شرح المذكرة - مقرر السنة الثانية 1

الدرس في شرح المذكرة - مقرر السنة الثانية 1، ألقاها

تعريف الإجماع لغة وشرعًا وأهميته

يُعرَّف الإجماع لغةً بالاتفاق أو العزم المصمم، وشرعًا باتفاق علماء العصر من أمة محمد على أمر دين بعد وفاته. يُعد الإجماع أحد أصول الأدلة المتفق عليها في أصول الفقه.

شروط ومعايير الإجماع وآراء العلماء حوله

يشترط في الإجماع أن يكون من علماء مجتهدين، ولا يدخل فيه المقلدون أو العامة. هناك آراء مختلفة حول اعتبار العوام في الإجماع، لكن الرأي الراجح يرفض ذلك لجهلهم واستحالة معرفة آراء الأمة جميعها.

حجية الإجماع في الأحكام الشرعية وتطبيقاته

يُشترط في الإجماع أن يكون من أمة محمد صلى الله عليه وسلم وبعد وفاته، وأن يكون على أمر ديني. يُستدل بآيات قرآنية وأحاديث نبوية على حجية الإجماع، ويُختار إمكان وجود الإجماع بعد عصر الصحابة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهدِ الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، فبعد أن انتهينا من القسم الأول من مذكرة أصول فقه العلامة الشنقيطي -رحمه الله تعالى- يعني كما يقال: رأينا من بعد التشاور مع الإخوان أن نقرأ على القسم الثاني إلى الإجماع، يعني نأخذ منه جزؤه الأخير وهو الإجماع وما بعده، نظرًا أولًا: لعلنا أن نسافر قريبًا، فنحب أن نقرأ هذه المسألة لأهميتها. وثانيًا: أن هذا المبحث الذي هو مبحث السنة -الحمد لله تبارك وتعالى- قد دُرس في كتب مصطلح علم الحديث، وإن كان أسلوب الكتاب هنا بأسلوب أصوليين، لكن كما لا يخفى على طلبة العلم هنا -والحمد لله- هم في دار من دور الحديث، أن هذا المبحث أي مبحث السنة ومباحث السنة أهل الحديث هم أخصوا به وأعلموا به من علماء الأصول، فقولهم مقدم، وقواعدهم أمثل. فالحاصل: نقرأ بإذن الله تبارك وتعالى في هذه الليلة أو ابتداء هذه الليلة من أصل الثالث الذي هو الإجماع لأهميته، وكذلك لأهمية المباحث التي تأتي بعده بإذن الله تبارك وتعالى. قال الإمام الشنقيطي -رحمه الله تعالى-: الأصل الثالث الإجماع. ومعنى الإجماع لغة: الاتفاق، يقال: أجمع القوم على كذا إذا اتفقوا عليه، ويطلق على العزم المصمم، ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ﴾. قوله -رحمه الله تعالى-: الأصل الثالث الإجماع، بعد أن ذكر -رحمه الله تعالى- الأصلين: الأصل الأول الذي هو كتاب الله تبارك وتعالى، والأصل الثاني الذي هو سنة نبينا -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- ذكر الأصل الثالث وهو الإجماع؛ لأن الأصل كما مر معنا في دروس مضت في أثناء سلسلة أصول الفقه أنه يطلق ويراد به الدليل، ويراد به الدليل. فهذا قوله: الأصل من هذا الباب يعني الدليل، إما أن يكون كتاب الله تبارك وتعالى، وإما أن يكون يعني أن يكون من كتاب الله، وإما أن يكون من سنة رسول الله، وإما أن يكون إجماعًا. وسأتي معنا الدليل الرابع: القياس. هذا ما يسميه الأصوليون بأصول الأدلة المتفق عليها الأربعة من حيث الجملة. قوله -رحمه الله تعالى-: ومعنى الإجمع لغة الاتفاق، يقال: أجمع القوم على كذا إذا اتفقوا عليه، ويطلق على العزم المصمم، ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ﴾. إذن علم من هذا أن الإجمع في اللغة يطلق على معنيين: الأول العزم المصمم، والثاني الاتفاق، كاتفاق جماعة على شيء ما. وبعضهم جعل أن كلا المعنيين متلازم، وجعل الأصل هو العزم المصمم، فجعل أن اتفاق الاتفاق يقال: أجمع الناس على كذا، أجمع القوم على كذا، أي عزم عزم مصمم على شيء معين، فسمي الإجماع بهذا الاعتبار. قال -رحمه الله-: وفي الشرع عرفه المؤلف بأنه اتفاق علماء العصر من أمة محمد -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- على أمر من أمور الدين. ويبقى عليه شرط وهو كون ذلك بعد وفاته -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-؛ لأنه في حياته لا عبرة بقول غيره. قوله -رحمه الله تعالى-: اتفاق علماء العصر، فيه بيان من أن المعنى الشرعي له علاق وارتباط بالمعنى اللغوي. وهذا دائمًا يكون هناك ملازمة وارتباط بين المعنى اللغوي والمعنى الشرعي، إلا أن المعنى الشرعي يقيد ما أطلق في اللغة أو يخصص ما عمم في اللغة؛ لأنه هنا خص الاتفاق بمن هم بالعلماء، خص الاتفاق المعتبر شرعًا بمن هم بالعلماء. قوله -رحمه الله تعالى-: اتفاق، خرج ما لم يكن فيه اتفاق، فلا يسمى إجماعًا، ولو كان المخالف واحدًا على الصحيح. وستأتي هذه المسألة بإذن الله تبارك وتعالى: أي هل مخالفة الواحد والاثنين يقدحوا في صحة الإجماع أم لا؟ ستأتي المسألة بإذن الله تبارك وتعالى. قوله -رحمه الله تعالى-: علماء، اتفاق علماء العصر، خرج من ليس بعالم، خرج من ليس بعالم، سواء كان عاميًا أو كان مقلدًا؛ لأن المقلد ليس من أهل الاجتهاد بإجماع كما نقل الإجماع الإمام ابن عبدالبر -رحمه الله تعالى- وغيره. قوله -رحمه الله تعالى-: اتفاق علماء العصر، المراد بالعلماء: علماء الشريعة، علماء الشريعة. فخرج غيرهم من العلماء كعلماء الفلك، علماء الحساب، علماء الكلام إلى غير ذلك. هؤلاء غير داخلين في الإجماع الشرعي الذي تترتب عليه الأحكام الشرعية. قوله -رحمه الله تعالى-: بأن اتفاق العلماء هم المجتهدون، سواء كانوا اجتهادًا مطلقًا أو اجتهادًا مخصوصًا أو اجتهادًا في مذهب ما. فالمجتهد المطلق هو الذروة من العلماء، وهذا ما يوجد إلا في النذرة، أي نادرًا ما يكون العالم عنده الاجتهاد المطلق. والعبرة في الاجتهاد أو في اتفاق العلماء: العبرة بالعلماء كما يقول علماء -رحمهم الله تعالى-: المجتهد في المسائل التي وقع فيها الإجماع، أي فيدخل فيه المجتهد الجزئي. يدخل في العالم الذي هو المجتهد الجزئي. لذا بعض أهل العلم يعرفون الإجماع بماذا: اتفاق مجتهد الأمة. واضح. فالمرجلة الاجتهاد سواء كان المطلق أو كان الجزئي، إذا كان الإجماع يخصه. يعني كما له قيل: مثلا في مسائل من مواريث، كان عالم من علماء مواريث، لكن في غير هذه العلوم ليس بعالم. أجمع هل هذا العالم بالمواريث يدخل في الإجماع أو لا يدخل في الإجماع؟ يدخل. واضح. لو جادل مسألة متى أخرى في مسائل البيوع والمعاملات ووائل غيرها، وكان عالما بذلك يدخل أم لا يدخل؟ وهكذا. فالمقصود بالعلماء: أي أصحاب الاجتهاد المطلق أو الاجتهاد الجزئي. ويدخل فيه كذلك مجتهد إيش: المجتهد. ويخرج منه المقلد مطلقًا، ويخرج منه كذلك العام؛ فليس من أهل الإجماع. قوله -رحمه الله تعالى-: اتفاق علماء العصر، دل على أن الإجماع في كلام المؤلف -رحمه الله تعالى- المعتبر هو اتفاق أهل عصر على أمر ما، سواء كان هذا العصر عصر الصحابة أو كان عصر غيرهم. أدلة الإجماع تدل على أن الإجماع معتبر متى وقع، سواء كان في عصر الصحابة أو في عصر غيرهم. قال -رحمه الله تعالى-: بأن اتفاق علماء العصر، والمراد بالعصر: هم من كان من أهل جيل واحد. أهل الجيل الواحد يسمون أهل العصر، أهل القرن هذا. والصحيح: والعبرة بالعصر بجمهورهم. فإذا ذهب جمهورهم يقال: ذهب عصرهم. أي لو ذهب مثلا في الزمان الأول لما ذهب جمهور الصحابة، ما بقى إلا صغار الصحابة، قالوا: ذهب عصر الصحابة. ودخل عصر التابعون. واضح. هذا من هذا. كذلك ذهب جمهور عصر التابعين، دخل عصر تابعي التابعين. وهكذا في كل عصر. قوله -رحمه الله تعالى-: من أمة محمد -صلى الله عليه وسلم-، خرج اتفاق علماء من غير أمة محمد، فإنه غير معتبر ولا معصوم، كإجماع النصارى على أن عيسى -عليه السلام- صُلب، متفقون أمة بعد أمة. لكن هل هو معتبر؟ ليس بمعتبر. قال الله -جل وعلا-: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ﴾. واضح. فإجماع غير هذه الأمة غير معتبر ولا يدل عليه دليل. قوله -رحمه الله تعالى-: على أمر من أمور الدين، فخرج ما لم يكن من أمور الدين. لو اجتمع ناس على شيء من أمور الدنيا، على أمر من أمور الدنيا، هل هذا الإجماع يكون معتبرًا في الأحكام الشرعية؟ المعتبر: أن تكون على أمر ديني، أو أمر له ارتباط بالأمور الدينية من حيث الحل وعدمه. واضح. قوله -رحمه الله تعالى-: وبقي عليه شرط وهو كون ذلك بعد وفاته -صلى الله عليه وسلم-. هذا الشرط لا بد منه؛ لأنه في حياته لا عبرة بقول غيره. غير ممكن أن يجمع أن يجمع الصحابة على قول يخالفون فيه رسول الله -في عهده- مستحيل. فالعبرة في حياته بقول من؟ من قول الرسول -صلى الله عليه وسلم-. قال الله -جل وعلا-: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾. فالعبرة بالإجماع، ولا يكون إجماع إلا متى؟ إلا بعد موت النبي -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-. قال -رحمه الله-: واختار المؤلف أن وجود الإجماع ممكن متصور، خلافًا لمن قال: لا يمكن بعد الصحابة؛ لكثرة العلماء وانتشارهم في أقطار الدنيا وعدم القدرة على معرفة أقوال الكل. قوله -رحمه الله تعالى-: واختار المؤلف، أي ابن قدامة -رحمه الله تعالى-: أن وجود الإجماع ممكن متصور، خلافًا لمن قال: لا يمكن بعد الصحابة؛ لكثرة العلماء. هذا الأمر الأول. لا يمكن بعد الصحابة؛ لماذا؟ لكثرة العلماء وانتشارهم في أقطار الدنيا وعدم القدرة على معرفة أقوال الكل. هذين أمران. قال -رحمه الله تعالى-: واحتج المؤلف لإمكانه وتصوره بأننا نعلم إجماع المسلمين كلهم على وجود الصلاة مثلا، وبأن العلماء مشهورون في نواح الدنيا، فلا يمتنع معرفتهم ومعرفة أحوالهم في المسألة بأخبار أو مشافهة. قال -رحمه الله تعالى-: واستدل المؤلف لحجية الإجماع بدليلين: الأول الكتاب، وهو قوله تعالى: ﴿مَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾؛ لأن فيها الدلالة على اتباع غير سبيل المؤمنين، وسبيلهم هو ما أجمع عليه. قال -رحمه الله تعالى-: والثاني من السنة، كقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لا تجتمع الأمة على الضلالة». وكقوله: «لا تزال طائفة من الأمة على الحق». وأحاديث الحث على الجماعة وعزم الشذوذ عنها ونحو ذلك. وذكر المؤلف أن الصحابة كانوا يستدلون بمثل تلك الأحاديث على حجية الإجماع من غير نكير إلى زمن النظام. قال -رحمه الله تعالى-: فصل: لا يشترط في أهل الإجماع أن يبلغوا عدد التواتر؛ لأن الحجة في قولهم لصيانة علماء الأمة عن الخطأ من أدلة المتقدمة. وإن لم يوجد من علمائها غيرهم، فهم على الحق. وإن لم يبلغوا عدد التواتر، صيانة لهم عن الخطأ. قوله -رحمه الله تعالى-: ولا خلاف في اعتبار علماء العصر من أهل الاجتهاد في الإجماع، وأنه لا يعتد فيه بقول الصبيان والمجانين. وأما العوام فلا يعتبر قولهم عند الأكثرين. وقال قوم: يعتبر قولهم؛ لدخولهم في اسم المؤمنين ولفظ الأمة. وهذا القول يقتضي إبطال إجماع؛ إذ يستحيل معرفة أقوال الأمة جميعها في مسألة واحدة. والحق أن العوام لا عبرة بهم لجهلهم.

شاركنا على