الدرس في شرح عقيدة الرازيين 7، ألقاها
يتناول هذا الفصل موضوع الخلفاء الراشدين المهديين وهم أبو بكر الصديق، عمر بن الخطاب، عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، ويشير إلى الأحاديث النبوية التي تثبت خلافة هؤلاء الأربعة على منهاج النبوة. اتباع سنتهم هو طريق الرشد والهداية.
هذا الفصل يتناول شروط الشهادة للمسلمين بالجنة، حيث يشير إلى أن أرجح الأقوال هو الشهادة بالجنة لمن شهد لهم الله ورسوله بها. كما يؤكد على أهمية الترحم على جميع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، معتبرًا حبهم دينًا وإيمانًا وبغضهم كفرًا ونفاقًا.
يؤكد هذا الفصل على أهمية التمسك بعقيدة أهل السنة والجماعة في التعامل مع الصحابة، وعدم الخوض في الخلافات بينهم. يجب الكف عن الحديث في الفتن والشجار الذي وقع بينهم، معتبرين إياهم مجتهدين ومأجورين.
بسم الله الرحمن الرحيم. والحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، ما زلنا في قول الإمامين الرازيين، رحمهم الله تعالى. وخير هذه الأمة بعد نبيها عليه الصلاة والسلام أبو بكر الصديق، وهذا كما مر معنا محل إجماع، قال: ثم عمر بن الخطاب، وهذا كذلك محل إجماع، ثم عثمان، وهو كذلك. عمر بن خطاب نوفلي عدوي قرشي، رضي الله عنه وأرضاه، وعثمان بن عفان أموي كذلك قرشي، وعلي بن أبي طالب هاشمي، فالخلفاء الأربعة من قريش، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الخلافة من قريش». وهؤلاء الصحابة الكرام، رضي الله عنهم، كما ذكرهم أفضل هذه الأمة بعد نبيها صلى الله عليه وسلم، ورضي الله عنهم. وهؤلاء هم الخلفاء الراشدون المهديون، لحديث العرباض بن سارية، الذي رواه الترمذي وغيره بإسناد حسن، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنة وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور». الحديث الشاهد منه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «فعليكم بسنة وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، تمسكوا بها». ويدل على أنهم هم الخلفاء كذلك ما رواه الإمام أحمد بإسناد صحيح، وهو في الصحيح المسند لشيخنا العلامة الوادعي، رحمه الله، من حديث سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الخلافة بعدي ثلاثون سنة، ثم يكون بعد ذلك ملكًا». قال سفينة للراوي عنه: فاعدد سنتين من خلافة أبي بكر، وست أو قال: عشر سنين من خلافة عمر، واثنتي عشرة سنة من خلافة عثمان، وست سنين من خلافة علي، رضي الله عنهم أجمعين، فهي ثلاثون سنة. فدل حديث سفينة، رضي الله عنه وأرضاه، مع حديث العرباض بن سارية، رضي الله عنه وأرضاه، على أن الخلفاء الراشدين هم هؤلاء الأربعة: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، رضي الله عنهم أجمعين. وهؤلاء وصفهم النبي صلى الله عليه وسلم بالأوصاف المذكورة بأنهم خلافة، أي خلافة على منهاج النبوة، وأنهم راشدون، والراشد ضد الغاوي، وهو من علم الحق وعمل به، وهذا يسمى راشدا، أن يعلم الحق وأن يعمل بذلك الحق الذي علمه. وقوله: «مهديون» يدل على هداية الله جل وعلا لهم، فإن الله جل وعلا هدى هؤلاء إلى الطريق القويم فصاروا مهديين. وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم: «الخلفاء... فعليكم بسنة وسنة الخلفاء الراشدين المهديين» دلالة على أن السير بسير هؤلاء الخلفاء هو سير على طريق الرشد وعلى طريق الهداية، لذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فعليكم - أي تمسكوا والزموا - بسنة وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي». وقولهما: «وأن العشرة الذين سماهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وشهد لهم بالجنة على ما شهد به رسول الله» أي: نقول ونشهد على ما شهد به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنهم في الجنة. قالوا: وقوله الحق، أي: وقول النبي صلى الله عليه وسلم الحق: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾، صلوات الله وسلامه عليه، ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ﴾، وهو الصادق المصدوق. فقولهما: «وأن العشرة الذين سماهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وشهد لهم بالجنة على ما شهد» أي: نشهد على ما شهد، فقولهما: «وشهد لهم بالجنة على ما شهد» أي: ونشهد على ما شهد، فهنا محذوف مقدر، تقديره: ونشهد للعشرة بالجنة على ما شهد به رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم. وهذه مسألة يسميها العلماء: الشهادة بالجنة على المعين، بمعنى: هل يعين إنسان فيقال بأنه في الجنة؟ في هذه المسألة أقوال مشهورة عند العلماء، رحمهم الله تعالى. فمن أهل العلم من ذهب إلى أنه لا يعين أحد إلا الأنبياء والرسل، ومنهم من قال: ويعين أيضًا من عينه الله ورسوله بأنه من أهل الجنة. وقال بعضهم: بل من شهد له المؤمنون بالجنة فإنه يشهد له بالجنة ولو لم يأت نص في ذلك. وتوقف آخرون. وأظهر الأقوال وأرجحها القول الذي أشار إليه الإمامان الرازيان، وهو أننا نشهد بالجنة لمن شهد له ربنا تبارك وتعالى بها، ولمن شهد لهم بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، كالعشرة المبشرين بالجنة، فإننا نشهد لهم بالجنة. وكذلك نشهد لمن شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم سوى العشرة، كالحسن والحسين، بأنهما سيدا شباب أهل الجنة، وكثابت بن قيس بن شماس، بأنهم من أهل الجنة، وكعائشة، بأنها زوجته في الجنة. وكذلك خديجة، بشرها ببيت في الجنة لا نصب فيه ولا وصب. وكذلك آخرون، فكل من عينه النبي صلى الله عليه وسلم بأنهم من أهل الجنة عيناه. وهناك من عينهم أو ذكر على سبيل الجملة، كقول النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه تبارك وتعالى في أهل بدر: «اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم». ربنا تبارك وتعالى قال لأهل بدر: «اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم»، فهذه فيها بشارة لهم بالجنة بأنهم مغفور لهم، ومن كان مغفورًا له أدخله الله الجنة. وكذلك أهل بيعة الرضوان، قال النبي صلى الله عليه وسلم - كما في صحيح مسلم - من حديث أم مبشر - قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تمس النار أحدًا بايع تحت الشجرة». فدل على أن هؤلاء من أهل الجنة أيضًا. وهكذا قال في كل من عينه رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه من أهل الجنة، فإنه من أهل الجنة، كورق بن نوفل، كزيد بن عمر بن نفيل، وأبي الدرداء، وسعيد بن زيد. وهكذا كل من عينه رسول الله صلى الله عليه وسلم عيناه، وشهدنا لهم بالجنة كما شهد لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقوله: «والعشرة المبشرون بالجنة هم المذكورون في حديث واحد، جاء ذكرهم في حديث عبد الرحمن بن عوف، وفي حديث سعيد بن زيد أيضًا، رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أبو بكر في الجنة، عمر في الجنة، عثمان في الجنة، علي في الجنة، عبد الرحمن بن عوف في الجنة، سعد - أي سعد بن أبي وقاص - في الجنة، وسعيد - أي سعيد بن زيد - في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير في الجنة، وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة». هؤلاء كم؟ عشرة. نعيد: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعبد الرحمن بن عوف، وطلحة، والزبير، وسعد، وسعيد، وأبو عبيدة بن الجراح، رضي الله عنهم وأرضاهم. هؤلاء هم أفضل الصحابة مطلقًا، هؤلاء هم أفضل الخلفاء الأربعة، وأفضل الخلفاء أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، رضي الله عنهم أجمعين. وقوله: «والترحم على جميع أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم» هذا معتقد أهل السنة والجماعة، أنهم يترحمون على جميع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. الله جل وعلا والذين جاءوا من بعدهم يقولون: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾. فأهل الإيمان المتأخرون منهم يدعون للمتقدمين منهم بالخير والرحمة والمغفرة والأجر والثواب، هذا هو حال أهل الإيمان. والصحابة، رضي الله عنهم وأرضاهم، خواص أهل الإيمان، وأحق من يترحم عليهم ويترضى عليهم؛ لأن الله جل وعلا رضي عنهم، قال الله جل وعلا: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾، ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾، ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾، ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾... إلى آخر الآيات، هؤلاء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذه أوصافهم، وهذا ثناء الله جل وعلا عليهم. فحبهم دين وإيمان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان، فمن أبغض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يبغضهم إلا منافق خبيث؛ لأنهم حملة الشريعة، فبغضهم معناه أنه يبغض من يبغض حملة الشريعة. لماذا يبغضهم؟ لحملهم للشريعة. ومن كان هذا حاله هل يكون مؤمنًا؟ لا والله. فعقيدة أهل السنة والجماعة الترضي والتراحم على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم، نعتقد أن فيهم الفضل، وأن لهم الفضل، وأن لهم المنزلة العظيمة والمكانة العليا، وأنهم مأجورون في اجتهادهم، منهم المصيب ومنهم المخطئ، أي ممن حصل منهم اجتهاد فأخطأ، والكل مأجور، والمغفرة لهم أقرب من غيرهم ممن كان خطأهم مثلهم أو دونهم. فلذا قال: «والترحم على جميع أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، والكف عما شجر بينهم». الترحم على جميع أصحاب محمد، الصاحب من المصاحبة، يقال: فلان صحب فلانًا. وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تثبت الصحبة للرجل منهم بأدنى ما يحصل فيه هذا المعنى، لذا قال بعض الأئمة: من رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم أو جالسهم أو خالطهم ولو ساعة، فإنه يثبت له أحكام الصحبة، فيكون صحابيًا. فالصحابي من لقي النبي صلى الله عليه وسلم مؤمنًا به، ومات على ذلك، ولو تخللته ردة - على الصحيح - فهذا هو الصحابي. ومن كان موصوفًا بهذا فيجب حبه وتوليته وتعظيمه، وكذلك إجلاله الإجلال الشرعي والحب الشرعي؛ لأن لهم حقًا على كل من جاء بعدهم في حملهم لهذا الدين وحفظهم لهذه الشريعة ونقلهم لها إلى من بعدهم، فكل من جاء بعدهم فهو عالة عليهم، فلهم الفضل بعد الله تبارك وتعالى، وبعد رسوله صلى الله عليه وسلم في نقل هذه الشريعة إلينا صافية نقية. وقوله: «والكف عما شجر بينهم» هذه من عقيدة أهل السنة والجماعة، أنهم لا يخوضون ولا يتكلمون فيما شجر بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا يقولون: لماذا حصلت معركة الجمل مثلًا؟ ولا يتكلمون كذلك فيما حصل بين علي ومعاوية، ومن هذا ظالم أو ذاك مظلوم؟ لا يتكلمون في هذا ولا يخوضون، بل يعتقدون أن ما حصل من ذلك أولًا هو بأمر الله جل وعلا، وثانيًا أنهم مجتهدون، وأنهم متأولون، وأن حالهم كما قيل: بين الأجر والأجرين، المصيب منهم له أجر، والمخطئ منهم له أجر، وكلهم على خير، وكلهم على صلاح، وكلهم على استقامة، ولكن حصل بينهم ما يحصل بين البشر، والكل مأجور بإذن الله تبارك وتعالى. ذكروا أن ابن طلحة دخل على علي، رضي الله عنهم أجمعين، ومعلوم أن طلحة والزبير ممن حصل في يوم الجمل ممن خرج يوم الجمل مع عائشة، وقتل، رضي الله عنهم أجمعين، غدرًا وخيانة. فلما دخل ابن طلحة على علي، رضي الله عنهم أجمعين، وكان عند علي بعض من يتنقص طلحة، فقال - يعني علي - أكرم ابن طلحة، فقال: أتدري من هذا؟ قال: أتدري من هذا؟ أي: هذا ابن طلحة الذي قاتلك يوم الجمل. فقال له: اسكت، والله إني لأرجو أن أكون أنا وأبو هذا ممن قال الله جل وعلا فيهم: ﴿إِخْوَانًا عَلَىٰ سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾. وذكر كذلك حينما ذكر عن الزبير قال: والله إني لأرجو أن أكون أنا والزبير ممن قال الله جل وعلا فيهم: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَىٰ سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾. وكذلك ثبت عن معاوية، رضي الله عنه وأرضاه، أنه دخل عليه بعض الناس ممن كان في صف علي، فسأله عن علي، فقال له: أعفني. قال له: أعفني، يعني: أعفني عن هذا. فقال له: أحرج عليك إلا أخبرتني، وأنت في حل. فذكر له ما ذكر من أحوال علي، رضي الله عنه وأرضاه، من عبادته وخيريته وصلاحه. فقال معاوية، رضي الله عنه وأرضاه، وقد ذرفت عيناه دمعًا: هكذا هو. قال: هكذا هو. ما حصل بينهم ما حصل من قتل، ولكن الصحابة، رضي الله عنهم وأرضاهم، كان كل رجل منهم يعرف لصاحبه قدره ومكانته، فحصل منهم ما حصل. فعقيدة أهل السنة والجماعة في هذا الباب: الكف عما شجر بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويعتقدون أن قتيلهم منهم، ومقتولهم منهم، القاتل والمقتول: ماذا الذي حصل في صفين، وفي يوم الجمل؟ كلهم إخوان، حصل منهم ما حصل، متأولون مجتهدون، وهم أقرب إلى مغفرة الله جل وعلا ورحمته من كل من جاء بعدهم. فهذا هو معتقد أهل السنة والجماعة، فلا يجوز الخوض في هذا الباب، ولا التكلم في أعراض أحد، بحجة أن هذا قاتل في يوم كذا، والآخر قاتل في يوم كذا، بل من عقيدة أهل السنة والجماعة أن نكف عما صدر بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من شجار. والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم، وعلى آله وصحبه أجمعين.