الدرس في شرح القواعد المثلى 35، ألقاها
يتناول الشيخ العثيمين حكم أهل التأويل ويحذر من التكلم بغير علم في مسائل التكفير والتفسيق. يُبين أن الحكم بالتكفير أو التفسيق ليس للشخص العادي بل هو إلى الله تعالى ورسوله.
يؤكد الشيخ على أن الأحكام الشرعية مردها إلى الكتاب والسنة ويحذر من التساهل في تكفير المسلمين بدون دليل شرعي. يُشير إلى أن الأصل في المسلم العدالة حتى يثبت العكس بدليل.
يُوضح الشيخ شروط الحكم على المسلم بالكفر أو الفسق، ويشترط العلم بمخالفته التي أوجبت الكفر أو الفسق. يجب النظر في دلالة الكتاب أو السنة وانطباق الحكم على المعين مع توفر الشروط وانتفاء الموانع.
الآيتان الكريمتان تحذران من مخالفة الرسول وسبيل المؤمنين وتوعدان بالعذاب والنار. تؤكدان أن الله لا يضل قوما بعد هدايتهم حتى يبين لهم ما يتقون.
بسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، ثم أما بعد. قال الشيخ رحمه الله تعالى، محمد بن صالح العثيمين، في آخر فصل من هذا الكتاب، وقد عنون له المحقق بقوله: «حكم أهل التأويل». قال الشيخ رحمه الله تعالى: فإن قال قائل: هل تكفرون أهل التأويل أو تفسقونهم؟ هذا سؤال طرحه الشيخ رحمه الله تعالى لأجل الإجابة عليه. هذا السؤال يعني: بعد أن تبين لنا أن أهل التأويل عندهم من الجنايات ما عندهم على كتاب الله عز وجل، إذ أنهم يعتقدون أن ظاهره: الكفر والتشبيه، وهذه جناية عظمى وفرية كبرى على كتاب الله عز وجل، وكذلك قل في سنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وكذلك قل على سلف هذه الأمة، رضي الله عنهم ورحمهم الله. فيقول: قال: إذا كان هذا مذهبهم - أي أهل التأويل - مذهبهم باطل عاطل، وفيه ما فيه من التجرء على كتاب الله عز وجل، وعلى سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، بل وعلى السلف أيضًا، فهل تكفرون أهل التأويل أو تفسقونهم يا أهل السنة؟ قال الشيخ رحمه الله تعالى: قلنا: الحكم بالتكفير والتفسيق ليس إلينا، بل هو إلى الله تعالى ورسوله، فهو من الأحكام الشرعية التي مردها إلى الكتاب والسنة. قول الشيخ رحمه الله تعالى: «حكم التكفير والتفسيق ليس إلينا، بل هو إلى الله تعالى»؛ معنى هذا الكلام أنه ليس لأحد أن يحكم على شيء بأنه كفر أو أنه فسق من تلقاء نفسه؛ لأن هذه من الأحكام الشرعية، التكفير والتفسيق من الأحكام الشرعية، والأصل في الأحكام الشرعية: التوقف. فمن تكلم من تلقاء نفسه من غير برهان في شيء معين، فقال: هذا الفعل كفرًا أو هذا الفعل أو القول فسقًا من غير برهان، هذا يكون متقولًا على الله عز وجل، هذا يكون متكلمًا على الله عز وجل بغير الحق، وهذا منهي عنه. قال ربنا عز وجل: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾، وقال ربنا عز وجل: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. فهي من كبائر الذنوب، القول على الله عز وجل بغير علم. قال الشيخ رحمه الله تعالى: «فهو إلى الله تعالى ورسوله، فهو من الأحكام الشرعية التي مردها إلى الكتاب والسنة». ما دام هو حكم شرعي، فهو مرده إلى الكتاب والسنة. إذا سألنا سائل فقال: ما حكم كذا وكذا؟ وما عندنا برهان، ما عندنا دليل، ما حكم أن نصلي كذا؟ ما عندنا برهان، إذا قلنا له: لا يجوز، نقول له: ما الدليل؟ وإذا قال: يجوز، نقول له كذلك: ما الدليل؟ إذا ما عنده دليل يكون متقولًا. فكذلك إذا قال إنسان: هذا القول كفر أو هذا الفعل كفر أو فسق، نقول له: ما برهانك؟ فإن لم يكن عنده برهان، فنقول: هذا لا يجوز، بل هو من القول على الله بغير علم. فإذا مرد الأحكام - أحكام التكفير والتفسيق وكذا التبديع - إلى كتاب الله عز وجل وإلى سنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، فلا يكفر إلا من كفره الله عز وجل ورسوله، ولا يفسق إلا من فسقه الله عز وجل ورسوله. قال الشيخ رحمه الله تعالى: «فيجب التثبت فيه غاية التثبت، فلا يكفر ولا يفسق إلا من دل الكتاب والسنة على كفره أو فسقه». واضح هذا، يا جماعة؟ قال: «والأصل في المسلم الظاهر العدالة؛ بقاء إسلامه وبقاء عدالته حتى تتحقق زوال ذلك عنه بمقتضى الدليل الشرعي». قال: «ولا يجوز التساهل في تكفيره أو تفسيقه؛ لأن في ذلك محذورين عظيمين». الأمر عظيم وخطير. قال رحمه الله تعالى: «بل هو إلى الله تعالى ورسوله، فهو من الأحكام الشرعية التي مردها إلى الكتاب والسنة». الشيخ رحمه الله تعالى يقررها هنا، يقول: «والأصل في المسلم الظاهر العدالة؛ بقاء إسلامه وبقاء عدالته». فالأصل إذا قال لنا إنسان: ما الأصل في المسلم؟ نقول له: الأصل في المسلم الظاهر العدالة؛ بقاء إسلامه وبقاء عدالته. قال رحمه الله تعالى: «ولا يجوز التساهل في تكفيره أو تفسيقه؛ لأن في ذلك محذورين عظيمين». أحدهما: افتراء الكذب على الله تعالى في الحكم، وعلى المحكوم عليه في الوصف الذي نبذه به. هذا الأمر الأول خطير؛ افتراء الكذب على الله، إذ أنك تقول: إن هذا فلان كفر بالله عز وجل، إن لم يكن كافرًا في حقيقة الأمر، ولم تتحرى أنت أيضًا ذلك تحريًا تامًا، ربما تكون ممن افترى على الله الكذب، وهذه معصية كبرى، معصية عظيمة. والأمر الثاني: نبذك لهذا المسلم الذي هو ما زال على إسلامه بأنه كافر، وهذه فرية أخرى. من قال لأخيه: يا كافر، فإن كان كما قال وإلا ردت عليه. والله عز وجل في كتابه الكريم يقول: ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾، ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾، وما شابه ذلك. فهذا يبين ويحذر من الكلام في أعراض المسلمين. قال رحمه الله تعالى: «وعلى هذا؛ فيجب قبل الحكم على المسلم بكفر أو فسق أن ينظر في أمرين: أحدهما: دلالة الكتاب أو السنة على أن هذا القول أو الفعل موجب للكفر أو الفسق». طيب، قال: «وعلى هذا؛ فيجب قبل الحكم على المسلم بكفر أو فسق أن ينظر في أمرين». قول الشيخ رحمه الله تعالى: «في المسلم» يدل على أن غير المسلم لا يحتاج إلى هذا. إذا رأينا رجلًا يهوديًا أو رجلًا نصرانيًا أو رجلًا مشركًا أو غير ذلك، لا يحتاج أن نقول: ننظر، بل إذا علمنا أنه يهودي أو نصراني أو مشرك أو ما شابه ذلك، حكمنا عليه بأنه كافر مطلقًا، بخلاف المسلم، المسلم لا بد أن يتحرى في أمره. قال رحمه الله تعالى: «أن ينظر في أمرين». وهذا يدل على أن مدار الكفر لا بد أن يتحقق في ذلك الذي وقع أو قال الكفر، لا بد أن يتحقق في أمران الذي سيأتي ذكرهما. قال رحمه الله: «أحدهما: دلالة الكتاب أو السنة على أن هذا القول أو الفعل موجب للكفر أو الفسق». أي: قد دل الكتاب والسنة على أن ذلك القول أو ذلك الفعل أو ذلك الاعتقاد بأنه كفر أو فسق. والثاني: «انطباق هذا الحكم على القائل المعين أو الفاعل المعين، بحيث تتم شروط التكفير أو التفسيق في حقه، وتنتفي موانع الموانع». إذا لا بد من شرطين في تكفير المعين: الأول: أن يكون ذلك الحكم قد ثبت في الكتاب والسنة أنه كفر. والثاني: لا بد من أن ينطبق ذلك الكفر على ذلك القائل أو على ذلك الفاعل. وانطباقه إذا انطبق عليه، فيجب بعد ذلك أن يراعى أمور: من هذه الأمور ما هي؟ أن تتوفر فيه الشروط - شروط التكفير - وتنتفي في حقه الموانع - أي موانع التكفير. قال الشيخ رحمه الله تعالى: «من أهم الشروط أن يكون عالما بمخالفته التي أوجبت أن يكون كافرًا أو فاسقًا». أن يكون عالما بمخالفته، وقول الشيخ: «عالما بمخالفته» يدل على ما تقدم معنا قبل قليل في درس «كشف الشبهات»: أنه لا يشترط معرفة الكفر، بل يقف في ذلك معرفة المخالفة. يكتفي في ذلك أن يعرف أنه قد خالف أمر الله عز وجل أو أمر رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا يشترط في ذلك أن يكون عالما بأن ذلك القول أو الفعل بأنه كفر. قال: «لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾، وقوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾». واضح هذا الأمر. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، استغفرك وأتوب إليك.