الدرس في شرح المذكرة - مقرر السنة الثانية 3، ألقاها
يناقش شرط انقراض العصر لصحة الإجماع، حيث يطرح قولان: الأول يشترط انقراض العصر، والثاني لا يشترط ذلك. يستند كل قول إلى أدلة ووقائع من عصر الصحابة.
يتناول مفهوم الإجماع وحجيته في مختلف العصور، ويبين أن الإجماع يعتبر في كل عصر ولا يقتصر على عصر الصحابة. كما يوضح أن قول الغائب والمجتهدين يعتبر في الإجماع.
يناقش اختلاف الأصوليين في إحداث قول ثالث مخالف لقولين للصحابة، ويبين الراجح في هذه المسألة. الجمهور يرى عدم الجواز بينما يرى البعض جوازه.
يؤكد على صحة ما سبق ذكره ويختم بالصلاة على النبي وآله وصحبه، مشيرًا إلى أن ما تمت مناقشته هو الحق والصواب.
بسم الله الرحمن الرحيم قال الإمام الشقيطي رحمه الله تعالى: مسألة ظاهر كلام أحمد رحمه الله أن انقراض العصر شرط في صحة الإجماع، وهو قول بعض الشافعية. وقد أومأ إلى أن ذلك ليس بشرط، بل لو اتفقت كلمة الأمة ولو في لحظة واحدة انعقد الإجماع، وهو قول الجمهور، واحتاره أبو الخطاب. وجه هذا القول أن حقيقة الإجماع المعصوم تحصل باتفاقهم ولو في لحظة واحدة، والنصوص الدالة على حجة الإجماع ليس فيها القيد بانقراض العصر. ولأنه يؤدي إلى تعذر الإجماع؛ لأنه لا يكاد عصر ينقرض حتى يحدث من أولاده من يكون من علماء العصر، فيتسلسل. وجه اشتراطه احتمال رجوع البعض عن اجتهاده، فيقول الأمر إلى الخلاف. وقد ذكر الإمام أحمد أن أم الولد كان حكمها حكم الأمة بإجماع، ثم أعتقهن عمر وخالفه علي بعد موته. وحد الخمر كان في زمن أبي بكر رضي الله عنه أربعين، ثم جلد عمر ثمانين، ثم جلد علي أربعين. ولولا اشتراط انقراض العصر لما جاز ذلك. وأشار في المراقي إلى أن مذهب الأكثر عدم اشتراط انقراض العصر، بقوله: «ثم انقراض العصر والتواتر لقول على ما ينتقله الأكثر». الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد: قوله رحمه الله تعالى: مسألة ظاهر كلام أحمد رحمه الله أن انقراض العصر شرط في صحة الإجماع، وهو قول بعض الشافعية. وقد أومأ أي إلى أن ذلك ليس بشرط، بل لو اتفقت كلمة الأمة ولو في لحظة واحدة انعقد الإجماع، وهو قول جمهور. إذن هذه المسألة فيها قولان، مسألة أصولية مشهورة، وهي من مسألة الإجماع. وهي هل يشترط في انعقاد الإجماع انقراض العصر، أي انقراض عصر المجمعين، أم أن هذا الشرط غير معتبر؟ من قال بأنه معتبر نظر إلى وقائع حدثت في عصر الصحابة، أنهم يجمعون على أمر ثم بعد ذلك الإجماع يحدث بعضهم قولًا آخر. مثل ما ذكر في قصة أم الولد، بمعنى أن العهد الأول في عهد أبي بكر أن أم الولد كان حكمها حكم الأمة بإجماع. فلما جاء عمر رضي الله عنه وأرضاه قال: لا، إذا توفي السيد فإن تلك التي هي أم الأولاد تصير حرة؛ لأن أبناءها لا يحل لهم أن يتملكوا أمهم. إذن إجماع الذي في عهد أبي بكر نقض الإجماع الذي كان في عهد عمر. قالوا: إذا كان الإجماع حجة في عهد أبي بكر، لما جاز لعمر أن يتعدى. ثم لو كان في عهد عمر حجة لما جاز لعلي أن يتعدى كذلك. ما ذكر في أمر الخمر وشرب الخمر، الحد في عهد أبي بكر أربعين، كان يجرد الشارب في عهد أبي بكر أربعين. في عهد عمر ثمانين، لكن بعض العلماء قال: في عهد عمر أربعين الحد، والأربعين الأخرى تعزيرًا. فالحاصل أن هناك وقائع الناظر فيها يقول: إذا كان إجماعًا حجة، فلماذا ينقضه من جاء بعده؟ إذا احتاج إلى أن يقول: إلى أن الإجماع لا يكون حجة إلا إذا انقرض العصر. إذا انقرض العصر انتهى المجمعون، مات المجمعون. نقول: إجماع الآن واضح. حملة إذ يلزم كما سميتم: إذا لم يكن إجماعًا، يعني إما أن يكون الإجماع الأول إجماعًا أو ليس بإجماع. فإذا كان إجماعًا فلا يجوز مخالفته. وإذا لم يكن إجماعًا فالأمر في ذلك ليس محل الخلاف. لكن على هذا القول تأتي إشكالات. منها لو قيل بأن الأول الإجماع الأول إجماع، هل المجمعون أجمعوا على حق وعلى هدى أم لا؟ الجواب: نعم. إذا جاء من بعدهم فأجمعوا على قول غير القول الأول، فيكون إجماعهم على حق وهدى أم لا؟ إذن فمع من الصواب؟ لو كان يعني قول وقول وخالفه قول وقول وخالفه، لأجل هذا المعنى قال من قال بهذه المسألة: فروا عن هذه المسألة، يعني هل يكون الإجماع الأول معتبرًا؟ الإجماع الثاني معتبرًا؟ الإجماع الثالث معتبرًا أم لا؟ حتى يقال بأنه حق أو ليس بحق؟ فأشار لأجل هذا احتاج هؤلاء إلى أن يقولوا: بأن الإجماع المعتبر هو إجماع العصر؛ لأنه هو الذي نستطيع أن نقول بأنه الحق. وما عداه فهو باطل. من خالفه بعد ذلك فهو قول باطل. لذا احتاج هؤلاء القول بانقراض العصر. جاء الآخرون أصحاب القول الأول قالوا: لا، فإن العبرة باتفاق الأمة ولو لحظة. لو اتفقت الأمة ولو لحظة لكان اتفاقهم هذا على حق أو على باطل، على هدى أو على ضلالة. قالوا: إذا لا يشترط انقراض العصر. هذا أمر. الأمر الثاني قالوا: لو قيل باشتراط انقراض العصر، للزم أن لا يكون هناك إجماع أصلًا؛ لأنه ما ينقرض العصر إلا وقد ظهر من أبنائهم من قد وصل إلى رتبة الاجتهاد، وهكذا كتسلسل. فيلزم منه أن يقال: لا إجماع ما دام العلماء موجودين. فهذه حجة هؤلاء. وكلا القولين من حيث النظر والاعتبار، ولا سيما كما قلنا إن الناظر في الإجماعات المنقولة عن الصحابة يجدها كما ذكر. فنحن بين أمرين: إما أن يقال بأن الإجماعات الأولى المنقولة عن الصحابة ليست بإجماع. إما الأول أو الثاني، حتى يضطر القول بأن نقول: أن مثلًا القول الأول قول أبي بكر في عهد أبي بكر كان قول جمهور، ولم يكن قول الكل. وضح أن البعض سكت، وسكوتهم أو سكت رأى الأمر واسع ويخالفهم في الرأي. لكن ما أظهر القول، ما أظهر الإنكار. أو يقال بأن الناس في عهد عمر كذلك كانوا على قول أبي بكر، لكن كرهوا أن يخالفوا عمر. وهذا قد يكون أشد؛ لأنه لو كان إجماعًا في الأول لو يجب الأخذ به. لذا بعض أهل العلم ذهب إلى هذه المسألة: إن فلمن كان من المجتهدين يعني خصصوا مسألة العصر بمن؟ بالمجتهدين الذين أجمعوا على القضية نفسها. يقول: المجتهدون الذين أجمعوا هل يصح لهم أن يرجعوا عنه؟ قالوا: له أن يرجع عنه إن رأى القول الآخر هو الصواب. واستدلوا على ذلك بأحداث وأقوال حصلت في زمن الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم. من ذلك بعض الوقائع في بعض المسائل قضى فيها علي رضي الله عنه وأرضاه بغير قضاء أبي بكر وعمر. فقال عبيدة السلمان أحد كبار التابعين: «لقضاؤك مع من سابقك أحب إلي من قضائك اليوم» أو كما قال. يعني قال له: قضاؤك مع من سابقك ممن كان من أهل الإجماع أحب إلي من قضائك اليوم. لكن شاهد منه أن عليًا قال قولًا خالف فيه قوله الأول. وكذا عمر كما سمعتم في قضايا كان يوافق أبا بكر، لما مات أبو بكر رأى اجتهد فرأى القول الآخر. فالأظهر والله أعلى وأعلم أن الإجماع باعتبار النظر باعتبار النظر بأن الأمة لا تجتمع ولو لحظة واحدة على باطل، يجد أن القول الذي ذهب إلى الجمهور هو الصواب. لكن بقي كيف توجه الإجماعات المنقولة عن الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم؟ إما أن يقال بأن كما يعني قال بعض أهل العلم: بأن من قال بقول الله أن يرجع عنه؛ لأنه مجتهد ويكون قوله قولًا له. وإما أن يقال بأن الإجماع الأول ليس بمستقر، الإجماع الأول من قول ليس بمستقر. يدل عليه الإجماع الذي خالفه؛ إذ لو كان إجماعًا معتبرًا وحجة لما جاز لمن جاء بعدهم أن ينقضه وأن يخالفه. قال رحمه الله: مسألة إجماع أهل كل عصر حجة كإجماع الصحابة، خلافًا لداود. فعنده إجماع الصحابة لا غير هو المعتبر. وقد أومى أحمد رحمه الله إلى ذلك. وحاصل ما ذكره المؤلف في هذا المبحث أن الإجماع من الأمة معتبر في كل عصر. فالماضي لا يعتبر، والمستقبل لا ينتظر. هذه قاعدة في باب الإجماع. فالماضي لا يعتبر، والمستقبل لا ينتظر. قال: وكلية الأمة حاصلة بالموجودين في كل عصر. وخالف الظاهرية في إجماع غير الصحابة. وأومى إليه أحمد. ويعتبر في الإجماع الغائب للميت. فهذه مسألة أيضًا من مسألة الإجماع، وهي هل الإجماع مقصور محصور على الصحابة أم أنه متعد إلى غيرهم؟ الجمهور على أن الإجماع ممكن في كل عصر كما مرت معنا هذه المسألة. داود والظاهرية يقولون: محصور على عصر الصحابة؛ إذ في غيرهم غير ممكن الوقوع. وإذا كان كذلك فليس بحجة. وقوله: «وأومى إليه أحمد» هذا كما قاله أو نقله بعضهم. وبعضهم نفى هذا، نفى عن أحمد رحمه الله تعالى هذا القول. والحاصل والله أعلى وأعلم كما مر معنا في الدرس الماضي أن الإجماع من بعد الصحابة ممكن وجائز، بل وواقع. إجماع التابعين، إجماع تابعي التابعين، وهكذا هلما جر. وإذا وقع الإجماع فإنه يكون حجة ويكون معتبرًا. بقي ما ذكر مما قيل بأنه مثل القاعدة أو قاعدة في باب الإجماع، وهي قولهم: أن الإجماع من الأمة معتبر في كل عصر. فالماضي لا يعتبر. ما معنى الماضي؟ أي من سبقك من علماء الاجتهاد ممن مات، ولا يعرف له قول في المسألة. فإنه لا يعتبرك؛ لأنه حكم العدم. مثلًا إنسان الآن جاء عهد التابعين، تابع التابعين. أرادوا أن يتكلموا في مسألة، وقال: انتظر. هذه المسألة التي تكلم فيها أو بك يقول: ما أدري. عمر فلان فلان. صحيح ما يعدد. يقول: ما أعرف أحدًا يقول. إذن مستحيل الإجماع؛ لماذا؟ يقول: أن الإجماع هو إجماع الأمة، مجتهدي الأمة. ومن مجتهدي الأمة أبو بكر وعمر وقد ماتوا. إذن لا إمكان الإجماع. هذا القول ليس بصحيح. بل يقال: فالماضي لا يعتبر؛ لأنه في حكم العدم. والمستقبل لا ينتظر؛ أي الأولاد أولاد. لعل إذا كان الناس أجمعوا على مسألة يأتي إنسان يقول: يا انتظر. كيف تقول الإجماع والإجماع هو متفق، هو اتفاق أمة محمد، اتفاق مجتهدي أمة محمد. يقول له: ما يدريكم لعل يخرج من أصلابكم من هو من علماء من المجتهدين، ثم يخالف قولكم. هل هذا القول معتبر؟ القول غير معتبر؛ لماذا؟ كما قيل: والمستقبل لا ينتظر؛ أي من سيأتي بالمستقبل أو سيكون مجتهدًا في المستقبل. هذا القول ما دام أنه غير موجود الآن فهو غير معتبر؛ إذ المعتبر ما هو؟ إجماع الموجودين من أهل الاجتهاد، لا الماضين ولا الآتين. ثم قال: وكلية الأمة حاصلة بالموجودين في كل عصر. وخالف الظاهرية في إجماع غير الصحابة. وأومى إليه أحمد. قال: ويعتبر في الإجماع الغائب للميت. الميت لا يعتبر؛ لأنه لا ينتظر. يعني الميت لا يعتبر انتهاءً. أما الغائب فيعتبر قوله أم لا؟ يعتبر؛ لماذا؟ لأنهم من مجتهدي الأمة. يعني الآن على سبيل المثال مثلًا نتصور أن علماء الدنيا اجتمعوا في بلد ما على مسألة. أحد العلماء كان مسافرًا لتجارة أو كان في حاجة في علاج في مرض إلى غير ذلك. هل إذا أجمعوا هؤلاء وذاك الغائب غير موجود؟ هل قوله غير معتبر؟ أو معتبر في الإجماع؟ واضح. يقول رحمه الله: ويعتبر في الإجماع الغائب؛ أي أنه إذا خالفهم قوله يكون معتبرًا أم لا؟ معتبر؛ لأنه موجود وهو من أهل الاجتهاد. قال رحمه الله: فصل إذا اختلف الصحابة على قولين، فأجمع التابعون على أحدهما. فقال أبو الخطاب الحنفية: يكون إجماعًا؛ لأنه اتفاق من جميع أهل العصر. وقال القاضي وبعض الشافعية: لا يكون إجماعًا؛ لأن الذين ماتوا هم مخالفون، لا يسقطوا قولهم بموتهم. أما إذا اختلف الصحابة ثم اتفقوا، فهذه مسألة وهي ما يسميها بعض العلماء الاتفاق بعد الخلاف. الاتفاق في عصر بعد الخلاف، يعني يكون خلاف في زمن في عصر، ثم يحصل اتفاق على أحد القولين في الزمن الآخر. وهذه المسألة مبنية على ثبوت الإجماع على أحد القولين؛ إذ لو ثبت الإجماع على أحد القولين لكان حجة. واستدل به على صحة أحد القولين. الصحابة أحدهم قال: يجوز. أحدهم قال: لا يجوز. قولان. جاء التابعون أجمعوا على أنه يجوز. فنستدل بهذا الإجماع على أحد القولين على صحة أحد القولين، وعلى خطأ القول الآخر. فالحاصل من هذا أن الإجماع يكون معتبرًا، لكن لا بد من ثبوته. لا بد من ثبوت الإجماع؛ لأننا مر معنا: «لا تجتمع أمتي على ضلالة». وأدلة الإجماع تدل على هذا المعنى. إذا حصل الإجماع على أحد القولين يكون هذا القول ثابتًا. لكن يأتي إشكال: كيف تقولون بأن الإجماع هو اتفاق أمة محمد صلى الله عليه وسلم على قول، ثم تذكرون بأن المسألة فيها نزاع في العصر الأول، واتفاق في العصر الثاني، وتقولون بأنه حجة؟ هذا مشكل. لكن الجواب هو ما تقدم ذكره: أن الأمة لو اجتمعت في زمن في عصر على قول ما، يدل على حجية قولهم. يدل على حجية قولهم. ومنها إجماعات كثيرة مشهورة، منها مثلًا ما وقع في الزمن الأول في الخلاف أفضلية عثمان على علي، أيهم أفضل؟ عثمان أو علي؟ كان خلاف في بدء الأمر، ثم استقر الإجماع على أفضلية عثمان على علي. فهذا الإجماع يكون معتبرًا. والخلاف لا يكون معتبرًا. قال رحمه الله: أما إذا اختلف الصحابة ثم اتفقوا بعد الاختلاف في اختلافهم في إمامة أبي بكر، ثم اتفاقهم عليها؛ لأن رجع بعضهم إلى قول الآخرين، فهو إجماع منهم كما هو الحق. وخالف فيه الصيرفي من الشافعية. فقوله مردود بإجماع الصحابة واتفاقهم على مثل هذه البيعة، وأنها بيعة حق. قال رحمه الله: وعلم أن غير الصحابة من أهل كل عصر كذلك عند الجمهور. وإذا اختلفوا ثم اتفقوا كان إجماعًا. وإذا اتفق من بعدهم على أحد قوليهم، ففيه الخلاف المذكور. والراجح أنه إجماع كذلك. يعني هذا على ما ذكر قريبًا. والمسألة الثانية ذكرها: لو أن الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم وقع بينهم مسألة وقع فيها نزاع في بدء الأمر، مثل ما ذكر في خلافة أبي بكر، ثم أجمعوا على خلافته. مثل ما حصل في مسألة كذلك قتال أهل ردة، ولا سيما ما نعيد زكاة. ثم حصل إجماع. هل هذا الإجماع معتبر؟ أو أنه غير معتبر؟ الجواب: أنه معتبر. بل في الأغلب الأكثر لا يكون إجماع إلا بعد مناقشة ونزاع. هذا له رأي، هذا له رأي، حتى يتفقوا على ما حتى يتفق الجميع على رأي واحد. فهذا إجماع كما ذكر، ولا شك ولا ريب هو من إجماعات المتفق عليها عند العلماء رحمهم الله. قال رحمه الله: فصل إذا اختلف الصحابة إلى قولين، لم يجز إحداث ثالث مخالف لقولينهما في قول الجمهور. وقال بعض الحنفية والظاهرية: يجوز. فحجة الأول: أن اختلافهم إلى القولين في قوة الإجماع على بطلان ما سواهما. وحجة الثاني: أنهم خاضوا في المسألة خوض مجتهدين، ولم يحرموا ولم يصرحوا بتحريم قول ثالث. وأن الصحابة لو عللوا بعلة أو استدلوا بدليل، فلمن بعدهم التعليل والاستدلال بغير ذلك؛ لأنهم لم يصرحوا ببطلان ذلك. وأنهم لو اختلفوا في مسألتين، فذهب بعضهم إلى الجواز فيهما، وذهب الآخرون إلى المنع فيهما. فذهب التابعي إلى التجويز في إحداهما والمنع في الأخرى، كان له ذلك. مثال إحداث الثالث المخالف: ما حكاه ابن حزم من أن الأخ يحجب الجد؛ لأن الصحابة اختلفوا في ذلك إلى قولين. فمن قائل: أن الجد أب يحجب الأخ. ومن قائل: يرثان معًا. فكان إجماعًا على أن للجد نصيب. فالقول بحجب الأخ له خرق لإجماعهم بإحداث هذا الثالث. قال مقيده عفا الله عنه: حاصل تحرير هذه المسألة عند الأصوليين أنهم اختلفوا في إحداث القول الثالث. فقال بعضهم: لا يكون إلا خارقًا للإجماع، وهو ممنوع مطلقًا. ومثاله ما ذكرناه عن ابن حزم. يعني واضح كونه واضح من كونه يعني هل هو واضح كونه خارقًا للإجماع؟ الإجماع أن الصحابة لو اختلفوا في مسألة على قولين، معناه أنهم أجمعوا على هذين القولين. ولا يجب أن يخرج عن قولهما؛ لماذا؟ لأننا نتصور المسألة. نتصور مسألة: الصحابة جاءت مسألة: يجوز، لا يجوز. منها كما ذكر في مسألة الجد مع الإخوة. منهم من ورث الجد مع الإخوة. ومنهم من حجب الإخوة بالجد. فهل يجوز لإنسان متأخر يأتي يقول: لا، أنا أقول بأن الإخوة يحجبون الجد؟ هذا قول ثالث أم لا؟ هل لهم أن يقولوا: لا؟ لماذا؟ يقول: لأنهم مجمعون من حيث الجملة على أن الجد يرث ولا محالة. فإحداث قول ثالث يدل على أن الصواب لم يكن مع أحد القولين. وهذا محال؛ لأنه يلزم من ذلك أن عصرا انقرض والحق ليس موجودًا مع إحدى الطائفتين. واضح. هذا ممكن أم لا؟ غير ممكن؛ لماذا؟ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين». والله جل وعلا كذلك حفظ دينه. ومن حفظ دينه أن يجعل الحق مع ما أن يجعل الحق موجودًا. محال أن يضيع الحق. فإذن الحق مع أحد القولين لا محالة. فإحداث قول ثالث يلزم منه أن يفتح أو أن يقول هذا القائل بقول باطل محض؛ لأن الحق بين قولين. كما أن الإجماع من أتى بقول ثاني غير إجماع يكون قال بالباطل. فكذلك من أتى بقول ثالث مخالف لقولي الصحابة يكون كذلك خاليًا عن الحق. فقوله باطل محض. وهذا هو الصحيح في المسألة. قال رحمه الله: وقال بعضهم: هو قد يكون خارقًا فيمتنع، وغير خارق فيجوز. مثال الخارق: الجد والإخوة وقد تقدم. ومثال غير الخارق: ما لو فرضنا أنه تقدم القولان في متروك التسمية؛ لكونه يؤكل عند البعض مطلقًا، وممنوعًا عند البعض الآخر مطلقًا. فعلى قول القائل بأنه يؤكل في تركها نسيانًا لا عمدًا؛ لأنه وافق بعضًا في كل منهما، ولم يخالفهم جميعًا؛ لأنه في حالة النسيان وافق القائل بالإباحة، وفي حالة العمد وافق القائل بالمنع. ومن أمثلته اختلاف العلماء في نسق النكاح بعيوب الزوجين المعروفة. فمن قائل: يفسخ بكلها. ومن قائل: لا يفسخ بشيء منها. فلو أحدث قول ثالث بالفسخ ببعضها دون البعض، لم يكن خارقًا؛ لموافقة لكل مذهب في البعض. فهذا في الحقيقة ليس هو محل النزاع في المسألة. واضح. هذا الذي ذكره الشنقيطي رحمه الله تعالى كقول أو كتدليل للقول الثاني بجواز إحداث قول ثالث، ليس من المسألة. إذ أن المسألة معنى أن يأتي بقول ليس لهما، أي ليس للصحابة، ولا مركب من قولي الصحابة. وعلى هذا تكون المسألة في الحقيقة لها ثلاثة أقوال. القول الأول: لا يجوز مطلقًا إحداث قول ثاني. القول الثاني: يجوز مطلقًا. وهذا هو الباطن. والقول الثالث: يجوز أن يؤتى بقول بين قوليهم. مثل ما مثل رحمه الله تعالى هنا: ما حكم الذبيحة التي لم يسم عليها؟ جائز. القول الآخر: غير جائز. يأتي عالم فيقول: الذبيحة التي لم يسم عليها إن ترك التسمية عمدًا لا تجوز. هذا أخذ بقول من؟ طائفة. وإن ترك التسمية نسيانًا جاز. أخذ بقول القول الآخر. هل خرج عن قوليهم؟ في الحقيقة ما خرج. فإذا كان القول عبارة عن قولين للصحابة، لكن باعتبارين، فإنه لا يعد أن يكون خارجًا عن قولي الصحابة. وهذا الفعل يكثر من شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، سواء في قولي الصحابة أو في أقوال الصحابة أو في أقوال من بعدهم. وهو الحق وهو الصواب في المسألة والله تعالى أعلم. وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم وعلى آله وصحبه أجمعين.