شرح المذكرة - مقرر السنة الثانية 4

الدرس في شرح المذكرة - مقرر السنة الثانية 4، ألقاها

حكم التفصيل بين الأقوال المختلفة

يناقش هذا الفصل حكم إحداث تفصيل بين قولين مختلف فيهما، وآراء الأصوليين حول اعتبار التفصيل إحداثاً لقول ثالث أو عدم اعتباره كذلك. يُعتبر التفصيل باطلاً إذا خرق الإجماع.

الإجماع السكوتي وتطبيقاته الفقهية

يتناول هذا الفصل مفهوم الإجماع السكوتي وضابطه، وآراء الفقهاء فيه، مع تقديم أمثلة على كيفية التعامل مع المسائل المختلف فيها، ويبرز رأي شيخ الإسلام ابن تيمية في الجمع بين الأقوال المختلفة.

حجية الإجماع السكوتي وتقسيم الإجماع

يناقش هذا الفصل آراء الأصوليين حول الإجماع السكوتي وحجية الإجماع، ويبين شروط اعتباره حجة، ويتناول تقسيم الإجماع إلى مقطوع ومظنون، ويشرح آراء الفقهاء في مستند الإجماع.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم قال الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى: تنبيه، إحداث التفصيل جعله قوم داخلا في إحداث القول الثالث، وقال قوم: ليس داخلا فيه، وهو ممنوع أيضا إن كان التفصيل خارقا للإجماع. ومثال اختلاف العلماء في توريث العمة والخالة، فمن قائل: لا يرثان، ومن قائل: يرثان، فلو أحدث التفصيل بإرث العمة دون الخالة أو العكس، كان باطلا؛ لأنه خارق لإجماعهم على أنهما سواء؛ لأنهم لو قالوا في المسألتين إنهما سواء، امتنع التفصيل بينهما قولا واحدا. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهدي الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، هذه المسألة أو هذا التنبيه تبع للمسألة السابقة، وهي: إذا اختلف الصحابة على قول، فهل لمن جاء بعدهم أن يحدث قولا ثالثا؟ فرعوا هذه المسألة: لو أن إنسانا أتى بقول تفصيلي بين قولين، بين القولين، هل يكون أحدث قولا ثالثا أم أنه لم يكن أحدث قولا ثالثا؛ بل هو داخل تحت القولين؟ فإحداث التفصيل قد يكون في إحدى المسائل، في تفريق بين مجتمع، أن يفرق بين المجتمعات، كما ذكر في مسألة الخالة والعمة في توريثهم، وهم من أولي الأرحام. فعلى سبيل الفرض، لو قال إنسان: في الخالة والعمة لا يرثان، وقال آخر: بل يرثان، فهل لإنسان أن يأتي بقول وسط، فيقول: تَرث الخالة دون العمة، أو يقول: تَرث العمة دون الخالة؟ هل هذا قول وسط من القولين معتبر؟ العلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى يقول: هذا على هذه الصورة ليس قولا وسط ولا تفصيلا معتبرا؛ لأنه يكون خارقا لإجماعهم؛ لأنهم مجمعون على أنهم سواء، إما أن يرثوا وإما أن لا يرثوا. فكونه يقول: واحدة ترث وواحدة لا ترث، هذا خطأ؛ لأنه خرج عن قوليهم. واعلم أن الأصوليين اختلفوا في انقسام الأمة إلى قسمين بمسألتين، وكلاهما مقطوع في إحداهما. وحاصل تحرير هذا المقام: أن له ثلاث حالات، إثنتان يتفق عليهما، وواحدة هي المختلف فيها. فالمتفق عليهما: الأولى: اتفاقهم على الخطأ في المسألة الواحدة من الوجه الواحد، فهذا لا يجوز إجماعا؛ لأنه يلزم من ذلك أن تجتمع الأمة على الخطأ، وهذا باطل. الثانية: اتفاقهم على الخطأ في مسألتين متباينتين، كخطأ بعضهم في مسألة من الجنايات، وخطأ البعض الآخر في مسألة من العبادات، فهذا يجوز إجماعا. ومثاله: لو أن قائلا قال في مسألة من باب العبادات: يجوز، وخالفه آخر قال: لا تجوز، وكان الصواب مع الأول والخطأ مع الثاني. وفي مسألة أخرى في باب المعاملات مثلا، قال الأول: يجوز، وقال الثاني: لا يجوز، وكان الصواب مع الثاني والخطأ مع الأول. فهذا ممكن؛ لأننا نجعل الأول معهم نصف العلماء، والثاني معهم نصف العلماء. ومحل الخلاف: الثالثة: المسألة الواحدة ذات الوجهين، نحو المانع من الميراث، فإنه جنس واحد، إلا أنه ينقسم إلى نوعين. فهل يجوز أن يقول بعضهم: القاتل لا يرث، والعبد لا يرث، ويقول البعض الآخر: بل يرثان؟ فقيل: هذا لا يمتنع؛ لأن الأمة لم تجتمع على خطأ في شيء معين واحد. وقيل: يمتنع؛ نظرا إلى خطأ المجموع في الجملة. والراجح: ما تقدم ذكره، أنه ممكن. بل العلامة ابن القيم، بل وقبله شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، يقول: بأن كثيرا من مسائل النزاع، عند التأمل والنظر فيها، يجد أن المتنازعين لا يتواردون على مورد واحد. فيقول: لكل قائل صواب وخطأ، ومع الآخر صواب وخطأ. ويقول: الحق أن يأخذ من هذا ومن هذا، والخطأ مردود من جهة هذا ومن جهة هذا. ومثال ذلك: في باب العقائد، المشبهة والمعطلة في باب الأسماء والصفات. فالمشبهة معهم حق، وهو أنهم أثبتوا النصوص، وأن هذه النصوص أثبت الله جل وعلا له صفات. فكيف لا نثبتها؟ هذا صواب. والخطأ: قولهم: صفات الله مثل صفاتنا. هذا باطل. وفي الجانب الآخر، المعطلة قالوا: بأن الله تبارك وتعالى منزه عن كل عيب ونقص، ومنه التشبيه. فقولهم: منزه عن التشبيه، صواب. وخطأهم: أنهم لم يثبتوا لله جل وعلا شيئا من الأسماء والصفات. هذا خطأ وباطل. فإذا جمعنا بين القولين، بين الصواب والصواب، سيخرج أهل السنة والجماعة. كما يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في عقيدته الواسطية: "وأهل السنة والجماعة وسط بين الفرق، كما أن الأمة وسط بين الأمم". فصل: الإجماع السكوتي، إذا قال بعض الصحابة قولا في تكليف، فانتشر في بقية الصحابة، فسكتوا. فهذا هو ضابط الإجماع السكوتي. والإجماع السكوتي هو: أن يتكلم أو يفتي بعض الصحابة في مسألة ما، فينتشر هذا القول، ولا يعرف له مخالف بين الصحابة، فيسمى إجماعا سكوتيا؛ لأنهم سكتوا عن ذلك القول، ولو كان باطلا لردوه. والناس في الإجماع السكوتي على ثلاثة أقوال: الأول: أنه إجماع. وروي عن أحمد ما يدل عليه، وبه قال أكثر الشافعية، أي والمالكية، تنزلا للسكوت منزلة الرضا والموافقة. يعني: من قال بأنه إجماع، وأنه حجة، يقول: لأن الساكتين ما سكتوا إلا عن إقرار، فسكوتهم سكوت إقرار، والمقر للقول قائل به. ويشترط في ذلك: أن لا يعلم أن الساكت ساخط غير راض بذلك القول، وأن تمضي مهلة تسع النظر في ذلك القول بعد سماعه. الثاني: أنه حجة ولا إجماع. أي: يسمى حجة ولا يقال بأنه إجماع؛ لأن الإجماع اتفاق أمة محمد، وهذا غير موجود. لكن حجة؛ باعتبار أننا إذا رأينا مثل هذا، لا نتعدى رأينا. قوله حجة، لكن هل هو إجماع؟ يقول: لا، ليس بإجماع. الثالث: ليس بحجة ولا إجماع؛ لأن الساكت قد يسكت وهو غير راض. ولذلك أسباب متعددة، كاعتقاده أن كل مجتهد مصيب، أو أنه لا إنكار في مسائل الاجتهاد، ونحو ذلك. وتحرير هذه المسألة: أن لها ثلاث حالات: الأولى: أن يعلم من قرينة حال الساكت أنه راض بذلك، فهو إجماع قولا واحدا. الثانية: أن يعلم من قرينته أنه ساخط غير راض، فليس بإجماع قولا واحدا. الثالثة: أن لا يعلم منه رضا ولا سخط، ففيه الأقوال الثلاثة المتقدمة. ومذهب الجمهور: أنه إجماع سكوتي، وهو ظني. مسألة: اعلم أن الأصوليين اختلفوا في مستند الإجماع، هل يصح أن يكون عن اجتهاد وقياس؟ على ثلاثة أقوال: الأول: أحدها: أنه لا يتصور. ومعنى لا يتصور: هل هو معنى مستحيل؟ الجواب: نعم، مستحيل؛ لأنه يلزم منه أن الشريعة لم تكمل، وإنما تكمل بالإجماعات. الثاني: أنه يتصور، وليس بحجة. يقول: ممكن أن يجمع الصحابة، أو التابعون، أو تابعو التابعين، على مسألة ليس فيها نص من كتاب أو من سنة. ممكن من حيث إنه ممكن. لماذا هو ليس بحجة؟ لأن الحجة في كتاب الله، وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. الثالث: وعليه الأكثر، أنه جائز وواقع، وهو اختيار المؤلف. ومثل له بعضهم بالإجماع على تحريم شحم الخنزير قياسا على لحمه. ومن أمثلته: الإجماع على تحريم القضاء في حالة الجوع والعطش المفرطين، ونحو ذلك. والقول الأول هو الأظهر والأرجح من حيث الألفاظ، ومن حيث المعنى. وقد يكون الخلاف في المسألة لفظيا، ليس معنويا؛ لأن الكل مجمعون ومتفقون على أنه لا يجوز لأحد، ولو كان إجماع الأمة، أن يجمع على شيء ليس موجودا في كتاب الله ولا في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن هذا يناقض كون الدين كاملا. فصل: الإجماع ينقسم إلى مقطوع ومظنون. وقد تقدمت الإشارة إلى هذا. فصل: الأخذ بأقل ما قيل ليس تمسكا بالإجماع. كالاختلاف في دية الكتاب، قيل: كدية المسلم، وقيل: نصفها، وقيل: ثلثها. فالتمسك بالثلث ليس بالإجماع. وأظهر دليل على ذلك: جواز مخالفته. مسألة: اعلم أن الأصوليين اختلفوا في مستند الإجماع، هل يصح أن يكون عن اجتهاد وقياس؟ وقد تقدم الكلام على هذه المسألة. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على