المحاضرة بعنوان عليكم بالرفق، وكانت بمسجد عبدالرحيم بالشحر الجمعة ١٨ ربيع أول ١٤٣٦هـ ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول فضل خلق الرفق في الإسلام وأهميته من خلال الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، حيث يعتبر الرفق من الأخلاق المحمودة والمحبوبة عند الله تعالى. كما يشير إلى أن الله تعالى رفيق ويحب الرفق في جميع الأمور.
يُبين أهمية خلق الرفق في الإسلام من خلال سيرة النبي عليه الصلاة والسلام وتعامله مع مختلف الأشخاص، ويُظهر كيف أن الرفق يزين الأمور ويجلب استمالة القلوب. كما يشير إلى أن الرفق مطلوب في التعامل مع جميع الناس.
يؤكد على أهمية الرفق في تعامل المسلم مع إخوانه وأهله والمجتمع، مستشهدًا بالأحاديث النبوية التي تشير إلى أن الرفق يرفع صاحبه في الدنيا والآخرة. كما يحث على التحلي بخلق الرفق في جميع التعاملات لتحقيق المطالب بشكل لائق ومشروع.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. يا أيها الذين آمنوا تقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون. يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، فإن خير الكلام كلام المولى جل وعلا، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وإن شر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، حديثي معكم في هذا المقام عن خلق من أعظم أخلاق أهل الإسلام، ألا وهو خلق الرفق، هذا الخلق العظيم، وهذا الأدب الرفيع، التي تضافرت الأدلة الشرعية على بيان فضله وعلى علو منزلته وقدره، لما ستأتينا من أحاديث كثيرة في هذا الباب. وقبل الخوض، إخواني في الله، في ذكر فضائل هذا الخلق، تنوعت عبارات العلماء رحمهم الله تعالى في تعريف هذا الخلق، وهذا الأدب. ما معنى الرفق؟ ما معنى الرفق؟ قال جماعة من العلماء في تعريفهم وتبيينهم لأمر الرفق: بأنه هو التلطف بأخذ الأمور بأحسن الوجوه وأيسرها. وذكر الحافظ بن حجر رحمه الله تعالى في فتح الباري، مبينًا تعريف الرفق، قال رحمه الله تعالى: هو لين الجانب بالأقوال والأفعال والأخذ بالأسهل. لين الجانب بالأقوال والأفعال والأخذ بالأسهل. فتدور، إخواني في الله، معاني الرفق حول كيفية المعاملة والتعامل بين المسلم وبين إخوانه المسلمين، وأن يكون ذلك بلين، وأن يكون ذلك بسهولة، وأن يكون ذلك بيسر، وأن يكون ذلك بلين الجانب من أقوال وأفعال. وهذا الخلق، إخواني في الله، لكم تضافرت في ذكره الأدلة الشرعية، وكفاك شرفًا يا عبد الله في فضيلة هذا الخلق أن الله سبحانه وتعالى قد أحبه، فهو من الأخلاق المحمودة والمحبوبة عند الله عز وجل. وإن المولى جل في علاه متى أحب خلقًا فإنه يحب أهله سبحانه وتعالى. وكفاك بذلك منقبة يا عبد الله بأن الله يكتنفك في محبته جل في علاه. قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله يحب الرفق في الأمر كله». إن الله يحب الرفق في الأمر كله. فالرفق، يا عبد الله، من الأخلاق المحبوبة والمحمودة عند الله سبحانه وتعالى. وأيضًا، يا عبد الله، مما يدلك على شرف هذا الخلق، وكيف أنه بلغ من الإجلال أن اتصف به رب العزة والجلال سبحانه وتعالى، فإنه سبحانه وتعالى الرفيق من الرفق. كما جاء في الصحيح، قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله». رفيق من الرفق، رفيق على وزن فعيل بمعنى فاعل، أي أنه سبحانه وتعالى هو الذي يرفق بعباده. قال ابن القيم رحمه الله تعالى في النونية: وهو الرفيق يحب الرفق، بل ويعطيهم بالرفق فوق أمان. فقوله رحمه الله: وهو الرفيق يحب أهل الرفق. فربنا سبحانه وتعالى رفيق، فهو رفيق جل في علا في خلقه ومخلوقاته، وهو رفيق في تدبيره وتصرفاته، وهو كذلك سبحانه وتعالى رفيق في دينه وفي أحكام شريعته. ما جعل عليكم في الدين من حرج، رفع ربنا سبحانه وتعالى الأصرار والأغلال عن هذه الأمة، وجعل اليسر والسهولة هي السمة البارزة في هذه الملة. يريد الله بكم اليسر. فهذا من رفق الله سبحانه وتعالى على هذه الملة، وعلى هذه الديانة الإسلامية، وعلى أمة محمد عليه الصلاة والسلام، أن الله جل وعلا رفق بها. وهكذا، إخواني في الله، من تأمل في صفاته عليه الصلاة والسلام، فتجد أنه من أعظم صفاته التي تحلى بها صلى ربي وسلام عليه: أنه كان رفيقًا بأهله، رفيقًا بأمته، رفيقًا بأصحابه عليه الصلاة والسلام. وكفى بشهادة الرب شهادة على اتصاف نبينا عليه الصلاة والسلام بهذا الخلق، بهذا الأدب الرفيع. قال ربنا جل في علاء: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾. فبما رحمة من الله لنت لهم. واللين، كما قال أهل التفسير في معناها: قال هو الرفق في المعاملة. واللين هو من معاني الرفق، ويكون ذلك عند التعامل. ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾. فكان من صفاته عليه الصلاة والسلام أنه قد ألان لهم الجانب. واللين هو الرفق في المعاملة. يقول إمام الحسن البصري رحمه الله تعالى عند هذه الآية: يقول: هذا خلق محمد الذي بعثه الله به، هذا خلقه صلوات ربي وسلامه عليه، الذي بعثه ربنا جل وعلا للناس كافة: أنه عليه الصلاة والسلام كان لين الجانب، كان رفيقًا صلوات ربي وسلامه عليه لأمته، رفيقًا لأصحابه عليه الصلاة والسلام. وهكذا ما جاء في الصحيحين من حديث مالك بن الحويرث رضي الله تعالى عنه قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم في نفر، فأقمنا عنده عشرين ليلة. قال: فكان صلى الله عليه وسلم رحيمًا رفيقًا. فذكر ذلك: أن من أهم صفاته، ومن أعظم صفاته التي تحلى بها نبينا صلى الله عليه وسلم، فعاشر بها القوم: أنه كان رفيقًا. الرفق، إخواني في الله، من أعظم الأخلاق، من أعظم الخلال، من أعظم الصفات التي ما ينبغي لمسلم أن يبتعد عنها، بل يجب أن يتصف بها. إخواني في الله، إن صلاح العباد وصلاح أحوالهم في الدنيا والآخرة، إنما يكمن في مدى التزامهم واتصافهم بهذا الخلق المفضل، أن يكونوا على مستوى عال من الرفق. يقول عليه الصلاة والسلام، كما روى ذلك الإمام أحمد في مسنده، ويحسنه الألباني، قال عليه الصلاة والسلام: «من أعطي حظه من الرفق، فقد أعطي من خيري الدنيا والآخرة». من أعطي حظه من الرفق، فقد أعطي من خيري الدنيا والآخرة. ماذا تريد يا عبد الله أكثر من ذلك؟ تحوز عن طريق هذا الخلق على خيري الدنيا والآخرة. فلا يفوتك شيء من خيرهما. بخلاف من لم يتحلى بهذا الخلق، فإنه سيفوت خير الدنيا، ويفوت كذلك خير الآخرة. وهذا هو الحرمان، وهذا هو الخسران المبين. فإخواني في الله، فينبغي أن نتحلى بهذا الخلق. للأسف، من نظر إلى أحوال الناس، وإلى أفكارهم، وإلى طرق تعاشرهم وتعاملهم فيما بينهم، تجد أنه في منأى عن هذا الخلق، في منأى عن الرفق. بل إن بعض الناس، إخواني في الله، لربما لا يرفع رأسًا، ولا يلقي بالًا بهذا الخلق، فضلًا عن أن يتصف به. بل على العكس منهم: أن ربما يغمز أهل الرفق ممن رأى من بعض الناس أنهم قد تحلوا بالرفق، وعاشروا الناس بالرفق. تجد أن جماعة من الخلق، ممن ربما يغمز فيهم، يغمز فيهم، ويغمز في هذا الخلق الذي تخلقوا به، ويرى أن هذا الخلق ما هو إلا مداهنة في دين الله، أو أن هذا الخلق ما هو إلا ميوعة في الدعوة إلى الله عز وجل، أو أن هذا الخلق ما هو إلا خور وفتور في معاشرة الناس. لا يا عبد الله، بل هذا خلق حميد، خلق عظيم، خلق من حازه، من تشبث به، من تمسك به، من تصف به، حاز على خير الدنيا والآخرة. إخواني في الله، من نظر إلى حال نبينا عليه الصلاة والسلام، ومن تأمل في سيرته صلوات ربي وسلامه عليه، يرى مدى اعتناء نبينا عليه الصلاة والسلام بهذا الخلق، اعتناءً عظيمًا في نفسه أولًا، ثم اعتناءً للناس به. فتجد أنه عليه الصلاة والسلام له من الأخبار والأحاديث التي تناقلتها الصحابة عن نبينا عليه الصلاة والسلام: كيف كان الرفق يعلوها؟ سل يا عبد الله عن تعامله عليه الصلاة والسلام، وكيف رفق بذلك الفتى الذي نادى في وسط المسجد قائلًا: يا رسول الله، ائذن لي بالزنا. كيف تعامل معه نبينا عليه الصلاة والسلام؟ سل يا عبد الله كتب السنة، تعامل معه بكل رفق، وليحلم عليه الصلاة والسلام. سل عن ذاك الرجل الأعرابي الذي دخل المسجد، فبال في ناحية من نواحي المسجد، حتى غضب الناس، فكيف تعاشر معه نبينا عليه الصلاة والسلام؟ ما تعامل معه إلا بالرفق. ذاك الذي تكلم في الصلاة حتى أدهش الناس، كيف تعاشر نبينا معه؟ كيف أدبه؟ ما علمه، ما نهره، إنما تعامل معه بالرفق. تلك المرأة التي بلغ منها الجفاء أنها بكت عند القبر لولد لها، فلما أراد نبينا أن يستنصحها أو ينصحها، قال له: اذهب عني، فإنك لم تصب بمصيبتي. ومع ذلك تعامل معها نبينا صلى الله عليه وسلم بالرفق. ثمامة عندما كان مشرفًا، كيف تعامل معه نبينا صلى الله عليه وسلم؟ ما تعامل معه إلا بالرفق. ذاك الفتى الذي كان يأكل، أو ذاك الصبي والغلام الذي كان يأكل بين يدي نبينا عليه الصلاة والسلام، حتى كانت يده تطيش في الصحفة هنا وهنا وهنا، كيف تعامل معه نبينا؟ ما تعامل معه إلا بالرفق. يا عبد الله، ما الحكم من ذلك؟ لماذا نبينا صلوات ربي وسلام يعتني بهذا الخلق اعتناءً عظيمًا؟ إخواني في الله، الخلق خلق الرفق يعتبر من أعظم الأسباب التي بها يكون فيها تزيين للأمور والأشياء. ما تزان الأمور وتزين بمثل خلق الرفق. وبهذا التزين، وبهذه الزينة: هذا يستجلب استمالة القلوب، ومن ثم حصول المقصود. ولهذا، من رجع إلى هذه القصص التي تعامل فيها نبينا عليه الصلاة والسلام: كيف كانت النتيجة؟ كيف كانت الثمرة؟ الثمرة كانت إيجابية مئة في المئة. لماذا؟ لأن الرفق يا عبد الله فيه تزيين الأمر، ومن ثم استجلاب للقلوب، ومن ثم حصول المقصود. يقول عليه الصلاة والسلام: «ما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه». ما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه، أعابه، عيبه. وهذا، إخواني في الله، الحكمة من اهتمام نبينا عليه الصلاة والسلام بتعليم أمته، ومن ثم لأصحابه: تعليم أصحابه، ومن ثم لأمته: أن يربيهم على هذا الخلق الحميد، ألا وهو خلق الرفق، لأنه به ماذا تحصل النتيجة الطيبة التي يريدها ربنا سبحانه وتعالى من عباده. بل وتأمل يا عبد الله في هذا الحديث، قال عليه الصلاة والسلام: «إن الرفق ما كان في شيء، أي شيء، أي شيء يدخل فيه الرفق، فإن الرفق يحسنه، يزينه». سواء كان ذلك في تعاملك في باب الطاعات والعبادات، أو كان ذلك في تعاملك في باب السلوكيات والمعاملات، أو حتى كان في ذلك التعامل مع الدواب والحيوانات. حتى تعامل مع الدواب والحيوانات، وسائر الكائنات، يحتاج كذلك إلى الرفق، وأن الرفق معها يزين التعامل بها. ثبت في الصحيح، في صحيح مسلم، حديث عائشة رضي الله تعالى عنها: أنها استصعبت ركوب بعير، استصعب ذلك عليها. فإذا بنبينا صلى الله عليه وسلم يقول لها: «يا عائشة، عليك بالرفق، فإنه ما يكون في شيء إلا زانه». يا سبحان الله، مع الحيوان. يا عائشة، عليك بالرفق، فإنه ما يكون في شيء إلا زانه. حتى مع الحيوانات، مع الحشرات، مع سائر الدواب والكائنات، تحتاج يا عبد الله إلى الرفق. أنك تتم الأمر ليس بالشدة، وليس بالغلظة، وليس بالفضاضة، بل بصلح الحال. إخواني في الله، في تعاشر الأمر بالتعاشر بالرفق، حتى مع الكفار، حتى ممن ليس لهم من أهل الدين، ولا من أهل الملة، من الكفر، من المشركين. أرشد نبينا صلوات ربي والسلام علينا: ضرورة التعامل معهم يكون كذلك بالرفق. بل حتى ربنا جل في علا أرشد إلى هذا الخلق، أدعى إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة، وجادلهم بالتي هي أحسن. قال أهل التفسير في معنى قول تعالى: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالْتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾. قالوا: أي برفق ولين. برفق ولين مع من؟ مع كفار، مع كفار. كذلك يا عبد الله تحتاج إلى أن تلين معهم العبارة، لعل وعسى أن يكون في ذلك تأليف لقلوبهم، لأن يدخلوا في دين الله أفواجًا. ثبت أيضًا في البخاري: أن نفرًا من اليهود دخلوا على نبينا صلى الله عليه وسلم، فقالوا: السام عليك. السام عليك. ليست السلام عليك. السام هذا من لحن القول، أراد اليهود من هذه العبارة الدعاء على نبينا عليه الصلاة والسلام بالهلاك. السام بمعنى الموت. السام عليك بمعنى الموت عليك، بمعنى الهلاك عليك. فقالوا من باب لحن القول: السام عليك. فقالت عائشة: فسمعتها، ففهمتها، فقلت لهم: وعليكم السام واللعنة. وعليكم السام واللعنة. فقال عليه الصلاة والسلام: «مهلًا يا عائشة، إن الله يحب الرفق في الأمر كله». مع من تعاملت؟ مع خونة، مع أهل الغدر، مع يهود، وهم الذين بدأوا. ومع ذلك أمرها، وأرشدها نبينا عليه الصلاة والسلام إلى أن تتخلق بخلق الرفق، ولو كان ذلك في تعاملها مع عدو الدين، مع الكفرة، مع اليهود. فإذا دل ذلك، فإذا كان هذا الخلق، المسلم قد أرشد به أن يتعامل بهذا الخلق مع الدواب والحيوانات، ومع الكافرين والكافرات، فما ظنك يا عبد الله بالمسلمين، من المسلمين والمسلمات؟ فإنه من باب أولى، وأولى، وأولى. أن المسلم يتحرى الرفق مع أهل الإسلام. إذا كنت يا عبد الله في باب الحيوانات: عليك أن ترفق بهم. وهكذا في عشرتك مع الكفار، ودعوة الكفار إلى الإسلام: تتحلى بالرفق. فما ظنك يا عبد الله بالمسلمين في معاشرتهم، والتعامل معهم؟ لا بد، لا بد أنك تتحلى بالرفق، تتحلى باللين، تتحلى بالحلم معهم. يقول نبينا عليه الصلاة والسلام، كما روى ذلك الإمام أحمد بسند صحيح، قال صلوات ربي وسلامه عليه: «اللهم من رفق بأمتي فارفق به، ومن شق عليهم فاشقق عليه». تأمل يا عبد الله في هذا الدعاء النبوي من نبينا عليه الصلاة والسلام في حال المسلم في عشرته وتعاشره مع إخوانه المسلمين. اللهم من رفق بأمتي فارفق به. الجزاء من جنس العمل. من كان هذا حاله، من كان هذا ديدنه في تعامله وعشرته مع إخوانه المسلمين: أنه يعلوهم بالرفق، فإن النبي دعا ربه سبحانه وتعالى أن يرفق بهذا الصنف. والعكس بالعكس. ومن شق عليهم فاشقق عليه. فعليك يا عبد الله أن ترفق بإخوانك. الله الله يا عبد الله بأمة محمد صلوات ربي وسلامه عليه. ارفق معهم يا عبد الله، بالقيل، بالقول، بالأفعال، باللين الجانب، بالأخلاق، بالآداب. عليك يا عبد الله بالرفق مع جميع المسلمين، مع صغيرهم وكبيرهم، ومع كل فرد من أفرادهم، بغض النظر عن بلدته، بغض النظر عن نسبته، وأهله، وعشيرته، وقبيلته. أنت مطالب بالإحسان، بالرفق مع المسلمين. وهو كل من رضي بالله ربه، وبالإسلام دينًا، وبمحمد عليه الصلاة والسلام نبيًا ورسولًا. بغض النظر عن وطنه، بغض النظر عن أهله، وعشرته، وعشيرته. ليس هناك عندنا تمييز، ولا عندنا كذلك قومية، ولا عندنا قبلية. أو عامل بالرفق من كان من أهل بلدتي، وأما من خارج بلدتي، فعليه بالجفاء. لا يا عبد الله، هذا ليس من دين الله جل وعلا. أنت مأمور أن تعامل عباد الله سبحانه وتعالى جميعهم بالرفق. قال ابن القيم رحمه الله تعالى: قال: ومن رفق بعباد الله جل وعلا، فإن الله جل وعلا يرفق به. ومن رحمهم، ومن رحمهم، فإن الله يرحمه. ومن أحسن إليهم، فإن الله يحسن إليه. ومن عامل خلقه بصفة، عامله الله بنفس الصفة في الدنيا والآخرة. عامله الله بنفس الصفة، أي الجزاء من جنس العمل. إذا كنت يا عبد الله من حالك، ومن أمرك: أنك رفيق بأمة محمد عليه الصلاة والسلام، فتجد أن الله جل وعلا جعلك من أمرك مرفقًا في الدنيا والآخرة. وإذا كنت يا عبد الله في عشرتك مع المسلمين يعلوها الرحمة، فإن الله سيرحمك في الدنيا والآخرة. وإن كنت يا عبد الله محسنًا مع المسلمين، صغيرهم وكبيرهم، فإن الله جل وعلا يحسن إليك. وكما قال ابن القيم: فمن عامل خلقه بصفة، عامله الله بنفس الصفة بعينها في الدنيا والآخرة. وليس فقط هذا الجزاء أن تلاقيه في الدنيا، بل حتى في الآخرة. من رفق بأمة محمد يرفق الله جل وعلا به في الدنيا والآخرة. فالحمد لله يا عبد الله إن كنت ممن حباك الله جل وعلا بهذه النعمة. وهنا يا إخواني في الله تأتي مسألة: أن تعلم، وأن تعرف على صور الرفق، وعلى مظاهر الرفق. فإن من صور الرفق، إخواني في الله: أنك ترفق أولًا من ترفق، ترفق بنفسك التي بين جنبيك. هذه النفس التي بين جنبيك، عليك أن تحفها بالرفق، فلا تكلفها، ولا تشدد عليها بما لا تطيقه. سواء كان من الأعمال الدينية، وحتى الأعمال الدنيوية. قال عليه الصلاة والسلام: «إن هذا الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه». ذكر ذلك ابن حجر رحمه الله تعالى: أن لمن تعمق في الأعمال الدينية، وما حفها بالرفق، فإنه سرعان ما ينقطع، أي ينقطع فيها في باب العبادة والطاعة. فأنت يا عبد الله لا تكلف نفسك ما لا تطيق. إن الله لا يمل حتى تملوا. إن الله يأمركم بالأعمال بما تطيقون. كما أمر بذلك، وأرشد إلى ذلك نبينا صلى الله عليه وسلم. وقد قال علماء: أن مما يخالف الرفق الذي ينبغي أن يكون في نفسك: أنك تكلفها ما لا تطيق من العبادات والأعمال، أو أن يكون ذلك بأن تخرج عن هدي نبيك عليه الصلاة والسلام، بأن تشدد على نفسك بابتكار العبادات من البدع والمحدثات. وهكذا أيضًا: أدخل علماء مما يخرج التعامل بالرفق مع نفسك: أنك تحملها باب الوسوسة، تحملها على باب الوسوسة. هذا من الإرهاق، هذا من الكلفة التي ما أنزل الله بها من سلطان. كل ذلك يا عبد الله ليس من الرفق بشيء. وأيضًا يا عبد الله: من الرفق التي ينبغي أن يتحلى به المسلم: أن يرفق بأمة محمد عمومًا. أن يرفق بأمة محمد عمومًا. قد مر ذلك معنا في دعاء نبينا عليه الصلاة والسلام. ويؤيد هذا كذلك ما جاء عند الطبراني، قال عليه الصلاة والسلام: «المؤمنون هينون لينون». هذه من صفات أهل الإيمان، اللين، الرفق. المؤمنون هينون لينون. فلا تكن يا عبد الله وعرًا على الناس، لا تكن يا عبد الله عبوسًا قمطريرًا في وجهك، وفي أفعالك، وأخلاقك. يقول نبينا عليه الصلاة والسلام: «أكمل المؤمنين إيمانًا أحاسنهم أخلاقًا، الذين يألفون ويؤلفون». هذه من صفات أهل الإيمان: أن يكون يا عبد الله في خلقه اليسر، أن يكون في تعامله السكينة، أن يكون في أخلاقه اللين، أن يكون في عشرتك الرفق والحلم. قال عليه الصلاة والسلام: «أكمل المؤمنين إيمانًا أحاسنهم أخلاقًا، الموطئون أكنافًا، الذين يألفون ويؤلفون». ولا خير في الذي لا يألف ولا يؤلف. هذا لا خير فيه، لا خير فيه أبدًا. ومن هذا المقام، إخواني في الله، فإن المسلم عليه أن يعاشر الجميع بالرفق، هذا الأصل. ومن أعظم الناس، ومن أعظم الناس الذي ينبغي أن تتحلى بالرفق معهم: هم من كانوا من أسرتك، من كانوا من أهلك، من كانوا من ذوي قرابتك. فهؤلاء ينبغي أن تعفهم بالرفق، بل ينبغي أن يكون لهم النصيب الأكبر، والحظ الأوفر من الرفق. قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله إذا أراد بأهل بيت خيرًا دلهم على باب الرفق». رواه أحمد في مسنده. إن الله إذا أراد بأهل بيت خيرًا دلهم على باب الرفق. وجاء عند البيهقي برواية: «إن الله إذا أراد بأهل بيت خيرًا أدخل عليهم الرفق». فدل ذلك يا عبد الله: أنك إذا أردت أن تنعم بدنياك، وأن تتنزل عليك الخيرات والبركات، فعليك يا عبد الله أن تتحلى بالرفق، وخاصة مع أهلك, مع والديك، مع ذويك، مع قرابتك، مع أبنائك، مع أحفادك، مع جيران، مع أحفادك، وأبنائك، مع أجدادك، مع عماتك، وأعمامك، وأقرابك، ومع صلة أرحامك. هؤلاء يا عبد الله خصهم بالرفق. إذا أردت يا عبد الله الخيرية. إن الله إذا أراد بأهل بيت خيرًا دلهم على باب الرفق. فمن باب الرفق يا عبد الله: أن لا تكون عبوسًا، وأن لا تكون سبابًا، شتّامًا، ولا تكون عنيفًا، متنطعًا، متعنتًا. ولا تكون كذلك يا عبد الله: أقمطريرًا مكفهر الوجه. بل ينبغي عليك يا عبد الله أن تعامل أهلك بالرفق. عامل أهلك باللين. عامل أهلك بما فيه انشراح الصدر، وإحسان النفس. نبينا صلوات ربي وسلامه ضرب لنا الأمثل العليا في عشرته مع أهله عليه الصلاة والسلام. حتى قال: «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي». كان عليه الصلاة والسلام يؤاكلهم، يطعمهم، يطعم أهله. بل كان عليه الصلاة والسلام من فعله مع أهله: أنه يسابقهم، يمازحهم عليه الصلاة والسلام. هذا من الرفق، هذا من اللين مع الأهل. أين الناس إخواني في العشرة مع أهليهم؟ وما نسمعه من معظم المشاكل التي تقع في البيوت، في البيت الواحد، وبين الأقارب، وبين الأرحام، وبين الفرع الواحد، والبيت الواحد؟ تجد أن جل المشاكل إنما ترجع إلى أن الجميع ما تحلى بالرفق، ما تحلى أبدًا بالرفق. وإنما الشدة، والكلفة، والفضاضة، والغلظة بين الآباء والأبناء، أو بين الأزواج، أو بين الوالدين وبين الأرحام، وبين الأقارب. فإذا بالوضع ينفجر. إذا بالوضع ينفجر. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «ما أعطي أهل بيت الرفق فنفعهم». كهذا الحسن الألباني رحمه الله تعالى في الصحيحة. فما من أهل بيت رفضوا الرفق في عشرتهم وتعاملهم إلا ضرهم ذلك. ولا تجد يا عبد الله مضرة أشبه من هذه المضرة: من حدوث حالات الفراق، وحالات الطلاق، وحالات العقوق، وحالات العداوة بين الأقارب والأرحام؛ لأنها قد عريت من الرفق. فيا عبد الله، إذا أردت أن تتعامل مع أهلك، مع أهل بيتك خاصة، فعليك يا عبد الله أن تعاملهم بالرفق. وأيضًا إخواني في الله: من المقامات التي ينبغي أن تتحلى بالرفق كذلك: ما يكون بين الراعي والرعية. الراعي والرعية، هذه من المواطن التي ينبغي أن يعلوها الرفق. وهذا مسألة إخواني في الله مهمة، بل بها تتجلى أهمية هذا الخلق. فإن أهمية خلق الرفق تظهر: أنه بفقدانه، بفقد هذا الخلق، خلق الرفق، تضطرب أحوال العباد، تضطرب أحوال العباد. أعني به الأفراد والمجتمعات. ومن تأمل في هذه الأزمان خاصة، في واقع المسلمين الأليم، وما دب فيه من فتن ومحن وقلاقل، وما جرع عليهم من ذلك من قتل، ودمار، وخراب، إلا لما ترك الجميع خلق الرفق. لماذا يا عبد الله؟ لأن الذي لا يتحلى بالرفق، فإنه لا محالة سيتحلى بضده. وما هو ضد الرفق؟ قال العلماء: هو العنف، هو العنف. فما ظنك يا عبد الله بمجتمع يتعامل أهله بينهم، فيما بينهم، بخلق العنف؟ فأي أمن سيحله؟ وأي أمان سيظله؟ ومن هنا، إخواني في الله، كان لزامًا على كل فرد من أفراد المجتمع أن يتحلى بخلق الرفق، سواء كان راعيًا أو مرعيًا، أو كان مواطنًا أو مسؤولًا، أو كان مدنيًا أو كان عسكريًا. الكل عليه أن يخضع، ويربي نفسه على خلق الرفق. ما من أحد أبدًا يخرج عن قوله عليه الصلاة والسلام: «إن الله يحب الرفق في الأمر كله». من يقول: أنا أخرج من هذا النص؟ لا، هذا نص عام يشمل الجميع. «إن الله يحب الرفق في الأمر كله». ومنه إخواني في الله: كائن من كان يخرج من قوله عليه الصلاة والسلام: «وإن الله يعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف». إن الله يعطي، يحقق بالرفق ما لا يعطي، ولا يحققه بالعنف. لهذا، إخواني في الله، على الجميع، سواء كان راعيًا أو كان مرعيًا، الكل عليه أن يوطن نفسه على خلق الرفق. فتجد مثلًا الرعية، فإذا كان فرد من أفراد الرعية مثلًا أراد أن يطالب بحق من حقوقه على حد زعمه. سواء كان هذا الحق دينيًا أو دنيويًا. إن أراد أن يطالب، فليطالب، لكن عليك يا عبد الله بالرفق في مطالبك. أطلب الرفق في مطالبك. فإن حقق طلبك فذاك، وإن لم تنل المبتغى يا عبد الله، فعليك أن تكتفي بقوله عليه الصلاة والسلام: «سلوا الله الذي لكم». سلوا الله. إذا ما حصلت، وما حققت طلبك. أما أنك تجعل هذا ذريعة يا عبد الله إلى أن تأخذ حقك بقوة، تأخذه بعنف، بغير الرفق، بشدة، ورعونة، وخشونة، هذا ليس لك يا عبد الله. وهذا لا يجد بحاله لا يجد لأي أحد من الأفراد: أنه يحقق مآربه، أو يحقق ما في رأسه، بتحقيق مآربه على حد زعمه، بقوة السلاح، أو بقوة اليد. هذا ليس لأحد يا عبد الله. تأمل في قصة موسى. ربنا جل وعلا أرسل موسى إلى فرعون لكي يطالبه بأعظم حق في الوجود، أعظم حق في الوجود: ألوهية الله وحده، وحدانية الله سبحانه وتعالى. فهل بعد هذا الحق أعظم من هذا الحق؟ لا والله، ما في حق بعد هذا الحق أعظم. ومع ذلك أرشد ربنا نبينا موسى عليه السلام: أن يطالبه برفق. فقال سبحانه: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾. هذا من في حق من يا عبد الله؟ هذا في حق نبي من أنبياء الله، في طاغية كفر، من أعظم الطغاة كفرًا وإلحادًا في الدنيا: فرعون. والبغي يطالبه ليس في حق نفسه، بل حق الله جل وعلا، وحدانية الرب سبحانه وتعالى. ومع هذا كله أرشده ربنا سبحانه وتعالى: أن يتحلى بالرفق، يتحلى باللين. ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾. ولهذا يا عبد الله، فليس حقك أعظم من حق الله عز وجل. إن كنت تزعم أن لك حقًا يا عبد الله، أطلب حقك، لكن بلين. إن حقق الله مبتغاك فلك، وإلا فعليك بالصبر، فعليك بالصبر، وسل الله، وسل الله الذي لك. فإن الله لا يضيع حقك بإذنه، لا في الدنيا، ولا في الآخرة. أما أن بعض الناس يطالب بإحقاق حقه غصبًا، ولزومًا، فيؤدي لأجل ذلك أن يسفك الدماء، وأن تهتك الأعراض، ويقوم بالشغب والفتن، وبإثارة الفتن بين الناس، وهكذا بالتكسير والتخريب والدمار، وبالنهب، وبالسرقة. هذا لا يجوز، هذا لا يحل، وصاحبه ليس في حل. قال عليه الصلاة والسلام، كما ثبت في صحيح مسلم: «من خرج على أمتي بسيفه يضرب برها وفاجرها، ولا يتحاش من مؤمنها، فليس مني، ولست منه». فليس مني، ولست منه. براءة من نبينا عليه الصلاة والسلام في حق هذا الصنف ممن خرج على الناس بأي حجة كانت، لكن من جراء فعله: أن قتل هذا، وقتل ذاك، من المؤمنين، من الأبرار، من الفجار، ولا يفرق بين عباد الله. فهذا يا عبد الله، ولو حقق مبتغاه في الدنيا، فإن له غضب الله سبحانه وتعالى في الدنيا والآخرة. فاحذر يا عبد الله، يا من كنت فردًا من أفراد هذه الأمة، فعليك بالرفق. إن كان لك حقًا كما تدعي، وبالمقابل، فالشيء بشيء يذكر. فإذا كانت الرعية تطالب بأن تتحلى بالرفق في شؤونها، وفي مطالبها، فكذلك الرعاة، وهكذا الولاة. وما كان على شأن الدول والحكومات: أن يتقوا الله في أمة محمد عليه الصلاة والسلام. وأن لا يستغلو