شرح المذكرة - مقرر السنة الثالثة 6

الدرس في شرح المذكرة - مقرر السنة الثالثة 6، ألقاها

تعريف البيان وبيان أنواعه

البيان في الاصطلاح الأصولي هو إزالة الإشكال وتوضيح المجمل، ويشمل الكلام والكتابة والإشارة والفعل والسكوت. يحصل البيان بكل ما يزيل الإشكال ويوضح المراد.

شروط البيان والمبين وآراء الفقهاء

يناقش شروط البيان والمبين وآراء العلماء في جواز بيان النص بما هو دونه، مع استشهاد بأمثلة من القرآن والسنة. يشمل ذلك توضيح آراء الفقهاء المختلفة حول هذه المسألة.

تأخير البيان عن وقت الحاجة وآراء الفقهاء فيه

يناقش مسألة تأخير البيان عن وقت الحاجة أو الخطاب، ويستعرض آراء الفقهاء المختلفة حول جواز أو عدم جواز هذا التأخير، مع تقديم أدلة من القرآن والسنة.

خاتمة وتأكيد على تنزيل الرحمة

يستدل العلامة الشنقيط من الكتاب والسنة على معنى تنزيل الرحمة، ويختم بالصلاة على النبي وآله وصحبه. يشير هذا إلى أهمية الرحمة في الشريعة الإسلامية.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم حاصل هذا الخلاف هو هل البيان يطلق على كل إيضاح تقدمه خفاء أو لا، أو هو إيضاح ما فيه خفاء خاص. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهدي الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قوله رحمه الله تعالى: فصل في البيان. وذكر رحمه الله تعالى البيان بعد الإجمال؛ لأن البيان كما ذكر هو في مقابلة المجمل؛ لأنه يوضحه ويبينه. وقد ذكر الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى تعاريف الصلاحات للمبين، ولخصها العلامة الشنقيط رحمه الله تعالى بقوله: حاصل هذا الخلاف هو هل البيان يطلق على كل إيضاح تقدمه خفاء أو لا، يعني هل مبين لا يسمى مبينًا إلا إذا تقدمه خفاء، أم أنه يطلق المبين على ما هو أعم من ذلك، بمعنى تقدمه خفاء أو لم يتقدمه خفاء. ثم قال رحمه الله تعالى: أو هو إيضاح ما فيه خفاء خاص، أي ليس خفاء عامًا، ولكن ولو كان فيه خفاء خاص. ذكر رحمه الله تعالى كما يقال خلاصة هذا الكلام، وسيأتي ما هو الأقرب في هذا الاصطلاح. قال رحمه الله: وأكثر الأصوليين على أن البيان في الاصطلاح الأصولي هو تصيير المشكل واضحًا، والبيان يحصل بكل ما يزيل الإشكال من كلام، كبيان قوله تعالى: ﴿إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ يعني هنا العبارة فيها سقط وتصحيف، وإلى غير ذلك، يعني صواب العبارة والبيان. والبيان يحصل بكل ما يزيل الإشكال، بكل ما يزيل الإشكال من سيئة الكلام. على هذا وقوله رحمه الله تعالى: وأكثر الأصوليين، في إشارة إلى الخلاف في المسألة أن البيان في الاصطلاح. وقوله في الاصطلاح، أي خرج ما هو ليس في الاصطلاح؛ لأن المبريح في اللغة المبين كذلك في عرف السلف أعم من ذلك؛ فإنه يطلق على ماذا؟ على كل ما كان واضحًا بينًا، هذا يسمى ماذا؟ مبينًا، أي وضحه الله وبينه الله جل وعلا، فهذا يطلق عليه ماذا؟ مبينًا، لكن في عرف يطلق عليه بأنه مبين، لكن في عرف أهل الأصول يطلقون المبين على نوع خاص مما يكون فيه البيان، ما هو هذا النوع الخاص؟ هو ما سبقه ماذا؟ ما سبقه إجمال. أما ما كان الدلالة واضحة بينة، فهو إما أن يكون نصًا كما تقدم، وإما أن يكون ظاهرا كما تقدم. وأما إذا كان بيانًا لما كان مجملا، فهذا يسمى في اصطلاحهم هو إيش؟ هو المبين. قال رحمه الله: والبيان يحصل بكل ما يزيل الإشكال من كلام، كبيان قوله تعالى: ﴿إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ بقوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ الآية. طيب يقول: كل ما يزيل بكل ما يزيل الإشكال من أولًا من كلام، كبيان قوله تعالى: ﴿إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ أي في قول الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ الآن هذا إجمال، ﴿إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ يبقى الإنسان يقول: ما هو الذي يتلى علينا؟ ينتظر ماذا؟ التبيين، ينتظر التوضيح. فجاء التوضيح في قول الله جل وعلا: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ إلى آخر الآية، هذه الآية الأخرى تسمى ماذا؟ مبينة، لماذا؟ لما تقدم من إجمال، واضحة جماعة. فهذا من باب مبين الذي تقدمه إجمال. قال رحمه الله: وكتابة ككتابته صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى عماله على الصدقات، أي ويكون البيان كذلك بالكتابة، كما في أمر الصدقات. الله جل وعلا أمر بالزكوات، ونبينا صلى الله عليه وسلم كذلك أمر بماذا؟ أن الزكاة من أركان الإسلام. بقي القول يقول: ما هو المقدار؟ ما هي الأصناف؟ ما هي الشروط؟ إلى غير ذلك؟ فبين ذلك النبي صلى الله عليه وسلم في الكتاب الذي تبعث به أو بعث به أو بكر رضي الله عنه فيما بعد ذلك، أي في خلافته، أناسًا إلى البحرين، وهو ماذا؟ وهو الكتاب في الصدقات. في كل خمس من الإبل شاه، وفي كل عشر شاتان إلى آخره، هذا جاء فيه ماذا؟ توضيح وتبيين لما أجمل من أمر الزكاة. التبيين ها هنا أو المبين كان عبر ماذا؟ عبر الكتاب، كتابة. قال رحمه الله: أو إشارة كقوله: الشهر هكذا وهكذا، وإشار بإصبعه إلى كونه مرة ثلاثين ومرة تسع وعشرين. وهذا من البيان، قال: الشهر هكذا وهكذا وهكذا، حصل البيان بماذا الآن؟ بالإشارة، واضح. فالمقصود أن البيان قد يكون بماذا؟ قد يكون بالكلام، قد يكون بالكتابة، قد يكون بالإشارة، وقد يكون كذلك بالفعل، كما سيأتي. قال رحمه الله: أو فعل كبيانه صلى الله عليه وعلى آله وسلم للصلاة والحج بالفعل. وقال في الأولى: صلوا كما رأيتموني أصلي، وفي الثاني: خذوا عني مناسككم. طيب صلوا كما رأيتموني أصلي، كما في صحيح البخاري من حديث أبي جحيفة. وفي الثاني: خذوا عني مناسككم، كما في صحيح مسلم من حديث جابر. هذا إجمال، هذه الأحاديث ماذا فيها؟ إجمال. ثم بيّنها النبي صلى الله عليه وسلم بماذا؟ بفعل، صلى فرآه الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، فصلوا كصلاته، فكان فعله فيه ماذا؟ بيان لما تقدم من إجمال. كذلك الحج، الحج: خذوا عني مناسككم، هذا إجمال، لكن بيّن لهم، فكان الصحابة كلما رأوا النبي صلى الله عليه وسلم يفعل شيئًا فعلوا، وكلما قال شيئًا قالوا، فكان هذا كذلك ماذا؟ من التبيين بعد ماذا؟ بعد الإجمال، التبيين بماذا؟ بالفعل. قال رحمه الله: أو سكوت على فعل، فإنه بيان لجوازه. وهذا أيضًا يقول: أو سكوت على فعل، فإنه بيان لجوازه، كسكوت مثلا عن عقود الكفار في الأنكيحات وغيرها. الكفار كانوا إذا أسلموا، هل كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: الرجل مع امرأته، جدد العقد؟ كان ماذا؟ يسكت. فسكوته صلى الله عليه وسلم فيه ماذا؟ بيان لما هو ماذا؟ قد يكون مجملا، أي يأتي إشكال: هل أنكحة الكفار قبل الإسلام معتبرة أو غير معتبرة في الإسلام؟ فسكوت النبي صلى الله عليه وسلم عن المسلمين الذين أسلموا، يعني عن المسلمين الذين دخلوا في الإسلام مع أهليهم، وعدم أمرهم بأن يجددوا العقد، دلالة على إقرار ذلك العقد، أنه عقد ماذا؟ معتبر، فيكون فيه تبيين بالإقرار. قال رحمه الله: وعرف في المراقب البيان وما به البيان، بقوله: تصيير مشكل من الجلي، تصيير مشكل من الجلي، وهو واجب على النبي إذا أريد فهمه، وهو بما من الدليل مطلقًا يجل العمى. فقوله: بما من الدليل إلى آخره، يدل على أن كل شيء يزيل الإشكال بيان. واختار المحشي أن البيان شامل لكل إيضاح تقدمه خفاء أو لا، وهو قول معروف لبعض أهل الأصول، ولا مشاحة في الاصطلاح. وهذا في الإشارة إلى ماذا؟ إلى القول الثاني في المسألة، بل هو تصريح للقول الثاني في المسألة، من أن المبين أو البيان قد يطلق على ماذا؟ قد يطلق على ما سبقه خفاء، وقد لا يكون كذلك. وقوله رحمه الله تعالى: فبما من الدليل، يدل على أن كل شيء يزيل الإشكال بيان. قال: واختار المحشي -المراد به ابن بدران في حاشيته على كتاب ابن قدامة رحمه الله تعالى- روضة الناظر، وحاشيته معروفة مسمى بماذا؟ بنزهة الخاطر العاطر. قال: وهي من أحسن الحواشي. كتاب ابن بدران على روضة الناظر يعتبر من أحسن الحواشي، وهي في الحقيقة كما يشير إليها كلام ابن بدران رحمه الله تعالى: أصل الحاشية مأخوذة من مختصر الطوفي على الروضة. حاشية ابن بدران أصلها من شرح مختصر الروضة لمن؟ للطوفي رحمه الله. وكتاب الطوفي يعتبر من أفضل، بل هو أفضل شرح على الروضة، يعتبر أفضل شرح على الروضة مع اختصاره. قال رحمه الله: قال المؤلف رحمه الله تعالى: ولا يشترط حصول العلم للمخاطب، فإنه يقال: بُئين له ولم يتبين. ومثاله فيما يظهر لي أنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم بين أن عموم قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ﴾ لا يتناول الأنبياء؛ لأنهم لا يورث عنهم المال، فلا يقدح في هذا البيان أن فاطمة الزهراء رضي الله عنها لم تعلم. وقوله الزهراء، هذا بعض أهل العلم ينتقد مثل هذه التعريفات؛ لأن فيها بعض روائح أو الدخائل الشيعة. قال: مع أن فاطمة رضي الله عنها وأرضاها من سيدات نساء العالمين، بل هي سيدة نسائها للجنة، كما هو معلوم وثابت كما في صحيح مسلم وغيره من حديث عائشة رضي الله عنهما جميعًا. قال: أن فاطمة الزهراء رضي الله عنها وصلى الله وسلم على أبيها لم تعلم به، أي لم تعلم بماذا؟ بالبيان، لكن علم به غيرها. أم لا علم به غيرها؟ من الذي علم؟ الصحابة، ومنهم أبو بكر. قال: لذا قال: وجهت إلى أبي بكر تطلب ميراثها منه صلى الله عليه وسلم. فماذا قال لها أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه؟ أن النبي صلى الله عليه وسلم إيش قال؟ إن الأنبياء لا يورثون، أن الأنبياء ليس لهم ماذا؟ تركة، ولا يورثون أهليهم شيئًا من المال. فالحاصل أن هذا هو المقصود ها هنا. لذا قال: وإلى هذه القاعدة أشار في المراقب، قوله: ونسبة الجهل لذي وجود بما يخصص من الموجود. قال رحمه الله: ويجوز بيان النص بما هو دونه سندًا أو دلالة، على بعضهم، أو دلالة. فتبيين المتواترات بالآحاد، وهو مذهب الجمهور، وإليه الإشارة. وهذا واضح، بمعنى أنه لا يشترط في المبين أن يكون ماذا؟ أن يكون مثل أو أظهر من المجمل، لا باعتبار الثبوت ولا باعتبار الدلالة، واضح يا جماعة. لا يشترط في المبين أن يكون أقوى من المجمل، لا باعتبار الثبوت ولا باعتبار الدلالة، هذا هو الصحيح من أقوال العلم، كما ذكر أن هذا قول الجمهور. قال رحمه الله: وإليه الإشارة بقوله في المراقب: وبين القاصر من حيث السند أو الدلالة على ما يعتمد. وأوجبن عند بعض العلم إذا وجوب ذي الخفاء عما. ومن قال بهذا أجاز بيان المنطوق بالمفهوم. فتخصيص عموم قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: لِي الواجد ظلمًا يحل عرضه وعقوبته، بمفهوم الموافقة في قوله: ﴿فَلاَ تَقُل لَهُمَا أَفٍّ﴾؛ لأن فحواه يقتضي منع الأذى بالحبس في الدين، فلا يحبس الوالد في دين ولده. طيب الآن حديث: لِي الواجد ظلمًا يحل عرضه وعقوبته، هذا ظاهره ماذا؟ أن هذا عام، دلالته ماذا؟ عامة. لكن خالفه ماذا؟ أو خصص هذا العام بماذا؟ بمفهوم، بمفهوم الموافقة في قوله: ﴿فَلاَ تَقُل لَهُمَا أَفٍّ﴾. قال: لماذا؟ لأن فحواه يقتضي منع الأذى بالحبس في الدين، فلا يحبس الوالد في دين ولده. الآن إذا نظرنا إلى دلالة ولا تقل لهما أف على منع حبس الولد، ما هي الدلالة الأقوى؟ دلالة العموم أو دلالة فحوى خطاب؟ دلالة ماذا؟ العموم أقوى. ومع هذا خصص ذلك العموم بذلك الخطاب أو بفحوى ذلك الخطاب. فدل على أن الدلالة، دلالة تخصيص العام، ودلالة تبيين المجمل، لا يشترط فيها أن تكون ماذا؟ أقوى أو مساوية، بل ولو كانت دونها، فإن تكون ماذا؟ مقبولة. قال رحمه الله: وكتخصيص عموم قوله صلى الله عليه وسلم: في أربعين شاة شاة، بمفهوم المخالفة بقوله: في الغنم السائبة الزكاة عند من لا يرى الزكاة في المعلوفة. قال: وذهب قوم إلى أنها ضعافًا. طيب قوله رحمه الله تعالى: وكتخصيص عموم قوله صلى الله عليه وسلم: في أربعين شاة شاة، نعم. قال: وكتخصيص عموم قوله صلى الله عليه وسلم: في أربعين شاة شاة، أي في كل أربعين شاة شاة، هذا ماذا؟ هذا نص، يفيد ماذا؟ العموم، واضح. لكن قال ماذا؟ يعني مفهومه أن كل أربعين شاة فيها شاة، سواء كانت معلوفة أو كانت سائمة، هذا نص. لكن يقول ماذا؟ هذا النص أو هذا العموم خصص بمفهوم المخالفة. ومفهوم المخالفة كما مر معنا، إشارة أن دلالته ماذا؟ قوية أو ضعيفة، أن الدلالة ضعيفة، بل بعض أهل العلم لا يقول بها، كمن كالحنفية، واضح يا جماعة. ومع هذا ماذا؟ مع ضعفها، إلا أنه في مثل هذه الحالة حمل العام على الخاص بماذا؟ حمل بالمفهوم، بمفهوم ماذا؟ المخالفة. فدل على أن الدلالة إن كانت دون النص الأول، فإنها يحمل عليه. فإن النص يحمل عليه، سواء كان من باب العام والخاص، أو المطلق والمقيد، أو المبين والمجمل، والأمر كذلك ها هنا. قال رحمه الله: وذهب قوم إلى أن الأضعف دلالة لا يمكن البيان به؛ إذ لا يبين الأظهر بالأخفاء. قال: وهذا فيه نظر؛ إذ أن هذا التعليل أو أن قولهم: إذ لا يبين الأظهر بالأخفاء، هذا يحتاج إلى ماذا؟ إلى دليل وبرهان، يحتاج إلى دليل وبرهان. لماذا؟ لأنه قد ثبت في الشرع أن الأظهر يبين بالأخفاء، إذا كان الأخفاء فيه دلالة تدل عليه، إذا كان في الأخفاء دلالة تدل على ماذا؟ على بيان ما أشكل من إجمال، على بيان على تخصيص ما عم من عموم، وما شابه ذلك؛ لأن إعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما. قال رحمه الله: أما الأضعف سندًا إذا كان أقوى دلالة، فلا مانع من أن يبين به الأقوى سندًا الذي هو أضعف دلالة. ومثاله قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾؛ فإنه أقوى سندًا من حديث: لا تنكح المرأة على عمتها أو خالتها. ولكن الحديث أقوى دلالة على تحريم جمع المرأة مع عمتها، من دلالة عموم الآية على إباحة ذلك. طيب وهذا من هذا الباب، أي من حيث الدلالة، من حيث القوة، من حيث ماذا؟ الثبوت. الآن قول الله جل وعلا: بعد أن ذكر ما لا يحل، قال: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾. فالآية تدل على ماذا؟ على أن للرجل أن ينكح ما سوى من حرمهم الله جل وعلا عليه، فيدخل فيه ماذا؟ كل النساء، هذا عام، إلا من استثنينا. قال: لكن تلك الدلالة، دلالة العموم، عارضها ماذا؟ حديث، ما هو الحديث؟ لا تنكح المرأة على عمتها أو خالتها، هذا حديث. من حيث الإسناد، من حيث الثبوت، أيهما أقوى؟ الآية أو الحديث؟ الآية أقوى. لكن من حيث الدلالة على المعنى، أيهما أظهر؟ الحديث؛ لأن الحديث فيه ماذا؟ تصريح في التحريم، واضحة يا جماعة. لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها. والآية فيها ماذا؟ عموم. فدل على أن النص، ولو كان دون النص في القوة، إلا أنه تقدم دلالته، إذا كان دلالته أقوى، واضح. ومنه هذا الأنف، فيستثنى كذلك من الآية الجمع بين المرأة وعمتها، وبين المرأة وخالتها. قال رحمه الله: قال المؤلف رحمه الله تعالى: فصل. لا خلاف في أنه يجوز تأخر البيان عن وقت الحاجة. وجزم في المراقب أنه من أجازه وافق على عدم وقوعه، بقوله: تأخر البيان عن وقت العمل، ووقوعه عند المجيز ما حصل. طيب يعني معنى تأخر عن وقت الحاجة: أنه لا يجوز، يعني هل يتصور مثلا نحن سنضرب مثالا في ماذا؟ في المخلوقين. إذا قال السيد لغلامه: يا غلام، أريدك اليوم أن تعمل كذا من العمل إذا غربت الشمس، وما عملت سأعاقبك. ثم ما بيّن له حتى غربت الشمس، هل لو أنه يعاقبه؟ واضحة يا جماعة. العبد سيقول: إيش تريد مني؟ بيّن لي. فالآن هذا من هذا الباب، إنسان يأتي يسأل مثلا عن حكم من أحكام الشرعية، رجل يسأل عن حكم من أحكام الشرعية، يقول مثلا: هل لي أن أتزوج بأختي من الرضاع؟ يسأل العالم، العالم يسكت حتى يذهب، فيتزوج، إيش حكم العالم الآن؟ يا جماعة، يأثم؛ لماذا؟ لأنه أخر البيان عن وقت الحاجة. قال رحمه الله تعالى: هذه المسألة المذكورة أنه لا يجوز، يعني يقول: لا خلاف في أنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، يعني من المحال أن يقول الله جل وعلا مثلا: أقيم الصلاة، ثم وآتوا الزكاة، ثم لا يبين الصلاة ولا يبين ماذا؟ الزكاة، محال، واضح يا جماعة. قال رحمه الله: وذهب قوم إلى أنه واقع، واحتجوا بأن جبريل أخر بيان صلاة الصبح من ليلة الإسراء. قال: وأجيب من جهة الجمهور بأن أول صلاة منها يجب أداؤها صلاة الظهر، من اليوم الذي بعد ليلة الإسراء. ولو كانت صلاة الصبح من ذلك اليوم واجبة الأداء، لبينها جبريل عليه السلام. والحق ما ذهب إليه الجمهور؛ لأن تكليف الإنسان بما لا يعلم، تكليف له بالمحال، وهو ممنوع، وهو ممنوع الوقوع على التحقيق. قال رحمه الله: قال المؤلف رحمه الله تعالى: فصل. واختلف في تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة. طيب هذه المسألة، يعني غير المسألة الأولى. المسألة الأولى: تأخير بيان عن وقت الحاجة. الآن وقت الحاجة يؤخر البيان. المسألة الثانية: تأخير البيان إلى وقت الحاجة. مثال: يأتي إنسان يسأل عن مسألة، يقال له: وقعت، يقول له: إذا وقعت فاسأل. هاي سمى تأخير إيش؟ تأخير بيان عن وقت الحاجة، أو إلى وقت الحاجة؟ إلى وقت الحاجة، واضح يا جماعة. ما حكم هذا؟ واضح. ما حكم هل هذا مثل سابق إلا يجوز؟ أم فيه تفصيل سيأتي ذكره. قال رحمه الله: اختلف في تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة. فقال ابن الحامد: يجوز، وبه قال بعض الحنفية وبعض الشافعية. وقال أبو بكر عبد العزيز وأبو الحسن التميمي: لا يجوز ذلك، وهو قول أهل الظاهر والمعتزلة إلى آخره. خلاصة ما ذكره المؤلف في هذا المبحث ثلاثة أقوال: أولا: اختيار المؤلف منها أن تأخير البيان إلى وقت الحاجة جائز وواقع مطلقًا. ثانيا: أنه لا يجوز مطلقًا. ثالثا: لا يجوز إن كان له ظاهر؛ لأنه يوقع في المحظور. فقوله: فاقتلوا المشركين مثلا، ظاهره العموم، فلو أخر البيان لأدى إلى قتل جميع المعاهد والمستأمن؛ لشمول ظاهر العموم لهم. واستدل المؤلف لجواز تأخير البيان إلى وقت الحاجة بقوله تعالى: ﴿فَاتَّبِعُوا قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾. ثم للتراخي، فدلت على تراخي البيان عن وقت الخطاب. وكذلك عنده قوله تعالى: ﴿ثُمَّ فَصَّلْنَاهُ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾. وبأنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم علم بأن المراد بقوله: في خمس الغنيمة ولد القربى، بنو هاشم والمطلب دون إخوانهم من بني نوفل وعبد شمس، مع أن الكل أولاد عبد مناف. فأخر بيانهم حتى سئل، فقال: إنا وبنو المطلب لم نفترق في جاهلية ولا إسلام. وبأنه تعالى قال لنوح: ﴿احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ﴾. إلا من سبق عليه القول، حين قال نوح: إن ابني من أهلي. فبين له أنه ليس من أهله، بقوله: ﴿يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾. وبأن آيات الصلاة والزكاة والحج، بينتها السنة بالتراخي والتدريج في أوقات الحاجة. وبأن النسخ بيان لانقضاء زمن الحكم الأول، ولا خلاف في تأخير بيانه إلى وقته. إلى غير ذلك من الأدلة. وأشار في المراقب إلى هذا الخلاف في هذه المسألة، مع زيادة قول رابع، بقوله: تأخيره للاحتياج واقع، وبعضنا هو لذاك مانع. وقيل بالمنع لما ق المطلقي. ثم بعكسي لدى البعض. فالحاصل رحمه الله تعالى: أن تأخير البيان عن وقت الحاجة، كما ذكر العلامة الشنقيط رحمه الله تعالى، فيه أقوال، ذكره ثلاثة هاهنا، وأشار إلى رابع. أولها، وهو اختيار المؤلف: أنه يجوز. ثانيها: أنه لا يجوز مطلقًا. وثالثها: ما عندكم؟ ثالثها: لا يجوز إن كان له ظاهر؛ لأنه يوقع في المحظور؛ لأنه يوقع في المحظور. فقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ مثلا، ظاهره العموم، إلى آخره. يقول: يعني في الأمر الثالث، لا يجوز إن كان له ظاهر، أي إن كان له ظاهر يخالف ما أريد منهم، ما أريد، يعني ما أراده الشرع يخالف ما أراده الشرع. والحاصل أن هذا هو: أن يجوز، يعني أنه لا يجوز إن كان فيه ماذا؟ إن كان فيه ما قد يظن أن الشرع يريده، وهو لا يريده، واضح يا جماعة. فإذا كان كذلك، فتأخير البيان إلى وقت الحاجة في مثل هذا لا يجوز. ودلل عليه بأدلة، وتكلم وبسط. والنفس إليه العلامة الشنقيط رحمه الله تعالى، يدل على أنه هو الذي أراد، وهو الذي اختاره: أن هذا لا يقال بأنه يجوز مطلقًا، ولا يقال بأنه لا يجوز مطلقًا، بل يفصل. فإن كان تأخيرهم يسبب لبسًا، فها هنا ماذا؟ يجب البيان. إن كان لا يسبب لبسًا، فلا يجب ماذا؟ البيان. وعليه تتنزل ما ذكره العلامة الشنقيط رحمه الله تعالى من أدلة الكتاب والسنة على هذا المعنى. والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم، وعلى آله وصحبه أجمعين.

شاركنا على