع إلى ذلك سبيلاً. قال رحمه الله تعالى: «لا بالتحصيل الذات وحده، وآخذاً الطلب بالتدرج». كما تقدم معنى أنه لا بد من تدرج في الطلب. قال الله تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾. قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ﴾، أي بيناه وأوضحناه. ﴿لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾، ومعنى على مكث، أي على تطاول في المدة، شيئاً بعد شيء. وهذا كذلك شاهد في الآية لما ذكره الشيخ رحمه الله تعالى. وجاء عن إمام مالك رحمه الله تعالى أنه قال: «على مكث»، قال: «على تثبت وترسل». إذن فيه كذلك شاهد لهذا المعنى، أن طالب العلم لا بد أن يبني علمه على أساس ثابت وأصل متين حتى يسير بعد ذلك في طريق العلم. قال سبحانه: ﴿وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾، أي أنزلناه نجماً بعد نجم. ولو أخذوا بجميع الفرائض في وقت واحد لنفروا. ومعنى هذا: أن الله عز وجل نزل القرآن كذلك مفرقاً مدرجاً تدريجاً، شيئاً بعد شيء. وكلما كان كذلك، كان أكثر استيعاباً، وكانت النفس أكثر استقبالاً لذلك القرآن والعمل بمقتضى ذلك القرآن. ففي الآية شواهد عدة، فقوله سبحانه: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ﴾، كما تقدم شاهد، وكذلك قوله: ﴿عَلَى مُكْثٍ﴾، أيضاً شاهد آخر في الآية على المعنى المتقدم. وكذلك في قوله سبحانه: ﴿وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾، فيه شاهد ثالث على مراد الشيخ رحمه الله تعالى. وقول المفسرين: «أي أنزلناه نجماً بعد نجم»، معناه أن القرآن أنزل منجماً، بحسب الحوادث وبحسب الوقائع. وهذه المرتبة الثالثة من مراتب إنزال القرآن. وقد ذكر العلماء رحمهم الله تعالى أن للقرآن ثلاث مراتب: المرتبة الأولى مرتبة إنزاله أو مرتبة كتابته في اللوح المحفوظ، والمرتبة الثانية مرتبة إنزاله إلى بيت العزة، والمرتبة الثالثة مرتبة إنزاله منجماً على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، بحسب الحوادث وبحسب الوقائع. قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾. إذن من أسباب كون القرآن نزل شيئاً فشيئاً، أي بالتدرج، لتثبيت فؤاد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. وللأمر المذكور قبل يكون فيه أكثر استقبالاً وأكثر استيعاباً. قال رحمه الله تعالى: «وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾، وقد ذكر العلماء رحمهم الله تعالى في هذه الآية أن المعنى أنهم يتبعونه حق اتباعه. وقيل معناه: يتلونه حق تلاوته، أي يرتلون ألفاظه ويفهمون معانيه. فإن بفهم المعاني يكون الاتباع لمن وفق. إذن رجع الأمر إلى ما تقدم من أنه لا بد من تلاوة للقرآن وتعلم، ولكن كيف يكون هذا التعلم؟ هل قراءة من غير تفهم؟ لا، بل لا بد من تفهم وتعقل، وهذا لا يكون إلا بالاحتكاك بأهل العلم والتلقي عن أهل العلم. قال رحمه الله تعالى: «فأمامك أمور لا بد من مراعاتها في كل فن تطلبه». هذا تمهيد وتوطئة لما سيأتي ذكره. يقول الشيخ رحمه الله: إذا علمت هذا، أن طالب العلم لا بد له من التدرج، ولا بد له كذلك أن يبني علمه على أساس ثابت، فإذن ماذا يصنع؟ قال: إذن لا بد لطالب العلم من أمور يجب عليه مراعاتها إذا دخل في فن من الفنون أو سلك في عدة فنون. قال رحمه الله تعالى: «الأول: حفظ مختصر فيه». كأن الشيخ رحمه الله تعالى يقول: إن أردت أن تتقن الفن المعين، فلا بد أن تنظر إلى مختصر جامع يجمع بين هذه الوصفين: مختصر وجامع، وجد على ذلك وصفاً ثالثاً أن يكون واضحاً سهلاً. فيحفظ ذلك المختصر. قال: «الثاني: ضبطه على شيخ متقن». المختصر ما يكفي تأخذ مختصر وتبدأ بنفسك؛ لأن قراءة الرجل لشيء لم يعتاده من قبل ربما قرأه على غير الصواب، ويتفرع عن ذلك أن يفهم على غير الصواب. بخلاف ما إذا قرأه على شيخ. قال: «الثالث: عدم الاشتغال بالمطولات وتفاريق المصنفات قبل الضبط والإتقان لأصله». هذا من الأمور المهمة كذلك التي نبه عليها الشيخ، ونحتاج إليها جميعاً نحن معشر طلبة العلم. فيقول الشيخ رحمه الله تعالى: ينبغي للطالب عدم الاشتغال بالمطولات. أنت طالب علم بدأت في الطلب، لا تدخل وتشغل نفسك بالمطولات. والعلم كما يقول العلماء كالبحر ليس له نهاية أبداً. لو عاش الإنسان عمره وزياده ما استطاع أن يأخذ العلم كله. ولكن كما قال العلماء: يأخذ ما تيسر من العلم. وهذا لا يتأتى إلا بإتقان المختصرات وإتقان الأصول، والتفريع على تلك الأصول التي قد ثبت قواعدها ورست أصولها. قال: «رابعاً: لا تنتقل من مختصر إلى آخر بلا موجب». فهذا من باب الضجر أيضاً. الطالب يقرأ اليوم في متن الأجرومية، مثلاً، المتن سهل، يقرأه، بدأ قرأ فيه أسبوع أسبوعين، قال: صعب، إذن سينظر إلى المتن إلى نظم العمريطي على الأجرومية. قرأ فيها أيضاً النظم فيه مشقة، إذن سأقرأ اليوم في ملحة الإعراب. فيقرأ فيها ثم يقول: الظاهر أن النفس ما هي متشوقة للنحو، إذن ماذا أصنع؟ سأنتقل إلى فن آخر. قال رحمه الله تعالى: «الخامس: اقتناص الفوائد والضوابط العلمية». وهذا أهم ما ينبغي لطالب العلم أن يهتم به، لا سيما إذا قد اكتاز المرحلة الأولى مرحلة الحفظ، وبدأ في الدراسة. أهم ما يبدأ به هذا الأمر: الضوابط والحدود والتفريقات والتعريفات وما شابه ذلك. قال: «السادس: جمع النفس للطلب والترقي فيه والاهتمام والتحرق للتحصيل والبلوغ إلى ما فوقه». حتى تفيض إلى المطولات بسابلة موثوقة. معنى هذا: أن تكون عند الطالب همة عالية. هذه الهمة ترقيه وتدرجه من درجة إلى أخرى، ومن منزلة إلى أعلى. وفق الله الجميع لما يحب ويرضى، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم وعلى آله وصحابته أجمعين. الحمد لله رب العالمين.