تحذير الأنام من أذية اليد واللسان

تحذير الأنام من أذية اليد واللسان

الخطبة بعنوان تحذير الأنام من أذية اليد واللسان، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 24 ربيع الأول 1446هـ الموافق 27 سبتمبر 2024م ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقدمة في سلامة المسلمين

يبدأ المقطع بالتأكيد على أهمية سلامة المسلمين من الأذى، مشيراً إلى الحديث النبوي 'المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده'. يشدد على ضرورة تجنب إيذاء المسلمين بأي شكل.

تحريم إيذاء المسلمين وأهمية الكف عن الأذى

يتناول تحريم إيذاء المسلمين بلسان أو يد، ويشدد على ضرورة كف اليد واللسان عن كل ما يؤذي المسلمين، مؤكداً على أهمية نفعهم بدلاً من إيذائهم.

عقوبة إيذاء المسلمين وختام الصلاة

يختتم بالحديث عن عقوبة إيذاء المسلمين في الدنيا والآخرة، ثم ينتقل إلى ختام الصلاة بالصلاة على النبي ودعاء للمصلين بالرعاية الإلهية.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن خير الكلام كلام المولى جل وعلا، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، إن من الأحاديث المشتهرة والتي جاء بها نبي الأمة، كما هو مدون في كتب السنة، ما جاء في قوله: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده»، فهذا الحديث، وإن كان قليل المباني، إلا أنه كثير المعاني. ففي الحديث إشارة إلى أن المسلم ينبغي أن يتمثل الإسلام في نفسه، إذ أن من أعظم معاني الإسلام، كما هو المستفاد من اسمه، أن يكون المسلم مستسلما لله، مسالما لغيره. وهذا هو حقيقة انتمائنا لهذا الدين، وبكوننا من المسلمين، أن نكون مستسلمين لله بالتوحيد، ومسالمين لغيره من المسلمين. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده»، أي أن المسلم الكامل في إسلامه هو الذي يحجز نفسه عن أذية غيره. ويؤيد هذا المعنى ما رواه الإمام أحمد في مسنده أن رجلا قال: يا رسول الله، أي الإسلام أفضل؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «أن يسلم المسلمون من لسانك ويدك»، «أن يسلم المسلمون من لسانك ويدك». ولهذا يا عبد الله، يا أيها المسلم، كف أذيتك عن الناس، وذلك بالكف عن عضوك، وهو لسانك، فلا تؤذي به أحدا، فلا تغتاب بذكر معايب الإخوان والأصحاب، فإنها من الذنوب العظام، ولا تنم، فالنميمة هي نقل الأخبار على وجه الإفساد، وصاحبها متوعد بعدم دخول الجنان، ولا تسب ولا تشتم ولا تلعن أحدا، فإن هؤلاء لن يكونوا شهداء ولا شفعاء يوم القيامة أبدا. وإياك والاستخفاف والازدراء والسخرية والاستهزاء، فإنها من صفات أهل النفاق والميراء. وهكذا يا عبد الله، لا تقدح ولا تطعن ولا تغمز في أحد من المسلمين، فإن الطعن والقدح في الأعراض والأنساب من شيم أهل الجاهلية الأولين. واحذر أن تنطق بكلمة زور أو بشهادة زور، فإنها من أكبر الكبائر، كما أخبر بذلك الصادق المصدوق. ولا تبلبل بإثارة الشائعات هنا وهنالك في المجتمعات وبين الأفراد، فإن صاحبها سيجرجر شدقه إلى قفاه يوم المعاد. وهكذا القائمة تطول بذكر آفات اللسان، والتي تعود على صاحبها بسوء المآل. وهذا معاذ رضي الله تعالى عنه عندما قال له نبينا صلى الله عليه وسلم: «كف عنك لسانك»، فقال: يا رسول الله، أَوَإِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ؟ قال عليه الصلاة والسلام: «فكلتك أمك يا معاذ، وهل يكب الناس في النار على وجوههم أو على مناخرهم إلا بحصائد ألسنتهم؟». ومن هنا وجب على كل مسلم عاقل أن يتأمل ويتنبه بكل لفظة يتلفظ بها، فإن عليها حسابا وعقابا أو جزاءا وثوابا. ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾. وإن المسلم إزاء مقام الكلام ما يملك إلا إحدى خيارين: إما أن يتكلم بخير فيغنم، أو يسكت عن شر فيسلم. والأمر كما قال عليه الصلاة والسلام: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت». وفي الحديث الصحيح قال عليه الصلاة والسلام: «من صمت نجا»، ثم قال عليه الصلاة والسلام: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده». وكف يدك يا عبد الله عن أذية أهل الإسلام، في أن تمتد يدك على دمائهم أو أموالهم أو أعراضهم. كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه. وقال عليه الصلاة والسلام: «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام». فكف يدك يا عبد الله عن أذية أهل الإسلام، فكف يدك عن سفك دمائهم ونهبي ممتلكاتهم والاعتداء عليهم وترويعهم وتخويفهم وبقطع الطريق عليهم أو بوضع يدك على شيء من حقوقهم ولو قل. قال عليه الصلاة والسلام: «من ظلم قيد شبر طوقه الله بسبع أراضين يوم القيامة». فالظلم والطغيان والاستبداد والعدوان بأي نوع من أنواع الاعتداء على أهل الإسلام عواقبه وخيمة ومآلاته أليمة في الدنيا قبل الآخرة. إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلت. فحرص يا عبد الله على صون اليد من أن تمتد على المسلمين، واجعلها بالعكس أن تكون ممدودة بفعل الخير. قال عليه الصلاة والسلام: «من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل»، لا أن يضره، لا أن يؤذيه. وقال عليه الصلاة والسلام: «أحب العباد إلى الله أنفعهم للناس». فكن يا عبد الله نافعا للناس بيدك ولسانك. أقول قولي هذا، وأستغفر الله، إنه هو الغفور الرحيم. الحمد لله على إحسانه، والحمد لله على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيما لشأنه، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الداعي لرضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وأصحابه. عباد الله، عباد الله، فيما مضى قد علمنا أن من صفات المسلم الذي حسن إسلامه أن يبتعد كل البعد عن أذية إخوانه، سواء كان بأقواله أو أفعاله، كما قال عليه الصلاة والسلام: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده». ومن خلال معرفتنا لمعنى هذا الحديث، هنا تتجلى لنا بعض المسائل. أولاها أن نعلم أن الإسلام لا يقوم فقط في النظر في علاقتك بينك وبين الله، لا بل إن الإسلام كذلك ينظر في مدى علاقتك مع إخوانك من أهل دينك وملتك. المسلم من انتسب لهذا الدين: من سلم المسلمون من لسانه ويده. وثانية من معنى هذا الحديث سنستفيد ما يكون من تحريم إيصال الأذى للمسلمين بأي صورة من صوره، سواء كان بالأذى القولي أو بالأذى الفعلي، سواء كان صاحبها جادا أو كان حتى هازلا، فإن الأذى مرفوض بأي وجه من الوجوه، وهو من كبائر الذنوب. ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾. وقال عليه الصلاة والسلام بعدما صعد على منبره: «يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان إلى قلبه، لا تؤذوا المسلمين، لا تؤذوا المسلمين». فأذية المسلم حرام بأي باب كان. وهكذا ثالثا مما نستفيد من هذا الحديث أن ذكر اللسان واليد ليس المراد منه الاختصار والاختصاص والحصر. قال العلماء: إنما ذكرت اللسان لأنها المعبرة عما في الضمير، وذكرت اليد لأنها الغالب في أفعال الآدميين. والمسلم ينبغي أن يحفظ جميع جوارحه عن أذية المسلمين. فالمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، وهكذا المسلم من سلم المسلمون من قلبه من حقده وحسده وبغضه وكراهيته لغيره. والمسلم من سلم المسلمون من عينه من إطلاق بصره على الحرمات والمحرمات وعلى التطلع على العورات. والمسلم من سلم المسلمون من أذنه من أن يتجسس على أخبارهم أو أنه ينصت لأسرارهم. وهكذا المسلم من سلم المسلمون من كل جوارحه وأعضائه. وعلى هذا فقس أخيرا عباد الله، إذا كان المسلم الموحد هو متوعد بالعذاب الشديد لما كان من أذيته لإخوانه المسلمين بعقوبة الدنيا والآخرة، فما ظنكم عباد الله بأذية الكافر العنيد والمشرك الرعديد، وهو يؤذي أهل الإسلام بالنار والحديد، لا لشيء وإنما لما كان من تجردهم لله بالتوحيد؟ فما ظنكم بعقوبة الله له؟ ﴿لَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾. ﴿مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾. في ذلكم اليوم يوم أن يقوم الناس لرب العالمين يكون الجزاء والحساب لكل كافر عنيد استغل قوته بأذية أهل الإسلام، كما نراه في هذه الأزمان، وما يفعله أعداء الدين في بلاد المسلمين، بالضرب ها هنا وها هنا. ﴿لَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾، ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه. الله مغفرة للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات. يا مجيب الدعوات، الله مدفع عن بلادنا الفتن ما ظهر منها وما بطن. الله من أراد بلادنا وسائر بلاد المسلمين بخير فوفقه لكل خير، ومن أراد بلادنا خاصة وسائر بلاد المسلمين بسوء اللهم أشغله في نفسه، واجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميرا عليه يا رب العالمين. اللهم أنصر إخواننا المستضعفين من المسلمين في كل مكان. اللهم أنصرهم في أرض اليمن وفلسطين والسودان ولبنان. اللهم أيدهم بتأييدك. اللهم أيدهم بتأييدك. اللهم احقن دماءهم، وصن أعراضهم، وعاف مبتلاهم، وداوي جرحاهم، وتقبل موتاهم، واحفظهم واحمهم وهم في ديارهم وأوطانهم بين أهاليهم، يا ذا الجلال والإكرام. اللهم عليك بكل عدو لهذا الدين. اللهم عليك باليهود الغاصبين. اللهم عليك باليهود الغاصبين. اللهم عليك بهم فإنهم لا يعجزونك. اللهم إنهم طغوا وبغوا وآذوا عبادك وأفسدوا في بلادك. اللهم عليك بهم فإنهم لا يعجزونك. اللهم فرق شملهم، وشتت جمعهم، واجعل الدائرة عليهم، واغرف الرعب في قلوبهم، واجعلهم وأموالهم غنيمة للإسلام والمسلمين. وصلى الله عن نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. وقوموا إلى صلاتكم رعاكم الله.