شرح آيات الصيام 3

شرح آيات الصيام 3

الدرس في شرح آيات الصيام 3، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تفسير الآية الكريمة "كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ"

يتناول المقطع تفسير الآية الكريمة "كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ" من سورة البقرة، حيث يشرح المفسرون معنى "الذين من قبلكم". يُرجح أن الصيام كان مفروضًا على جميع الأمم السابقة لعموم النص القرآني وتأكيد التاريخ على فرضية الصيام في الشرائع السابقة.

كيفية صيام الأمم السابقة والحكمة من ذكره في القرآن

يتناول المقطع كيفية صيام الأمم السابقة واختلاف طرق صيامهم، ويبرز الحكمة من ذكر صيامهم في القرآن، مشيرًا إلى أن بعضهم صام مثل صيامنا بينما غيرهم اختلف صيامه في المدة أو الكيفية.

فوائد تشريع الصيام على الأمة الإسلامية وخيرية الأمة

يشرح المقطع ثلاث فوائد لتشريع الصيام على الأمة الإسلامية، وهي: تأنيس الأمة بكونها ليست وحدها في تشريع الصيام، بيان محبة الله للصيام، وبيان خيرية الأمة بكونها لم تنفرد بالصيام بل كانت لها الأجر الأوفى.

ختام الدرس بالدعاء والصلاة على النبي

المقطع يتضمن الدعاء بأن ينفع الله بما قيل، والصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، ويُظهر التوجه الديني والالتزام بالتقوى، ويُنهي بالتأكيد على علم الله تعالى.

التفريغ النصي الكامل

إِنَ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ تَعَالَى وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا. أَمَّا بَعْدُ، فَلِذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. وَكَانَ الْكَلَامُ فِي دُرُوسٍ مَاضِيَةٍ عَمَّا يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، ثُمَّ كَانَ الْكَلَامُ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾، وَحَقُّ هَذَا الْمَقَامِ أَنْ يَكُونَ الْكَلَامُ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾، فِي ذِكْرِ الصِّيَامِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِتَعْرِيفِهِ وَبَيَانِهِ، وَهَكَذَا مَا يَتَعَلَّقُ بِحَدِّهِ وَذِكْرِ مَسَائِلِهِ. لَكِنْ لِطُولِ الْكَلَامِ عَلَى حُكْمِ الصِّيَامِ يُتْرَكُ إنْ شَاءَ اللَّهُ فِي دُرُوسٍ قَادِمَةٍ، وَنُؤَخِّرُهُ إلَى أَجَلٍ مَسَمًّى. نَأْتِي لِلْآيَةِ بَعْدَهَا، وَهِيَ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾. هَذِهِ الْآيَةُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ تَضَمَّنَتْ مَسَائِلَ، وَنَقْفِرُ عَلَى ثَلَاثِ مَسَائِلَ، وَذَلِكَ بَعْدَ مَعْرِفَتِنَا أَنَّ مَعْنَى كُتِبَ أَيْ فُرِضَ، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ. وَأَوَّلُ مَسْأَلَةٍ يَذْكُرُ الْعُلَمَاءُ فِي كُتُبِهِمْ وَفِي كُتُبِ التَّفَاسِيرِ: مَنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَانُوا قَبْلَنَا الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الصِّيَامُ؟ لِلْمُفَسِّرِينَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَقْوَالٌ، مِنْهُمْ مَنْ ذَهَبَ إلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهَذِهِ الْآيَةِ هُمُ النَّصَارَى، فَالنَّصَارَى كُتِبَ عَلَيْهِمُ الصِّيَامُ مِنْ دُونِ الْمِلَلِ، وَرَجَعَ هَذَا الْقَوْلَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ كَالْحَسَنِ وَكَذَلِكَ السُّدِيِّ وَالشَّعْبِيِّ رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى، وَجَمَاعَةٍ قَالُوا: إنَّ الْمُرَادَ بِالَّذِينَ قَبْلَنَا هُمُ النَّصَارَى، كُتِبَ وَفُرِضَ رَبُّنَا عَلَيْهِمُ الصِّيَامُ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: قَوْلُ مَنْ قَالَ: بِأَنَّهُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ، بِأَنَّهُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ لَيْسَ النَّصَارَى فَقَطْ، بَلْ النَّصَارَى وَالْيَهُودُ عَلَى حَدٍ سَوَاءٍ، أُمِرُوا بِالصِّيَامِ. وَعَلَى هَذَا جَنَحَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَنُقِلَ كَذَلِكَ عَنْ حَبْرِ الْأُمَّةِ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: كَانَ فِي رِيَاضِ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ بِهَذَا: أَنَّ الصِّيَامَ فُرِضَ عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ، وَهُوَ أَيْضًا تَرْجِيحُ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ، وَقَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَمِنَ الْمُفَسِّرِينَ. وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: قَوْلُ مَنْ قَالَ: بِأَنَّ الصِّيَامَ قَدْ كُتِبَ عَلَى جَمِيعِ الْمِلَلِ، مَا مِنْ مِلَّةٍ، مَا مِنْ أُمَّةٍ أُنْزِلَ عَلَيْهَا دِينٌ وَمِلَّةٌ إلَّا وَكَانَ فِي شَرَائِعِهِمُ الصِّيَامُ، مَا مِنْ أُمَّةٍ إلَّا وَفِي شَرِيعَتِهَا الصِّيَامُ. وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى هَذَا الْقَوْلَ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ التَّابِعِينَ، وَعَنْ جَمَاعَةٍ مِنْهُمْ، نَقَلَهُ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، وَعَنْ مُجَاهِدٍ، وَكَذَلِكَ قَوْلُ قَتَادَةَ، وَجَمَاعَةٍ رَجَّحُوا وَجَنَحُوا إلَى هَذَا الْقَوْلِ: أَنَّ مَعْنَى قَوْلِ رَبَّنَا جَلَ وَعَلَا: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ أَنَّ الْمَقْصُودَ بِهَذِهِ الْآيَةِ هُمْ كُلُّ الْأُمَمِ، فَإِنَّ مَنْ مَضَى مِنْ الْأُمَمِ السَّابِقَةِ وَالسَّالِفَةِ إلَّا وَكَانَ فِي شَرِيعَتِهِ الْأَمْرُ بِالصِّيَامِ. وَلَعَلَّ هَذَا الْقَوْلَ هُوَ الظَّاهِرُ، وَهُوَ وَجِيهٌ، أَيْ أَنَّ الصِّيَامَ قَدْ فُرِضَ عَلَى جَمِيعِ الْأُمَمِ، وَذَلِكَ لِعُمُومِ النَّصِّ، لِعُمُومِ النَّصِّ دُونَ تَقْيِيدٍ بِمِلَّةٍ أَوْ دِينٍ عَنْ أُخْرَى، فَظَاهِرُ النَّصِّ يَدُلُّ عَلَى الْعُمُومِ، وَكَذَلِكَ الْحَوَادِثُ التَّارِيخِيَةُ، مِنْ تَتَبُّعٍ لِتَوَارِيخِ الْأُمَمِ، يَعْلَمُ أَنَّ مِنْ شَرَائِعِهِمُ الصِّيَامُ. فَالْعَرَبُ مَثَلًا يَصُومُونَ، الْعَرَبُ كَانُوا يَصُومُونَ، وَلَعَلَّ هَذِهِ الشَّعِيرَةَ أَخَذُوهَا مِنْ بَقَايَا مِنْ بَقَايَا دِينِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَأَيْضًا كَذَلِكَ مَا كَانَ عَلَيْهِ الْأَنْبِيَاءُ، رَوَى الْإِمَامُ التِّرْمِذِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي سُنَنِهِ مِنْ حَدِيثِ الْحَارِثِ الْأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «إنَّ اللَّهَ أَمَرَ يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّا بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ أَنْ يَعْمَلَ بِهَا وَيَأْمُرَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يَعْمَلُوا بِهَا...» الْحَدِيثَ، وَفِيهِ قَالَ: «وَيَأْمُرَكُمْ بِالصِّيَامِ». وَالْحَدِيثُ الطَّوِيلُ. وَغَيْرُهُ ذَكَرَهُ شَيْخُنَا مُقْبِلٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الصَّحِيحِ الْمُسْنَدِ مِمَّا لَيْسَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، هُوَ حَدِيثٌ فِي مُسْنَدِ الْحَارِثِ الْأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وَأَرْضَاهُ، يُرَاجَعُ بِطُولِهِ. فَشَاهِدٌ أَنَّ هَذَا مَوْجُودٌ فِي مِلَّةِ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا، وَكَذَلِكَ فَلَا يُسْتَبْعَدُ أَنْ مَا مِنْ نَبِيٍ إلَّا كَانَ يَأْمُرُ قَوْمَهُ بِالصِّيَامِ. بَلْ ذَكَرَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الصِّيَامَ كَانَ مَوْجُودًا فِي زَمَنِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ. فَشَاهِدٌ أَنَّ الْآيَةَ عَلَى إطْلَاقِهَا: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾، فَمَنْ كَانُوا قَبْلَنَا قَدْ فُرِضَ عَلَيْهِمُ الصِّيَامُ. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: مُتَعَلِّقَةٌ بِهَذَا الْمَقْطَعِ مِنْ الْآيَةِ، كَيْفَ كَانَ الصِّيَامُ مَنْ كَانَ قَبْلَنَا؟ كَيْفَ كَانَ صَوْمُهُمْ؟ اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي ذَلِكَ، فَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَمِنَ الْمُفَسِّرِينَ إلَى أَنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَنَا كَانَ صَوْمُهُمْ كَصِيَامِنَا، كَانَ صَوْمُهُمْ كَصِيَامِنَا فِي الْفَتْرَةِ وَفِي الْمِقْدَارِ، إلَّا أَنَّ أَهْلَ الْأَدْيَانِ وَالْمِلَلِ تَلَاعَبُوا بِالصِّيَامِ وَتَلَاعَبُوا فِي أَيَّامِهِ. فَهَاهُمْ الْيَهُودُ وَهُمْ قَدْ عُرِفُوا بِالْحِيَلِ وَالْغَدْرِ لِدِينِ اللَّهِ جَلَ وَعَلَا، أَخَذُوا يَتَنَاقَصُونَ وَيَأْخُذُونَ مِنْ أَيَّامِ شَهْرِ الصِّيَامِ، عَلَى قَوْمٍ مِنْ قَالَ: فُرِضَ عَلَيْهِمْ ثَلَاثُونَ يَوْمًا، كَانُوا يَأْخُذُونَ يَقْطَعُونَ يَوْمًا، يَحْذِفُونَ يَوْمًا، وَلَا يَزَالُ الصِّيَامُ يَتَنَاقَصُ عِنْدَهُمْ حَتَّى أَصْبَحُوا يَصُومُونَ يَوْمًا وَاحِدًا، تَلَاعَبُوا بِدِينِ اللَّهِ حَتَّى انْسَلَخُوا عَنْ الصِّيَامِ، فَمَا بَقُوا يَعْتَرِفُونَ إلَّا بِيَوْمٍ وَاحِدٍ هَذَا الَّذِي يَصُومُونَهُ، هَذَا عِنْدَ الْيَهُودِ. أَمَّا النَّصَارَى فَقَدْ نَقَلَ كَثِيرٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ فِي كُتُبِهِمْ: أَنَّ النَّصَارَى كَذَلِكَ أُمِرُوا بِصِيَامِنَا أَنْ يَصُومُوا ثَلَاثِينَ يَوْمًا، لَكِنْ يُذْكَرُ عَنْهُمْ أَنَّ مِنْ تَقْدِيرِ اللَّهِ جَلَ وَعَلَا أَنَّ صِيَامَهُمْ كَانَ فِي الصَّيْفِ فِي الْحَرِّ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَأَخَّرُوهُ إلَى الشِّتَاءِ، أَخَّرُوا الصِّيَامَ إلَى الشِّتَاءِ، وَلَكِنَّهُمْ لِهَذَا التَّأْخِيرِ وَالتَّأْجِيلِ عَرَفُوا أَنَّهُ ذَنْبٌ، حَيْثُ لَمْ يَتَلَاعَبُوا بِدِينِ اللَّهِ وَلَمْ يُبَدِّلُوا مِنْ شَرْعِ اللَّهِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ، فَمَاذَا فَعَلُوا كَفَّارَةً لِفِعْلِهِمْ؟ أَضَافُوا عَشَرَةَ أَيَّامٍ، هُوَ ثَلَاثُونَ يَوْمًا ثُمَّ أَضَافُوا عَشَرَةَ أَيَّامٍ فَأَصْبَحَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا. ثُمَّ ذَكَرَ بَعْضُهُمْ فِي الْقِصَّةِ: وَقَعَتْ لِمَلِكِهِمْ وَلِأَمِيرِهِمْ أَنَّهُ أُصِيبَ بِمَرَضٍ فَكَادَ أَنْ يَهْلِكَ فِيهِ، ثُمَّ نَذَرَ إنْ شَفَاهُ اللَّهُ أَنْ يَصُومَ سَبُوعًا كَامِلًا، ثُمَّ شُفِيَ فَصَامَ وَأَمَرَ أَنْ يُصَامَ، فَصَامُوا، ثُمَّ جَاءَ الْمَلِكُ مِنْ بَعْدِهِ فَرَأَى أَنَّ الصِّيَامَ سَبْعَةٌ وَأَرْبَعُونَ يَوْمًا، قَالَ: فَعَلَى مَا لَا تَتِمُّوا، فَأُمِرُوا بِالْإِتْمَامِ، فَكَأَصْبَحَ يُصَامُ خَمْسِينَ يَوْمًا. وَهَذَا الْمَشْهُورُ عِنْدَ كُتُبِ الْمُفَسِّرِينَ: أَنَّ النَّصَارَى بَدَّلُوا وَغَيَّرُوا حَتَّى أَدْخَلُوا أَنْفُسَهُمْ فِي هَذَا الضِّيقِ، وَكَمَا قَالَ رَبُّنَا جَلَ وَعَلَا: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا﴾، وَالنَّصَارَى هَذَا يُعْرَفُونَ بِكَثْرَةِ التَّعَبُّدِ، بِخِلَافِ الْيَهُودِ عُرِفُوا بِكَثْرَةِ التَّلَاعُبِ. فَأَصْبَحَ الصِّيَامُ عِنْدَ النَّصَارَى خَمْسِينَ يَوْمًا. وَلَا أَدْرِي هَلْ لَازَالَ الصِّيَامُ هَكَذَا عِنْدَ النَّصَارَى؟ مَا أَعْلَمُ أَنَّ أَعْلَمَ أَنَّ النَّصَارَى يَصُومُونَ فِي مِلَّةٍ مِنْ مَسِيحِيِّينَ وَنَصَارَى فِي هَذِهِ الْأَزْمِنَةِ يَصُومُونَ، لَكِنَّ مَا أَدْرِي هَلْ هَذِهِ الْأَيَّامُ هِيَ بِنَفْسِهَا أَمْ غَيَّرُوا فِي صِفَتِهَا؟ هَذَا قَوْلُ قَوْلِ مَنْ قَالَ: بِأَنَّ الصِّيَامَ مِنْ كَانَ قَبْلَنَا كَصِيَامِنَا. وَذَهَبَ جَمَاعٌ مِنْ فَوْقِهَا: أَنَّ الصِّيَامَ يَخْتَلِفُ، أَنْ صِيَامَهُ، لَيْسَ كَصِيَامِنَا، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: بِأَنَّ أَيَّامَهُمْ أَقَلُّ، فَقَدْ كَانَ صَوْمُهُمْ عَلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَكَذَلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: بِأَنَّ الصِّفَةَ فِي الصِّيَامِ تَخْتَلِفُ مِنْ حَيْثُ الْفَتْرَةُ الزَّمَنِيَّةُ، فَقَدْ كَانَ مِنْ الْمَغِيبِ إلَى الْمَغِيبِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُ الْعُلَمَاءِ فِي مَعْنَى صَوْمِ مَنْ كَانَ قَبْلَنَا. فَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ نَعْلَمَ أَنَّ صِيَامَ مَنْ كَانَ قَبْلَنَا كَانَ عَلَى خِلَالٍ يَنْفِقُهُ، هَلْ كَصِيَامِنَا أَمْ لَا؟ وَعَلَى كُلٍّ فَقَدْ غَيَّرُوا وَبَدَّلُوا، غَيَّرُوا وَبَدَّلُوا. الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ وَالْأَخِيرَةُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾: مَا هِيَ الْحِكْمَةُ مِنْ ذِكْرِ مَنْ كَانَ قَبْلَنَا؟ لِمَاذَا عِنْدَمَا أَمَرَ رَبُّنَا بِالصِّيَامِ أَشَارَ إلَى أَنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَنَا كَانُوا يَصُومُونَ؟ هَلْ لِهَذِهِ فَائِدَةٌ؟ نَعَمْ لَهَا فَائِدَةٌ وَلَهَا حِكَمٌ وَعِلَلٌ، وَنَقْتَصِرُ عَلَى ثَلَاثِ عِلَلٍ وَثَلَاثِ فَوَائِدَ، تُسْتَفَادُ مِنْ ذِكْرِ الصِّيَامِ مِنْ كَانَ قَبْلَنَا. الْفَائِدَةُ الْأُولَى: قَالَ الْعُلَمَاءُ فِيهَا: إِينَاسٌ لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ، أَيْ أَنَّ أَهْلَ الْإِسْلَامِ يَسْتَأْنِسُونَ إذَا عَلِمُوا أَنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَنَا قَدْ صَامُوا، فَمَثَلًا لَوْ أَنَّ الْمُسْلِمَ عَلِمَ أَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ أَحَدٌ مِنْ الْخَلِيقَةِ صَامَ أَوْ أُمِرَ بِالصِّيَامِ إلَّا أُمَّةُ مُحَمَّدٍ، لَوْ رُبَّمَا شَقَّ ذَلِكَ عَلَى الْأَنْفُسِ، وَيَرَى الْبَعْضُ أَنَّ هَذِهِ التَّجْرِبَةَ فَوْقَ طَاقَتِهِمْ، وَأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يُجَازِفَ بِحَيَاتِهِمْ. لَكِنْ إذَا عَلِمَ الْمُسْلِمُ أَنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَنَا مِنْ الْأُمَمِ وَالْمِلَلِ قَدْ سَارُوا عَلَى مَضْمَارِ الصِّيَامِ وَصَامُوا، فَالْتَسْهِيلُ يَعْفُو لَكَ سَلَفٌ وَلَكَ خَلَفٌ فِي ذَلِكَ، فَلْيَضْرِبْ، وَأَنَّ هَذَا مِمَّا كَانَ عَلَيْهِ الْأَنْبِيَاءُ وَعَلَيْهِ أَهْلُ الصَّلَاحِ وَالِاسْتِقَامَةِ، فَتَتَأَسَّى بِأَفْعَالِهِمْ. فَذِكْرُ مَنْ كَانَ قَبْلًا فِيهِ مُؤَانَسَةٌ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾، أَيْ لَسْتُمْ أَنْتُمْ الْوَاحِدُونَ الْوَحِيدُونَ فِي هَذَا الْمَضْمَارِ، بَلْ لَكُمْ سَلَفٌ. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: تُذْكَرُ عِنْدَ ذِكْرِ مَنْ كَانَ قَبْلَنَا فِي بَيَانِ أَنَّ الصِّيَامَ يُحِبُّهُ اللَّهُ جَلَ وَعَلَا، أَنَّ الصِّيَامَ يُحِبُّهُ اللَّهُ جَلَ وَعَلَا. وَبَيَانُ ذَلِكَ: أَنَّنَا إذَا عَلِمْنَا أَنَّهُ مَا مِنْ أُمَّةٍ إلَّا وَجُعِلَ فِي دِينِهَا وَفِي شَرِيعَتِهَا الصِّيَامُ، نَعْلَمُ أَنَّ الصِّيَامَ عِبَادَةٌ مَحْبُوبَةٌ عِنْدَ اللَّهِ جَلَ وَعَلَا. فَعِنْدَنَا نَحْنُ فِي طَبِيعَتِنَا الْبَشَرِيَّةِ -كَمَا يُقَالُ-: مِنْ أَحَبَّ شَيْئًا أَكْثَرَ مِنْ ذِكْرِهِ، الشَّخْصُ إذَا أَحَبَّ شَيْئًا يُكْثِرُ مِنْ ذِكْرِهِ وَيُنَبِّهُ عَلَيْهِ وَيُعِيدُ وَيُبْدِي بِهِ لِكَثْرَةِ الِاهْتِمَامِ بِهِ، وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى. فَتَخَيَّلْ عَلَى قَوْمٍ مِنْ قَالَ فِي زَمَنِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ، يُؤْمَرُ بِالصِّيَامِ، ثُمَّ تَأْتِي الْأُمَمُ وَالْمِلَلُ وَالْأَنْبِيَاءُ تِلْوَ النَّبِيِّ، وَمَا مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إلَّا وَجُعِلَ فِي شَرِيعَتِهِ الصِّيَامُ، مُوسَى وَعِيسَى وَنُوحٌ وَإِدْرِيسُ وَإِسْمَاعِيلُ وَيُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَجَمِيعُ الْأَنْبِيَاءِ، كُلُّ هَؤُلَاءِ يُجْعَلُ فِي دِينِهِمْ صِيَامٌ. هَذَا إشْعَارٌ لِأَهَمِيَّةِ الصِّيَامِ، لِعَظَمَتِهِ، وَأَنَّ اللَّهَ جَلَ وَعَلَا يُعَظِّمُهُ، فَإِذَا عَلِمَ الْمُسْلِمُ ذَلِكَ عَلَيْهِ أَنْ يُعَظِّمَ هَذِهِ الشَّعِيرَةَ الَّتِي مَا مِنْ أُمَّةٍ إلَّا وَخُلِقَ فِيهَا الصِّيَامُ وَكَانَ فِيهَا الصِّيَامُ، فَهَذِهِ أَدِلَّةٌ يَدُلُّ عَلَى مَحَبَّةِ اللَّهِ لِهَذِهِ الشَّعِيرَةِ الْعَظِيمَةِ، فَحَقَّ لَهَا أَنْ تُعَظَّمَ وَأَنْ تُوقَرَ وَأَنْ تُقَدَّرَ لِتَعْظِيمِ اللَّهِ لَهَا. وَالْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ وَالْأَخِيرَةُ: قَالَ الْعُلَمَاءُ: إنَّ فِي ذِكْرِ هَذَا الْأَمْرِ فِيهِ بَيَانٌ لِخَيْرِيَةِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، فِيهِ بَيَانٌ لِخَيْرِيَةِ هَذِهِ الْأُمَّةِ. وَوَجْهُ ذَلِكَ: أَنَّهُ يَعْلَمُ الْمُسْلِمُ أَنَّهُ مَا مِنْ خَيْرٍ، مَا مِنْ دِينٍ، وَمَا مِنْ شَرِيعَةٍ، وَمَا مِنْ قُرْبَةٍ، وَمَا مِنْ طَاعَةٍ، وَمَا مِنْ عَمَلٍ مَحْبُوبٍ عِنْدَ اللَّهِ جَلَ وَعَلَا، وُجِدَ فِي الْأُمَمِ السَّابِقَةِ السَّالِفَةِ إلَّا وَكَانَ لَهُ نَصِيبُ الْأَوْفَرِ فِي دِينِنَا. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾، أَيْ إذَا كَانَ مِنْ كَرَمِ اللَّهِ عَلَى الْأُمَمِ أَنْ جَعَلَ فِي دِينِهَا الصِّيَامَ، فَكَذَلِكَ أَنْتُمْ لَكُمْ صِيَامٌ، لَكُمْ الْحَظُّ الْأَوْفَرُ مِنْ الصِّيَامِ، فَصُومُوا تَكْرِمَةً لِهَذِهِ الْأُمَّةِ. وَمَنْ نَظَرَ إلَى جَمِيعِ الْمِلَلِ وَالْأَدْيَانِ: مَا مِنْ عِبَادَةٍ فَرَضَهَا اللَّهُ رَبُّنَا عَلَيْهِ مَحَبَّةً لَهَا إلَّا وَكَانَ فِي دِينِنَا هَذِهِ الْعِبَادَةُ وَهُوَ أَعْظَمُ مِنْهَا. وَهَذَا إنْ دَلَّ دَلَّ عَلَى خَيْرِيَةِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، فَلَيْسَ هُنَاكَ أُمَّةٌ أَعْلَى كَعْبًا مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي بَابِ الْعِبَادَةِ وَالتَّعَبُّدِ، لَيْسَ هُنَاكَ أُمَّةٌ فَازَتْ بِطَاعَةٍ أَوْ سَبَقَتْ هَذِهِ الْمِلَّةَ بِمَاذَا؟ بِعِبَادَةٍ مِنْ دُونِ الْأُمَمِ. بَلْ أُمَّتُنَا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ قَدْ أَكْرَمَهَا رَبُّنَا جَلَ وَعَلَا بِخَيْرِ دِينٍ، وَبِخَيْرِ رِسَالَةٍ، وَبِخَيْرِ دِينٍ، وَبِخَيْرِ شَرِيعَةٍ. فَقَالَ الْعُلَمَاءُ: يُسْتَفَادُ أَنَّ الْمُسْلِمَ إذَا عَلِمَ أَنَّ الْمِلَلَ الْمَاضِيَةَ قَدْ كُتِبَ فِي دِينِهَا الصِّيَامُ، وَنَحْنُ قَدْ كُتِبَ أَيْضًا عَلَيْنَا الصِّيَامُ، عَلِمْنَا أَنَّنَا قَدْ نَافَسْنَا الْأُمَمَ، نُنَافِسُهُمْ فِي هَذَا الْبَابِ، وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى خَيْرِيَةِ هَذِهِ الْأُمَّةِ عَنْ سَائِرِ الْأُمَمِ. فَهَذِهِ أَهَمُّ الْمَسَائِلِ يَا إخْوَانِي فِي اللَّهِ الَّتِي تُذْكَرُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾. وَإِنْ شَاءَ اللَّهُ بَقِيَّةُ الْكَلَامِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ يُتْرَكُ فِي دَرَسٍ قَادِمٍ. فَأَسْأَلُ مَوْلَى جَلَ وَعَلَا أَنْ يَنْفَعَنَا بِمَا قُلْنَا، إنَّهُ وَلِيُّ ذَلِكَ وَالْقَادِرُ عَلَيْهِ. وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ. وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.