شرح المذكرة - مقرر السنة الثالثة 7

الدرس في شرح المذكرة - مقرر السنة الثالثة 7، ألقاها

تعريف الأمر وبيان صيغه في اللغة العربية

يناقش تعريف الأمر لغة واصطلاحا، ويشرح صيغ الأمر ودلالتها على الطلب. يوضح الخلاف بين الأصوليين حول اشتراط الاستعلاء أو العلو في الأمر.

صيغ الأمر وموقف الأشاعرة منها

يذكر صيغ الأمر في اللغة العربية، ويبين موقف الأشاعرة من هذه الصيغ حيث يعتبرون الكلام نفسانيًا ولا يدل على الأمر بذاته. يوضح أن هناك أربعة صيغ مذكورة في القرآن.

مذهب أهل السنة في كلام الله والإرادة

يشرح مذهب أهل السنة والجماعة في كلام الله تعالى، ويفرق بين الإرادة الشرعية والكونية. يبين أن الأمر الشرعي يلازم الإرادة الشرعية ولا يلزم الإرادة الكونية.

تفصيل الإرادة الشرعية والكونية عند أهل السنة

يتناول شرح مفهوم الإرادة عند أهل السنة والجماعة، ويفرق بين الإرادة الشرعية والإرادة الكونية. يبين أن أهل السنة والجماعة هم وسط بين الأشاعرة والمعتزلة في هذا السياق.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الأمر استدعاء الفعل بالقول على وجه الاستعلاء. وقوله «الأمر» هذا تعريف للأمر، قال «استدعاء» أي طلب الاستدعاء، بمعنى الطلب. قال «الفعل» قال «هو استدعاء الفعل» أي أن الأمر هو طلب فعل بقول. وقوله «بقول» أي أنه خاص بماذا؟ بالقول، بأن يقال لو «افعل كذا» لتفعلن «كذا». وقوله «على وجه الاستعلاء» على وجه الاستعلاء، أي على وجه الأمر المصحوب بمعنى الاستعلاء الذي معناه ماذا؟ العلو الذي معناه ماذا؟ العلو وزيادة، وهو معنى القهر، أمر فيه معنى السلطة، وفيه معنى القهر. هذا ومعنى الاستعلاء فضل طيب. وقيل: هو القول المقتضي طاعة المأمور بفعل المأمور به إلى آخره. قال «وهو فاسد» لماذا فاسد؟ سيأتي في كلام العلامة الشنقيطي بيان ذلك. قال رحمه الله: وحد فساد الحد الأخير، وجه فساد الحد الأخير. قال رحمه الله: وجه فساد الوجه الأخير أن فيه لفظة «المأمور» مرتين، وهي مشتقة من «الأمر»، فيحصر الدور فيمتنع الفهم. يعني معناه أن كون هذا التعريف ليس بصحيح، بل هو فاسد؛ لأنه يلزم منه الدور، ووجود الدور في التعاريف هذا مما يفسد التعاريف ويجعلها معابة. ما معنى الدور؟ معنى الدور أن يفسر الشيء بما لا يعرف ذلك المفسر إلا بالمفسر به، فلا يعرف المفسر إلا بمفسر به، والمفسر به إلا بماذا؟ إلا بمفسر، فيكون ماذا؟ الدور، فما يعرف ماذا؟ ما يعرف حقيقة المراد. مثله هذا، مثله هذا. فهو يقول: «هو القول المقتضي طاعة المأمور بفعل المأمور»، طاعة المأمور بفعل المأمور، كيف تكون طاعة المأمور؟ لا تكون طاعة المأمور إلا بفعل المأمور، ولا يكون فعل المأمور إلا بطاعة المأمور، وهكذا يحصل فيه ماذا؟ دور؛ لأن «المأمور» يحتاج إلى بيان في الموضعين، ففيه دور. فلهذا قال: بأنه فاسد؛ لأنه معاب؛ لأن الحدود - كما يقول العلماء رحمهم الله تعالى - ينبغي أن تكون مصانة، مصانة عن أولا عن دخول وصف غريب فيها؛ لأن العبرة في الحدود أن تكون جامعة مانعة للمراد تعريفه، جامعة أي تجمع كل ما أريد تعريفه، مانعة أي مانعة من دخول أي وصف في ذلك الشيء المراد تعريفه ليس منه. ويمنع أو كذلك في الحدود - كما يذكر علماء الحدود - من المعاب في الحدود أن يلزم منها الدور؛ لأنه لا يستطاع مع ذلك معرفة المراد. ومن المعاب كذلك في التعريف والحدود أن تكون ماذا؟ أن تكون طويلة مسهبة، أن تكون طويلة فيها ماذا؟ إسهاب، وما شابه ذلك. فالشاهد أن هذا معاب بهذا الاعتبار. قال رحمه الله ومفهوم قوله «على وجه الاستعلاء» أنه إن كان على عكس ذلك فهو دعاء، وإن كان على التساوي فهو التماس - كما قال الأخضر في سلمه -: «أمر مع استعلاء، وعكسه دعاء، وفي التساوي التماس». وقع طيب. قوله رحمه الله تعالى: «ومفهوم قوله على وجه الاستعلاء» أنه إن كان على عكس ذلك فهو الدعاء، أي: إذا كان استدعاء الفعل من الأدنى للأعلى، هل يسمى ماذا؟ هل يسمى دعاء؟ كالعبد إذا دعا ربه جل وعلا، هذا ماذا؟ قال: «يا رب اعمل لي كذا»، «يا رب افعل لي كذا»، «ارجقني كذا». طلبوا فعل من الأدنى للأعلى، هذا يسمى ماذا؟ دعاء. وإن كان من المساوي للمساوي، قالوا: هذا يسمى ماذا؟ التماسا. وذكر عن الأخضر في سلمه - وهو سلم مروق، وهو من كتب أو من منظومات المعروفة في المنطق، وهي تعتبر من أشهر المنظومات عند المتأخرين في هذا الباب - قال رحمه الله: مع أن صاحبها أشعري، وأكثر حواش عليها كذلك. قال رحمه الله: «واشتراط الاستعلاء» الذي يعني سمى «السلم المورق» - ولو شروحات تكثرها على هذا الباب؛ لأنه هو الأصل أزهري، والغالب الأزاهرة أنهم أشاعرة، وشراحه كذلك فيما أعلم - قال رحمه الله: «واشتراط الاستعلاء» الذي مشى عليه المؤلف هو قول الفخر الرازي، وأبي الحسين، والآمدي، وابن الحاجب، والباجي. وقيل: يشترط فيه العلو فقط، وهو قول المعتزلة، وأبي إسحاق الشيرازي، وابن الصباغ، والسمعاني. وقيل: يشترط فيه العلو والاستعلاء معا، وهو قول القشيري، والقاضي عبد الوهاب. وقيل: لا يشترط فيه علو ولا استعلاء، فيصح من المساوي والأدون على غير وجه الاستعلاء، وهو مذهب المتكلمين، واختاره غير واحد من المتأخر الأصوليين. وأشار في المراق إلى هذه الأقوال بقوله: «وليس عند جل الأذكياء شرط علو فيه واستعلاء، وخالف الباجي بشرط التالي، وشرط ذاك رأي ذي اعتزالي، واشترط طامعا على توهيني لدى القشير ودى التلقيني». طيب. يعني الحاصل أن تعريف الأمر: هل يشترط فيه أن يكون بقيد الاستعلاء أو لا؟ فيه خلاف. منهم من اشترط الاستعلاء، ومنهم من قال: لا، بل العلو. ومنهم من قال: الاستعلاء والعلو. ومنهم من لم يشترط لا الاستعلاء ولا العلو، فقال: الأمر ولو كان من ماذا؟ من المساوي أو الأدنى، فإنه يسمى كله ماذا؟ يسمى أمرا. وفي هذا نظر، وفيه نظر. وسيأتي معنا الفرق بين الاستعلاء والعلو. قال رحمه الله: «الاستعلاء» كون الآمر على وجه الغلظة والترفع والقهر. «والعلو» شرف الآمر وعلو منزلته في نفس الأمر، في نفسه الأمر، ولو لم يكن ماذا؟ ولو لم يكن هذا هيئته، ولو لم يكن هذا هيئته، لكن لشرفه لمكانته يسمى ماذا؟ أمرا. هذا إذا كان من علو، من العلو. يعني مثاله في الاستعلاء: الملك إذا قال للجند، للرعية «افعلوا كذا»، هذا على وجه ماذا؟ على وجه الاستعلاء؛ لأنه أمر يتضمن ماذا؟ معنى القهر، معنى كذلك الغلظة، الترفع، إلى غير ذلك. لكن إذا كان مثلا من العالم للأمير، العالم إذا قال للأمير: «يا أيها الأمير افعل كذا وكذا»، هذا أمر، إذا كان الأمر بمعنى ماذا؟ العلو، الأمر من من شريف. لكن هل في معنى الرفع، الترفع، والغلظة؟ ويعني كذلك القهر؟ الجواب: لا. فهذا هو الفرق بين ماذا؟ بين أمري: الأمر بالاستعلاء، والأمر بماذا؟ بالعلو. لذا هم قالوا: أن الأمر إذا كان بالعلو فقط دون الاستعلاء، ليس هو أمر في الحقيقة، وإنما هو ماذا؟ إشارة، يعني شورة، أشار عليه بكذا، نصيحة، توجيه. ولا يقال فيه ماذا؟ أمر، وإنما يقول: أمر أو يتصور أمر ممن؟ ممن يجب تنفيذ أمره، ممن يجب تنفيذ أمره. لذا قالوا: يشترط فيه ماذا؟ الاستعلاء. قال رحمه الله: قال المؤلف رحمه الله تعالى: «وللأمر صيغة مبنية تدل بمجردها على كونها أمرا إذا تعرت عن القراء»، وهي «إفعل» للحاضر، و«ليفعل» للغائب. بهذا قول الجمهور إلى آخره. أي قول الجمهور من الأصوليين. وإلا هذا القول في الحقيقة هو قول السلف قاطبة، لا خلاف بين أهل السنة والجماعة في أن الأمر أن صيغة الأمر مبنية، يعني مبينة للأمر، صيغة مبينة تدل بمجردها على كونها أمرا إذا تعرت عن القراء. هذا لا خلاف فيه بين أهل السنة والجماعة. ولكن قوله «قول الجمهور» إشارة إلى الخلاف عند الأصوليين من المتكلمين. قال رحمه الله: اعلم أن الصيغة الدالة على الأمر أربع، وكلها في القرآن، وهي: الأولى «فعل الأمر» نحو «وأقم الصلاة». الثانية «المضارع المجزوم بلام الأمر» نحو «فليحذر الذين يخالفون عن أمره». الثالث «اسم فعل الأمر» نحو «عليكم أنفسكم». الرابع «المصدر النائب عن فعله» نحو «فضرب الرقاب». طيب. قوله «أولا والأمر صيغة مبنية تدل بمجردها على كونها أمرا إذا تعرت عن القرآن» هذا دليله قد تقدّم معنا في المباحث الأولى، في مباحث ماذا؟ الوجوب. مثل ماذا؟ مثل قول الله جل وعلا: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ وَيُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ يدل الأمر على ماذا؟ على أنه يقتضي الوجوب. مجرد صيغة أمره. وكذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بماذا؟ باستعمال السواك»، لأمرتهم، فدل على أنه لو أمرهم باستعمال السواك لكان استعمال السواك ماذا؟ واجبا عليهم. فدل هذا على أن الأمر أولا واجب، ودل على أن الأمر له ماذا؟ صيغ معلومة. لذا قال: «لأمرتهم» لكن ما أمرهم. ثم ذكر الشيخ رحمه الله تعالى ها هنا أن الأمر له صيغ معروفة أربع، وهي كلها مذكورة في كتاب الله جل وعلا، وكذلك موجودة في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك هي موجودة في كلام العرب الذي به أنزل القرآن. فذكر «فعل الأمر» نحو «أقم الصلاة»، «أقم الصلاة» من من؟ من العرب، فضلا عن غيرهم. من لا يفهم أن قول الله جل وعلا: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ﴾ أن تفيد الأمر؟ واضح. قوله كذلك «الفعل المضارع المجزوم بلام الأمر» نحو «فليحذر» هنا إيش؟ أمر، فعل المضارع، كان دخلت عليه إيش؟ لام الأمر. كذلك إيش؟ «فعل الأمر» نحو «عليكم أنفسكم» أي إلزموا أنفسكم. وكذلك «المصدر النائب عن فعله» نحو «فضربوا الرقاب»، «فضربوا الرقاب» أي فضربوهم، أي فضربوا ضربا، «فضربوهم ضربا ضربا ضربا رقاب». فهذه الأفعال أو هذه الأشياء كلها تدل على ماذا؟ تدل على الأمر. قال رحمه الله: قال المؤلف رحمه الله تعالى: «وزعمت فرقة من المبتدعة أنه لا صيغة للأمر» بناء على خيالهم أن الكلام معنا قائم بالنفس، قائم بالنفس. فخالفوا الكتاب والسنة وأهل اللغة والصرف إلى آخره. وأهل اللغة والعرف، وأهل اللغة والعرف. أي: أن الكلام في الشرع، في الكتاب والسنة، وفي اللغة، وفي عرف الناس: له صيغة أم لا؟ هل الكلام عند الناس يفهمون أنه كلام نفساني؟ لا. كل إنسان يعلم أن الكلام هذا لفظ مفيد، لفظ مفيد - كما قال الإمام ابن مالك رحمه الله تعالى في ألفيته -: «كلامنا لفظ مفيد كاستقم». كلاما مفيدا، فلا يكون الكلام إلا ماذا؟ كلاما مفيدا. فهذا دل عليك ما ذكر رحمه الله تعالى: الكتاب والسنة، وأهل اللغة، والعرف. وخالف في ذلك المبتدعة من الأشاعرة، فقالوا: إنه لا صيغة للأمر، بناء على خيالهم. وقول على خيالهم يدل على أن قولهم لا حقيقة له؛ لماذا لا حقيقة له؟ إذ أنه لا يتصور، وليس له برهان، ولا دليل: لا من كتاب، ولا من سنة، ولا من لغة، ولا من عرف. وإنما هي مجرد ماذا؟ توهمات وتخيلات، ظنوها حقا. قال رحمه الله: اعلم أن كثيرا من المتكلمين يزعمون أن كلام الله معنى قائم بذاته، مجرد عن الألفاظ والحروف. هذا مذهب من؟ مذهب الكلابية، وأخذهم عنهم الأشعرية. وبه عرف هذا المذهب، واشتهر. عند هؤلاء أن الله تبارك وتعالى ما تكلم بكلام حقيقي: بصوته، ولفظه، وحرفه. وإنما الكلام عندهم: كلام الرب جل وعلا في نفسه، كلام الرب جل وعلا عندهم في ماذا؟ كلام نفساني. وإنما عبر: تارة يقولون: جبريل عما في نفس الله تبارك وتعالى. وتارة يقولون: محمد صلى الله عليه وسلم عبر عما في نفس الله تبارك وتعالى. فالقرآن الذي بين أيدينا، قالوا: حروفه وكتابته، المكتوب: هذا في الحقيقة هو عبارة عن كلام الله، ليس بكلام الله، عبارة عن كلام الله، وليس بكلام الله. لماذا؟ لأن الكلام عندهم إنما هو كلام إيش؟ كلام نفساني. ثم فرعوا عن هذا أن قالوا: أن الأمر ليس له صيغة - كما أن النهي ليس له صيغة - كما سيأتي معنا بإذن الله تبارك وتعالى. لماذا ليس له صيغة؟ لأن الكلام نفساني أصلا. فإذا رأينا «افعل كذا»، يقول: هذا عبارة عن الأمر الذي في نفس الله، عبارة عن الأمر الذي في نفس الله، يدل على الأمر الذي في نفس الله. الصيغة بنفسها لا تدل على ماذا؟ على الأمر. مثلا قول الله جل وعلا: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ﴾، «أقم الصلاة»، «أقيم الصلاة»، «أقيم الصلاة». واضح. هذه ليست الصيغة، لا تدل بذاتها على الأمر، ولكن هي دالة على ما في نفس الله جل وعلا من الأمر. واضح. هي دالة على ما في نفس الله تبارك وتعالى من ماذا؟ من الأمر. لماذا؟ لأن الكلام عندهم في الحقيقة هو ماذا؟ نفساني. لذا يقول رحمه الله تعالى هنا: يقول «والأمر عندهم هو اقتضاء الفعل بذلك المعنى القائم بالنفس المجرد عن الصيغة». ولأجل هذا الاعتقاد الفاسد قسموا الأمر إلى قسمين: نفسي ولفظي. قال: «فالأمر النفسي عندهم هو ما ذكرنا»، أي: الأمر هو اقتضاء الفعل بذلك المعنى القائم بالنفس المجرد عن الصيغة. هكذا يعرفونه الأمر، تجد في كتب الأشاعرة إذا عرفوا الأمر يقولون: هذا هو المعنى، هو اقتضاء الفعل بذلك المعنى القائم بالنفس المجرد عن الصيغة. أو يقولون: هو اقتضاء الفعل المجرد عن الصيغة. واضح. «والأمر اللفظي» قال: «هو اللفظ الدال عليه»، اللفظ الدال على ماذا؟ على ما في النفس، اللفظ الدال عليه، أي: على ما في النفس، كصيغة «إفعل». أي: صيغة «إفعل» هل هي صيغة أمر؟ يقول: لا. هي تدل على الأمر الذي في نفس الله تبارك وتعالى؛ لأن الصيغة المجردة عندهم: بنفسها، وبذاتها ليست بكلام أصلا. واضح. وإنما هي عبارة عن الكلام. فصيغة «المجردة» عبارة عما دل، عما دل، عما في نفس الله تبارك وتعالى. فهي أمر باعتبار أنها دلت على ما في نفس الله، لا باعتبار أنها أمر بذاتها. واضح. قد يقول قائل: ما فرق إذن بين أهل السنة والجماعة وبين الأشاعرة؟ الفرق بين القولين كالفرق بين السماء والأرض. أهل السنة والجماعة يقولون: بأن الكلام بأن كلام الله تبارك وتعالى: حرف وصوت، تكلم الله جل وعلا بكلام حقيقي: بحرف نفسه، وصوت نفسه سبحانه وتعالى. فقول الله جل وعلا: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ﴾ هذه الصيغة بمجردها هي كلام الله جل وعلا، وتدل على الأمر، صيغة أمر. واضح. أما عند الأشاعرة، فعندهم: الكلام نفساني، وما هو موجود عندنا مثل «أقم الصلاة» هذا ليس من كلام الله باعتبار ماذا؟ باعتبار اللفظ. واضح. إنما هو عبارة عن كلام الله. ومن حيث المعنى الأصولي يقول: لا يدل هذا المعنى على الأمر بذاته، ولكن هو إيش؟ هو يدل على الأمر باعتبار ما في نفس الله، يدل على الأمر باعتبار ما في نفس الله، لا باعتبار أصيغة نفسها. فهذا والفرق بين أهل السنة والجماعة وبين الأشاعرة. قال رحمه الله: إذا علمت ذلك، فاعلم أن هذا المذهب باطل، وأن الحق أن كلام الله هو هذا الذي نقرأه: بألفاظه ومعانيه. فالكلام كلام الباري، والصوت صوت القاري. وقد صرح تعالى بذلك في قوله: ﴿فَأَجْرِهِ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ فالكلام كلام الله جل وعلا حقيقة، بصوت نفسه. وكذلك الحروف: حروف تكلم الله جل وعلا حقيقة. فالحرف والصوت منه جل وعلا حقيقة، لا كما تقول أشاعرة: من أن الصوت والحرف ليس من كلام الله جل وعلا؛ لأن الكلام نفساني. هذا قول باطل. قال رحمه الله: فصرح بأن ما يسمع ذلك المشرك المستجير بألفاظه ومعانيه كلامه تعالى. وأقام المؤلف الحجج على أن ما في النفس إن لم يتكلم به لا يسمى كلاما. كقوله في قصة زكريا: قال: ﴿آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ﴾ مع أنه أشار إليهم - كما قال: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ فلم يكن ذلك المعنى القائم بنفسه الذي عبر عنه بالإشارة كلاما. وكذلك في قصة مريم: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ مع قوله: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾. وفي الحديث: «إن الله عفى لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم» عما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم أو تعمل به. واتفق أهل اللسان على أن الكلام اسم وفعل وحرف. وأجمع الفقهاء على أن من حلف لا يتكلم لا يحنث بحديث النفس، وإنما يحنث بالكلام. وهذا كما ترون: ذكروا الأدلة من الكتاب والسنة، وكذا اللغة والعرف، أي: عرف الفقهاء رحمهم الله تعالى. فبيّنوا أن الكلام ما كان بلفظ وصوت. ومثلوا على ذلك في قصة زكريا عليه السلام: قال: ﴿آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ﴾ ومع هذا فخرج على قومه من المحراب ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ قالوا: هذا كلام. وحنث زكريا؟ الجواب ماذا؟ لا. وعلى قول الأشاعرة: ينزل أن يكون ماذا؟ أن يكون حنثا. واضح. وكذلك في قصة مريم عليها السلام: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ ومع هذا كلمت؟ أم لا؟ الجواب: لا. لكن ماذا؟ لما رجعت إلى قومها سألوها، فأشارت إليه: هل كانت هذه الإشارة كلاما؟ الجواب: لا. ولو كانت كلاما فإنها ما وفت بماذا؟ بنذرها. فعلى كلام الأشاعرة: يكون إيش؟ يكون كلاما. واضح. وهكذا قل: إذا نذر الإنسان أو قال إنسان مثلا لمرأته: «والله إذا تكلمت اليوم فأنت طالق». فحصل منه أنه ماذا؟ حدث نفسه. فهل تطلق امرأته بذلك؟ الجواب: كذلك ماذا؟ لا. وهكذا قل في ماذا؟ فيما شابه ذلك. فقولهم باطل. بل يقول الشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: أنهم أتوا بقول لم يسبقوا إليه، وبسببه تسلطت عليهم المعتزلة والجهمية في باب كلام الله تبارك وتعالى. قال مقيده عفى الله عنه: وإذا أطلق الكلام في بعض الأحيان على ما في النفس، فلا بد أن يقيد بما يدل على ذلك - كقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾ فلو لم يقيد بقوله «في أنفسهم» لنصرف إلى الكلام باللسان - كما قرره المؤلف رحمه الله. وهذا كذلك من الأدلة: من الأدلة على أن الكلام إذا أطلق يراد به الكلام اللفظي. أن الله جل وعلا إذا ذكر الكلام النفساني بيّنه وقيده - كما في قوله: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ «في أنفسهم». ويقولون في أنفسهم «لولا يعذبنا الله بما نقول». فلو أن الكلام لم يكن بلفظ لم احتاج لم احتاج إلى أن يقال ماذا؟ «في أنفسهم». واضح. ولو أطلق وقال: «ويقولون لولا يعذبنا الله» لتبادر إلى الذهن أنه ماذا؟ أنه كلام لفظي. واضح. قال رحمه الله: قال المؤلف رحمه الله تعالى: «فهم الدليل على أن هذه صيغة الأمر». فاتفاق أهل اللسان على تسمية هذه الصيغة أمرا. ولو قال رجل لعبده «اسقني ماء» عد أمرا، وعد العبد مطيعا بالامتثال. وهذا واضح. وهذا كذلك واضح. فعند العرب إذا قال الإنسان - كما ذكر السيد - لعبده «اسقني ماء» فامتثل وأتاه بالماء: يسمى ماذا؟ العبد يسمى مطيعا. لماذا؟ لأنه امتثل أمر سيده. مجرد صيغة. وإذا ما امتثل يسمى ماذا؟ يسمى عاصيا. فدل على أن الأمر عند العرب له إيش؟ له صيغة معروفة، بدلالتها على الأمر. قال رحمه الله: ومن الواضح أيضا: ألا يقدح في كون «إفعل» صيغة أمر كونها قد ترد لغير ذلك - كالندب في قوله: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ على القول به، والإباحة في قوله: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾، والإكرام في قوله: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ﴾، والإهانة في قوله: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾، والتهديد في قوله: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾، والتعجيز في قوله: ﴿فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ﴾ إلى غير ذلك من المعاني؛ لأن صيغة «إفعل» حقيقة متبادرة في استدعاء الفعل وطلبه، مع أنها تستعمل في معنى آخر، في معنى آخر مع قرينة تبين أن المراد ذلك المعنى الآخر. وهذا لا إشكال فيه - كما أوضحه المؤلف. طيب. قال رحمه الله: اعلم أن التحقيق في هذا المبحث أن الإرادة نوعان: إرادة شرعية دينية، وإرادة كونية قدرية. والأمر الشرعي إنما تلازمه الإرادة الشرعية الدينية، ولا تلازم بينه وبين الإرادة الكونية القدرية. فالله أمر أبا جهل مثلا بالإيمان، وأراده منه شرعا ودينا، ولم يرده منه قونا وقدرا؛ إذ لو أراده قونا لوقع. ولو شاء الله ما أشركوا. ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾. قوله رحمه الله: «اعلم أن التحقيق في هذا المبحث أن الإرادة نوعان». وبهذا يزول الإشكال؛ لأنك لو علمت لأنك إذا علمت أن الإرادة إرادتان: شرعية يحبها الله، وقد تقع، وقد لا تقع. وكونية لابد أن تقع، وقد يحبها الله، وقد لا يحبها. علمت أن ما أمر الله جل وعلا به لا يلزم أن يكون ماذا؟ أن يكون واقعا. مثل ماذا؟ مثل إيمان الكافر. الله جل وعلا أمر الكافر بالإيمان؟ أم لا؟ أمره النبي صلى الله عليه وسلم، كان يأمر قريشا بماذا؟ بأن يقولوا «لا إله إلا الله». ومع هذا ماتوا، أو مات منهم من مات على الكفر. ومنهم أبو جهل. هل أمر الله جل وعلا لأبي جهل بالإيمان يريد؟ أم لا؟ يقال بأنه مراد لله تبارك وتعالى باعتبار الإرادة الشرعية، وليس بمراد لله تبارك وتعالى باعتبار الإرادة الكونية. الإرادة الشرعية؛ لأن الله يحب الإيمان. والإرادة الكونية: أنه ما وقع، فدل على أن الله جل وعلا لم يشأ منه الإيمان، وإن أحب منه الإيمان. قال رحمه الله: فإن قيل: ما الحكمة في أمره بشيء وهو يعلم أنه لا يريد وقوعه كونا وقدرا؟ وهذا إشكال تأتي على مذهب المعتزلة؛ لأن المعتزلة يقولون: بأن ما أمر الله جل وعلا به لا يريده، ولو أرادوا لوقع. لماذا؟ لأن عندهم الإرادة شيء واحد. ما هي الإرادة عندهم؟ إرادة كونية. واضح. الأشاعر بالعكس يقولون: يقولون ما أمر الله جل وعلا قد يكون بغير إرادة. لأن الإرادة عندهم ماذا؟ شرعية. فيدخلون في ذلك أن الله جل وعلا قد يريد الكفر من الكافر؛ فما دام أن الكافر كفر، إذن الله جل وعلا يحب الكفر من ذلك الكافر، والشرك من ذلك المشرك. فيستدلون بما وقع على ماذا؟ على إرادة الله جل وعلا، وأن الله جل وعلا يحبه؛ لأن الإرادة عندهم كذلك ماذا؟ إرادة واحدة، هي الإرادة التي يسميها أهل السنة والجماعة ماذا؟ الإرادة الشرعية. فالإرادة عند الأشاعرة أو قل الجبرية بالمعنى الأعم؛ لأن الأشاعرة جبرية. الإرادة عندهم ما هي؟ كل ما يحبه الله، وكل واقع فهو محبوب. وأما المعتزلة القدرية فيقولون ماذا؟ يقولون: ما وقع من الكفر فليس بإرادة الله، ولا بمشيئته. فالله جل وعلا يأمر بغير إرادة، ولا مشيئة. ولو أمر بإرادة ومشيئة لحصل ماذا؟ لحصل مراده. والواقع أنه لم يحصل مراده. لذا كفر من كفر، إذن أمر الله جل وعلا لا يكون بماذا؟ يكون بإرادة. والسنة والجماعة هم وسط بين هؤلاء وهؤلاء. وهذا من توفيق الله جل وعلا؛ إذ أنه وفقهم لمختلف فيه، لمختلف فيه من الحق بإذنه إلى صراط المستقيم. فعلموا وبيّنوا أن الإرادة إرادتان: إرادة شرعية يحبها الله جل وعلا، وأوامر الله جل وعلا الشرعية مراد بهذا الاعتبار. واضح. وإرادة كونية لا يحبها الله جل وعلا، وهي التي لا يريد الله جل وعلا، لا يريدها في الأوامر إذا كانت ماذا؟ فيما لا يحبه الله جل وعلا. فهي مرادة باعتبار، غير مرادة باعتبار: مرادة باعتبار ماذا؟ الإرادة الشرعية، وغير مرادة باعتبار إرادة الكونية لمن خالف أمر الله جل وعلا. قال رحمه الله: «فالجواب أن الحكمة في ذلك ابتلاء الخلق وتمييز المطيع من غير المطيع». وقد صرح تعالى بهذه الحكمة؛ فإنه تعالى أمر إبراهيم بذبح ولده، مع أنه لم يرد وقوع ذبحه بالفعل كونا وقدرا. وقد صرح بأن الحكمة في ذلك ابتلاء إبراهيم - حيث قال: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ﴾ فظهر بطلان قول المعتزلة: أن لا يكون أمرا إلا بإرادة وقوعه. وقد جرهم ضلالهم هذا إلى قولهم: «إن معصية العاصي ليست بمشيئة الله؛ لأنه أمر بتركها، ولم يرد إلا التزام الذي أمر به؛ لأن الأمر لا يكون أمرا إلا بالإرادة». فنسبوا إليه تعالى العجز، واستقلال الحادث بالفعل دونه سبحانه وتعالى عن ذلك علوا كبيرا. قال رحمه الله: وقد يشاهد السيد يأمر عبده اختبارا لطاعته ونيته. إن أظهر الطاعة أعفاه من فعل المأمور به. فهو أمر دون إرادة وقوع المأمور به، لا لبس فيه - كما ذكره المؤلف رحمه الله. طيب. وهو كما ذكر رحمه الله تعالى: أن هذا كما أنه ثابت بالشرع، كذلك ثابت بالعرف. فالسيد - كما ذكر رحمه الله - أن سيدا يأمر ربما يأمر عبده بماذا؟ بالأمر، لا لأنه يريد فعل المأمور، ولكن لينظر: هل يمتثل أم لا؟ هل يمتثل أم لا؟ إن يمتثل قاله: «يكفي لا تفعل». فهو في الحقيقة ما أراد ماذا؟ فعل المأمور، ولكن أراد ماذا؟ أراد أن يمتحن طاعتهم لسيده. وهذا واقع - كما أنه واقع شرعا - هو واقع كذلك ماذا؟ عرفا. والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم، وعلى آله وصحبه أجمعين.

شاركنا على