فاستبقوا الخيرات - عمارة المساجد

المحاضرة بعنوان فاستبقوا الخيرات - عمارة المساجد، وكانت بمسجد سبل الخير بفوة الجمعة ٥ جمادى الأولى ١٤٣٥هـ ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

فضل بناء المساجد وعمارتها

يتناول هذا الفصل أهمية بناء المساجد وفضل من بنى مسجدًا لله، حيث ثبت في الأحاديث أن الله يبني له بيتًا في الجنة. كما يشير إلى أن عمارة المساجد تنقسم إلى قسمين: عمارة حسية ومعنوية.

أحكام وشروط تشييد المساجد والحفاظ عليها

يشجع هذا الفصل على بناء المساجد ولو كانت صغيرة، ويؤكد على أهمية الإخلاص في بناءها وعدم المبالغة في الزخرفة والنقوش، كما يحث على الحفاظ على نظافتها وعدم إلقاء الأوساخ فيها أو حولها.

عمارة المساجد معنويًا وأهميتها في الإسلام

يتحدث هذا الفصل عن أهمية عمارة المساجد ليس فقط بالبناء المادي ولكن أيضًا بالعبادة والطاعة، ويشدد على ضرورة تعظيم بيوت الله وعدم تحويلها إلى أماكن للضجيج والكلام الفارغ.

التفريغ النصي الكامل

بالشكر الجزيل نيابةً عن إخواني لأهل هذا المسجد خاصة ولأهل هذا الحي عامة على حسن ظنهم بإخوانهم في استقطابهم واستدعائهم لإلقاء مثل هذه الكلمات وهذه المحاضرات التي مما يعوم بها النفع في حق المتكلم أولًا قبل السامع، وإن ذلك من الخير، بل ذلك من الخيرات. سمعتم إخواني في الله، كما أعلن بأن عنوان المحاضرة «فاستبقوا الخيرات»، يا ترى ما هي الخيرات التي أمرنا بالمسابقة إليها؟ ذكر الإمام السعدي رحمه الله تعالى في تفسيره عند هذه الآية ﴿فاستبقوا الخيرات﴾ أن الخيرات تشمل الفرائض والنوافل، الخيرات تشمل الفرائض والنوافل من صلاة وصيام وزكاة وحج وعمرة وجهاد في سبيل الله ونفع متعد ونفع قاصر، كل ما كان من دين الله جل وعلا فإن أمرنا بالمسابقة إليه. وتأمل يا عبد الله في قول الرب جل وعلا ﴿فاستبقوا الخيرات﴾، المسابقة ومن نظر بلا وحي الكتاب والسنة تجد أن الرب جل وعلا إذا أوصل عباده إلى ما فيه خيرية الدنيا والآخرة من الطاعات والعبادات تجد أن الله جل وعلا يجعل مع هذا الأمر الحث والبذل، فعندما أرشد ربنا جل وعلا إلى الصلاة قال جل في علاه ﴿فاسعوا إليها﴾، فاسعوا إلى ذكر الله أي إلى الصلاة. وعندما أرشد ربنا جل وعلا إلى الجنة قال سبحانه ﴿وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة﴾، وعندما أمر ربنا جل وعلا بالخيرات قال جل في علاه ﴿فاستبقوا الخيرات﴾، وعندما أرشد ربنا جل وعلا العباد إلى نفسه قال جل في علاه ﴿ففروا إلى الله﴾، سعي مسابقة مسارعة فرار، ما معنى هذا؟ معنى ذلك أنك لن تصل إلى مرضات الله جل وعلا يا عبد الله إلا بالبذل، إلا بالبذل، ليس بالأمان ولا بالأمنيات، لأنك تضع رجلًا على رجل ثم تظن من نفسك أنك ستدرك المعالي وأنت على هذا الحال. قال جل في علاه ﴿والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا﴾، إخواني في الله، كما قد قرر أن الخيرات لفظ عام يدخل في ذلك الفرائض والنوافل، وماذا عسانا في مثل هذا المقام الضيق أن نذكر الفرائض والنوافل التي أمر وحث الشرع عليها؟ لكن حسب إخواني في الله في هذا المقام أن أتكلم عن شيء من الخير ولعل هذا الأمر والوقت مواتيان إلى ذكره، ألا وهي عمارة بيوت الله جل وعلا. ونحن في هذا المسجد المبارك الذي أسأل المولى جل وعلا أن يجعله مباركًا على أهله، الذي ليس له إلا ليال معدودة أفتتح على الخير وعلى السنة، وهي أظن هذه المحاضرة تعتبر من أول المحاضرات إيقاعًا وإحداثًا فيه، فناسب إخواني في الله أن نجعل هذه الكلمة «فاستبقوا الخيرات» حول عمارة بيوت الله جل وعلا. عمارة بيوت الله جل وعلا تعتبر من أعظم الطاعات ومن أجل القربات التي حث ربنا جل وعلا عليها، قال جل في علاه ﴿إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر﴾، هذه منقبة ما بعدها منقبة، أن الله جل وعلا شهد بالإيمان في حق من كان من عمار بيوت الله جل وعلا، إيمانك صادق يا عبد الله لا خلل لا نفاق لا زلل لا دغل، إيمانك خالص بشهادة الرب جل وعلا، ما دمت من معمري ومن عامري بيوت الله جل وعلا. ﴿إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر﴾، وقد ذكر العلماء أن عمارة المساجد تنقسم إلى قسمين: عمارة حسية وعمارة معنوية، نشير ولو إشارات إخواني في الله إلى التعرف إلى هذه العمارة لبيوت الله جل وعلا حتى نتصف بصفة الإيمان. العمارة الأولى من عمارة بيوت الله جل وعلا، العمارة الحسية تسمى بالعمارة المادية وعمارة البناء، عمارة التشييد، أن الله جل وعلا يوفق من يوفق من عباده بأن يسخره في بناء مثل هذا الصرح الرباني، يسخر ماله وقدراته على بناء المساجد هنا وهنالك، هذه نعمة، نعمة يا عبد الله ما بعدها من نعمة، تواترت عن نبينا عليه الصلاة والسلام الأخبار والأحاديث عن فضل من بنى بيوتًا لله جل وعلا. ثبت في الصحيحين من حديث عثمان قال عليه الصلاة والسلام «من بنى بيتًا لله بنى الله له بيتًا في الجنة»، الجزاء من جنس العمل الذي بذل، الذي ضحى من ماله، الذي أعطى أن بنى بيوتًا لله جل وعلا، فإن الله سبحانه وتعالى يبني لك بيتًا في الجنة، وشتان يا عبد الله بين بنايتك وبين ما سيبنيه لك الرب سبحانه وتعالى في جنان الخلد. بل ثبت عند أبي أمامة من حديث أبي أمامة قال عليه الصلاة والسلام «من بنى مسجدًا لله بنى الله له بيتًا في الجنة أوسع منه»، ليس في الحجم بل أكثر في الجنة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، تشييد المساجد عباد الله تُعتبر من أهم المسائل، تُعتبر من صميم الدين، وللدليل على ذلك من فعله عليه الصلاة والسلام عند مقدمه إلى المدينة هاجر. صلوات رب وسلامه عليه متوجًا إلى المدينة لكي يُقيم دولة الإسلام، ما الذي عساه بدأ؟ ما الذي عساه أن حرص على فعله؟ لم يُحط رحاله وما أنزل رحله عليه الصلاة والسلام على دابته إلا على موقع يقام فيه مسجده عليه الصلاة والسلام، وهو عن راحلته، تخل المدينة على راحلة، وقد دعوها فإنها مأمورة حتى حطت رحلها على موقع يقام فيها مسجده عليه الصلاة والسلام، بناء المساجد. وهذا الحديث دليل على أهمية بناء المساجد في مجتمعات المسلمين، بل فيه دلالة عظيمة على أن مجتمعات المسلمين لن يتم لها قرار ولا استقرار ولا الرضا من الرب جل وعلا حتى تُعمَّر فيه مثل هذه المساجد، لماذا يا عبد الله؟ لأن هذه المساجد هي صلة بين العباد وبين ربهم جل في علاه، المساجد إخواني في الله أحب البقاع إلى الله كما صرح بذلك نبينا عليه الصلاة والسلام «أحب البقاع إلى الله مساجدها»، ليس الأسواق، ليست البيوت، ليست المنتزهات، بل هذه البقاع من أحب البقاع إلى الله سبحانه وتعالى. وأعلموا إخواني في الله أن عمارة المساجد بالعمارة الحسية بتشييدها تتضمن عدة مسائل، أنبِّي عليها، التنبيه الأول ما يتعلق بعمارة بيوت الله، العمارة الحسية، أن نعلم يا عبد الله ما هو المطلوب في بناء المساجد، الجسم الحجم، ما هو المقدار؟ ما هي المساحة؟ بعض الناس لربما همه إذا أراد أن يبني مسجدًا لابد أن يبني مسجدًا جامعًا، يبنيه مسجدًا ضخمًا على سعة كذا فدان، كذا أمتار، ثم بعد ذلك يعجز عن بناء هذا المسجد، وهذا ليس بالضروري يا عبد الله. إذا كان عندك قدرة على ذلك فافعل، إن لم تقدر فلا أقل يا عبد الله ولو أن تبني مسجدًا صغيرًا، تخيل صغر المسجد الذي أخبر عنه عليه الصلاة والسلام، روى الإمام البيهقي والطبراني بإسناد صحيح من حديث أبي ذر رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام «من بنى مسجدًا لله ولو كمفح صقرة بنى الله له بيتًا في الجنة»، قطعة طائر من الطيور، يعني مثل عش، تخيل من يتوقع هذا؟ لكن الجزاء من جنس العمل، ولا يضيع الله جل وعلا أجر المحسنين. أنت أردت أن تبذل في دين الله فلا يرد الله سعيك ولا ما أملت من ربك جل وعلا، ابني يا عبد الله ولو كان مسجدًا صغيرًا، ولو نصف هذا، ولو ربع هذا، بل ثبت عند ابن ماجة بإسناد صحيح من حديث جابر رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام «من بنى مسجدًا لله ولو كمفح صقتات أو أصغر أو أصغر بنى الله له بيتًا في الجنة»، هذا دفع من الشريعة إلى أن الناس يسخرون أموالهم في تشييد وعمارة بيوت الله. كفاك يا عبد الله تشييدًا للمحلات والدكاكين، لا نمنع ذلك، لكن اجعل لمالك حقًا في عمارة بيوت الله جل وعلا، كم من قرى لعل لهذه المدينة وما كان من ضواحيها قد ملئت بالمساجد، لكن لا تنسى يا عبد الله هناك قرى، هناك أرياف، هناك مناطق، هناك عروش، لو ربما ليس فيها مسجد ولا حتى مصلى، لو ربما يكلف بألا شيء يسير، ادفع يا عبد الله تبني مسجدًا لله يبني لك الله بيتًا مقابله في الجنة أوسع من بيتك. ولو كان هذا المسجد على مقدار ضئيل من الحجم، فالتشييد للمساجد يا عبد الله لا يتعلق بحجمها، وإنما كل على قدر مثقاله وعلى قدر قدرته، الأمر الثاني يا عبد الله يا من أردت أن تشيد بيوت الله سبحانه وتعالى، الله الله بشرط الإخلاص، راقب الله جل وعلا في أقوالك وأفعالك، إياك أن تبني هذه البيوت إرادة للمفاخرة أو الشهرة أو أن يسمع الناس بك أو يتحدث الناس عنك. أن من إنجازاتك، وأن من أفعالك أنك فعلت كذا وكذا، وأنت تحدث نفسك بهذه المغاثر والمفاخر، لا يا عبد الله، كن فعلك لله، تريد من بناء تشييد المساجد رضا الله سبحانه وتعالى، وأن ينتفع المسلمون بهذه البيوت، قال عليه الصلاة والسلام كما جاء من حديث عائشة ورد شيخ الألباني رحمه الله تعالى في الصحيحة قال «من بنى مسجدًا لله لا يريد به رياء ولا سمعة إلا بنى الله به بيتًا في الجنة»، هذا شرط مهم. لا تريد يا عبد الله حظًا من حظوظ الدنيا أو ثناء من الناس، وإلا فإن عملك مردود على وجهك، وأيضًا إخواني في الله مما يتعلق بتشييد المساجد أن المساجد ينبغي أن تكون على بساطة، على ما تيسر من غير كلفة فيما لا ينفع، مثل المبالغة في الزخرفة، المبالغة في النقوش، وهذا يوجد حتى أصبحت بعض المساجد إخواني في الله هي للمتاحف أقرب من بيوت الله. تدخل إلى بعض المساجد لا تدري إلى ماذا تنظر؟ إلى الجدران الأمامية أو الجدران الخلفية أو الجانبية أو أنك تنظر إلى السقف نقش، بل ربما حتى السواري ما سلمت من النقوش، آيات لربما على طول المسجد على عرضه آيات تنقش، بل ربما سمعنا في بعض المساجد يؤتى بأيدي عامل من خارج البلاد، ما مهمتها إلا النقش، ويصرف عليها مئات، بل أقول ملايين على هذه النقوش، هذا لا ينفع يا عبد الله. قال عليه الصلاة والسلام «ما ينبغي أن يكون في البيت شيء يشغل المصلي»، رواه أبو داود بإسناد صحيح، ما ينبغي أن تكون هذه البيوت من بيوت الله جل وعلا أو سائر البيوت أن تكون عند المصلي ما يشغله عن الخشوع عن الخضوع عن استحضار مقام الرب جل وعلا، وإنما أن تكون المساجد على بساطة، رضي الله تعالى عن عمر حين قال لعامله الذي أمره أن يعمر المساجد: «أكن الناس من المطر»، أي افعل مساجد فيها حفظ الناس من المطر. «أكن الناس من المطر وإياك أن تحمر أو تصفر»، ما في داعي للنقوشات، انظر مثل هذا المسجد المبارك أبيض بياض على بياض، يفتح النفس، ليس هناك الأحمر الأصفر الزهري فوق تحت، هذا يعوذ بالله، يا عبد الله يشغل الناس، ما هذا يكون في استحضار للنية؟ قال «إياك وإياك أن تحمر أو تصفر»، وقال أنس رضي الله تعالى عنه: «يتباهون بها ثم لا يعمرونها إلا قليلا»، وسبحان الله، وهذا حاصل. من ذهب يمنة ويسرى في هذه البلاد وفي غيرها من بلدان، أن تلك المساجد كثرت فيها وأكثرت فيها من النقوشات والزخارف، تجد أن المصلين يقلون فيها، قال «يتباهون بها ثم لا يعمرونها إلا قليلا»، فينبغي إخواني في الله أن تكون المساجد على بساطة، مسجد همته ومهمته أن يجمع الناس لأداء شعائر الله سبحانه وتعالى. الأمر الرابع كذلك إخواني في الله مما يتعلق بأمر المساجد من حيث التشييد، الحرص على نظافتها، الحرص على نظافتها، تحافظ بهذا المقام، وهذا من أسمى المقامات، أن لا تكون محل الأذية، رمي الأوساخ، ثبت في الصحيح عندما جاء ذاك الرجل من الأعراب وكان يجهل هذه المسألة فبال في ناحية المسجد، فنهاه نبينا عن ذلك. قال «إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر، إنما هي لذكر الله»، ما يجوز إلقاء النفايات في بيوت الله، هذا ما لا ينبغي، ليس نفاية تكون معظمة ولو كان دون ذلك، ولو كانت نخامة، قال عليه الصلاة والسلام «البصاق في المسجد خطيئة وكفارتها دفنها»، البصاق في المسجد خطيئة، ما يجوز هذا، بعض الناس قد لا يتنخم، لكن يدخل في حكم التنخيم لو ربما يتنخم في ورق المنديل ثم يرميه يمنة أو يسرة يتركه. أو تجد أن بعض الناس لا يحل له الجو في تقليم الأظفار إلا إذا جلس عند سارية من سواري المسجد وأخرج وقلم الظفر قلم قلم ثم نفث ثم ذهب، وإن ترمي الأوساخ يا عبد الله هذه خطيئة، هذه خطيئة، ما يجوز أنك تعامل بيوت الله جل وعلا بهذه المعاملة، سواء عباد الله هذه النجاسات أو الأوساخ أو القاذورات كانت في داخل المساجد أو كانت حول المساجد. وهذا تنبيه لجيران المساجد أن يجعل المساجد حقها من التطييب والتنظيف، أنكم أنتم اللي تسعون إلى تطهيرها داخليًا وخارجيًا، بعض المناطق والقرى للأسف تجد أن بعض الناس ربما عنده قمامة، بدل أن يرميها ويستعظم أن يرمي القمامة عند جدار بيته، فلا يرى حرجًا في أن يرميها على جدار المسجد عادي سهل، هذا مسجد للناس وإيش للناس وإيش؟ معنى هذا أصبح قمامة، لا يا عبد الله ما هكذا تعظم بيوت الله سبحانه وتعالى. لا يا عبد الله أنت تسعى بل أنك رأيت القمامة داخل المسجد أو خارج المسجد تسعى إلى إزالتها، وقد كان الصحابة رضي الله تعالى عنهم يعتنون بنظافة المساجد، يزيلون الأوساخ، بل تطيب وتدخن وتطهر وتنظف، فهذا من تشييد بيوت الله جل وعلا الحرص على نظافتها، كذلك يا عبد الله مما يتعلق بهذا الباب من تشييد المساجد، إبقاء العظمة والهيبة لبيوت الله. لا تجعلها مكانًا أو محلًا لغط وصحب وضجيج وتجعلها كما تعامل أي منطقة أو أي محل كالأندية والمقاهي والدكاكين، قال عليه الصلاة والسلام كما جاء في صحيح مسلم «إياكم وهيشات الأسواق»، إياكم وهيشات الأسواق، الأسواق لما تخرج تسمع الضغط واللغط يرفع دينار، خمسين ألف ريال، إيش وإيش؟ يرفع ما تسمع ضجيجًا، فلا يتحول الضجيج في الأسواق إلى في بيوت الله، ما ينفع هذا. هذا يتكلم وذاك يتكلم، ذاك في مباراة الدوري الإنجليزي، وذاك فيما يتعلق بالأوضاع السياسية، وذاك الأمنية، وذاك بالأخبار الاقتصادية، وذاك مجريات الأحداث، هذا يتكلم وذاك يتكلم، وأصبح الذي يصلي ما يحسن أن يصلي لكثرة ما يسمع من الضجيج، «إياكم وهيشات الأسواق»، حذر نبينا عليه الصلاة والسلام أن لا تعطى المساجد حقها من التعظيم، للأسف إخواني في الله وهذا يلاحظ من يتابع بعض الأخبار. كيف أن النصارى وهم نصارى إذا دخلوا إلى كنائسهم كيف هم الرهبة الخوف يطاطئون الرؤوس وكلهم سكينة على هذه البيوت التي يشرك بها بالله سبحانه وتعالى وهم نصارى، لكن الأسف تجد في مساجد المسلمين عكس ذلك، اللغة الزغط الإزعاج الضحك الجري الركض، ما ينبغي هذا، وكذلك كثرة الحديث في أمور الدنيا، ورأى ابن حبان بإسناد صحيح عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام «سيكون في آخر الزمان قوم يجلسون في المسجد حلقًا حلقًا إمامهم الدنيا»، وفي لفظة «أمانيهم الدنيا»، فلا تجالسوهم. فإنه ليس لله فيهم حاجة، لا يجالسون، ابتعد يا عبد الله، جماعة صاحبك تعالى أخي أشي الله برشلونة؟ أقول أعوذ بالله أشي برشلونة يا عبد الله؟ أشي برشلونة؟ مر لا تجالس هؤلاء، وليس لله فيهم حاجة، فاجعل يا عبد الله هذه المساجد يعظم فيها أمر الله سبحانه وتعالى، هذا إخواني في الله ما يتعلق بالعمارة الأولى، العمارة الحسية، العمارة المادية لبيوت الله. ننتقل إلى العمارة الثانية، ويتدخل في قوله تعالى ﴿إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر﴾، وهي العمارة المعنوية، وأعني بالعمارة المعنوية لبيوت الله، وهي أن المساجد تعمر بالعبادة والتعبد والطاعة، فيا عبد الله يا من ما استطعت أنك تبلغ الأمنية في بناء مسجد وتشيد مسجد لقلة ذات اليد، فلا أقل يا عبد الله أنك تساهم في عمارة المسجد العمارة المعنوية. فإن ذلك شهادة على صحة إيمانك، على صحة إيمانك، فإن عمارة المسجد العمارة المعنوية تعتبر من أعظم القربات ومن أفضل الطاعات، مثلها مثل من عمر المسجد شيده بناء، قال عليه الصلاة والسلام «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله»، من هؤلاء الذين حازوا على هذه المكرمة العظيمة «يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله»، قال عليه الصلاة والسلام «ورجل قلبه معلق بالمساجد»، قلب أين معلق؟ ليس في جسده استعارة، بل في مسجده في المسجد. إذا خرج نظر في الساعة متى الأذان متى الصلاة؟ رجع إذا خرج متى الأذان متى الصلاة؟ رجع، قلبه معلق بالمساجد، هذا عمر بيت الله، لم يجعله خاويًا ولا فاضي الوثاق، إنما عمره بحضوره، هؤلاء يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، روى الطبراني من حديث أنس قال: قال عليه الصلاة والسلام «ينادي الرب يوم القيامة أين جيراني؟ أين جيراني؟» فتقول الملائكة: يا ربنا من ذا الذي ينبغي أن يجاورك؟ فيقول الله جل وعلا «أين عمار المساجد؟ أين عمار المساجد؟». عمر بيوت الله يا عبد الله لا تيأس إذا أغلق عليك باب المادة أغلق عليك باب المال حتى تبني وتشيد مسجدًا، فلا أقل يا عبد الله أن تعمر بهذه العمارة بعمارة المساجد العمارة المعنوية، وبل تعتبر إخواني في الله بل العمارة المعنوية تعتبر هي الأصل، لا تظن أن الله عز وجل عندما أمر بعمارة المسجد أو بناء المسجد أراد أن تبنى كجدران فقط، توجد في الأحياء ما هذا القصد؟ إنما بني المسجد لكي يؤدي رسالة ينبغي أن يؤديها، لهذا وجد إخواني في الله أن بيوت الله جل وعلا هذه المعمارة وهذه العمارة أن المساجد إذا لم تؤدي الرسالة والدور الذي أراده الله جل وعلا من هذه المساجد فلا باقي، فلا فائدة منها، تلغى، ولن عبر عباد الله بمسجد ضرار، مسجد ضرار، مسجد بني شيد، عمر، ساس، أركان، سقف، أذان طيب، لكن هل هذا المسجد لما بني؟ هل كان لأداء دور المسجد الذي أراده الله جل وعلا؟ لا. إنما كان هذا المسجد دوره على خلاف ما أراد الله، بني هذا المسجد على خلاف ما أراد الله، كان إرصادًا لمن حارب الله ورسوله، وكان هذا المسجد مسجد شر وفتنة عند أهله، أرادوا التفريق بين المسلمين، إذن ما حكمه؟ يلغى، قال ربنا جل وعلا ﴿لا تقم فيه أبدا﴾، ما يقام فيه أبدًا، لا يصلى فيه أبدًا، يلغى هذا المسجد، العبرة يا عبد الله ليس بالبناء، العبرة بدوره، العبرة بقيام الذي يقوم به هذا المسجد. بل جاء في السيرة أن نبينا أمر بنسفه وبدكه وبيهده وأمر بإحراقه فأحرق، فأحرق، فلا بد عباد الله أن نعتني بعد تشييد المساجد، لا نفرح بالتشييد هذا جزء من الفرحة، إنما يأتي ما هو أهم من ذلك، ما هو دور المسجد؟ ما هي رسالة المسجد؟ إخواني في الله المسجد في كلمة واحدة يعتبر معلمًا من معالم انطلاقة الدين، منطلق الدين في شرق الدنيا ولا غرب، ولن ينطلق إلى من بيوت الله سبحانه وتعالى. هذه رسالة المسجد، المساجد عباد الله معلم من معالم التوحيد، معلم من معالم انطلاق دعوة التوحيد، المسجد يعتبر رمزًا لتوحيد الله جل وعلا، يأتي من يأتي من أهل الإسلام فيبهر وحدانية لربه سبحانه وتعالى، دعاؤه، تعبده، صلاته، التجاؤه لله سبحانه وتعالى، قال ربنا جل في علاه ﴿وأن المساجد لله فلا تدعو مع الله أحدا﴾، توحيد، فلا تدعو مع الله أحدًا، المسجد يعلي التوحيد، علاقة العبد مع ربه فقط لا مع غيره. ومن هنا كان عليه الصلاة والسلام يمنع من أي مظهر من مظاهر الشرك، من مظاهر الوثنية، ما يجتمع مسجد مع الشرك، قال عليه الصلاة والسلام في آخر سكرات موته في آخر حياته «لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»، ما يجوز هذا، المساجد هي للتوحيد لوحدانية الله جل وعلا، فلا تقع فيها مظاهر من مظاهر الشرك أو الوثنية كما يفعل في بعض الفرق الضالة. أن تجعل القبور تجعل فيها الأضرحة ما يسمى بأضرحة الأولياء، ثم يترك الرب يترك الرب عيانًا جهارًا، يأتي من يأتي إلى مسجد ثم لا يصل إلى القبلة يصل إلى القبر، وذاك آخر بدأ أن يكف يرفع كف الضراع إلى الله إلى الولي، ما هكذا يا عبد الله، مساجد تعتبر معلمًا من معالم التوحيد، ليس للشرك فيه نصيب، كذلك يا عبد الله المساجد معلم من معالم التعبد لله جل وعلا. في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه، يسبح له فيها بالغدو والآصال، التسبيح والاستغفار والعبادات والطاعات أصلها ومركزها في بيوت الله جل وعلا، ليس هذا من باب الحصر، العبادة عامة، لكن هذا من شأنها هنا، يتربى الرجال، قال عليه الصلاة والسلام «المسجد بيت كل تقي»، المسجد بيت كل تقي، من كان تقيًا، من كان عابدًا، من كان ورعًا، من كان تاليًا، من كان مستغفرًا، فهذا بيته، هذه منزلته. العبادة والتعبد تكون في مثل هذه البيوت، عباد الله يتعلم المؤمن العبادة، وأعظم العبادات التي ينبغي يتعلمها المسلمون في مثل هذه المساجد، الخرص على الصلوات الخمس، لا على بعضها، على جميعها، بدأ من الفجر والظهر والعصر والمغرب والعشاء، بل المساجد ما بنيت إلا لهذه العبادة على إقام الصلاة، احرص يا عبد الله على إقامة الصلاة في بيوت الله جل وعلا. ولهذا القول الصحيح في مسألة حكم صلاة الجماعة أنها واجبة، نبينا عليه الصلاة والسلام هم على إحراق بيوت على أهلها، ما كان عذره عليه الصلاة والسلام أنهم كانوا يتخلفون عن الصلاة في بيوت الله، هذه تهمتهم التخلف عن صلاة الجماعة، هم نبينا على إحراق بيوتهم، وذاك الأعمى الذي جاء يترخص من نبينا عليه الصلاة والسلام في ترك الجماعة، أعمى ليس له قائد يقوده إلى بيوت الله جل وعلا. قال له نبينا «أتسمع النداء؟» قال: نعم، قال «فأجب»، أمره نبينا ولم يرخصه، أعمى، تخيل يا عبد الله لو شاء الله لو قدر الله أن أزاح ربنا عنك البصر كيف أنت؟ فأصبحت ضريرًا أصبحت أعمى فكيف حالك؟ وهذا الأعمى الذي يترخص أراد يترخص لم يرخص له نبينا، أمره بصلاة الجماعة وأن يحضرها مع المسلمين، فأين الذي أعطاهم الله السمع والقوة والشدة والفتوة؟ أين هي؟ في الملاعب؟ في الأندية؟ في القيل والقال؟ في الصخب؟ في اللغط؟ في الأسواق؟ لا يا عبد الله اجعلها في بيوت الله جل وعلا. نتعلم إخواني في الله المساجد مصنع لصناعة الرجال في تعبدهم لله سبحانه وتعالى، كذلك يا عبد الله المسجد معلم من معالم تعليم السنة، من نشر السنة، كان من هدي عليه الصلاة والسلام في كل خطبة في كل خطبة إذا على منبره عليه الصلاة والسلام إذا على منبره عليه الصلاة والسلام قال «وإن خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم»، خير الهدي هدي المصطفى، يعلم الناس في كل خطبة في كل محاضرة أو في كل جمع من مجمع الرجال ترسيخ وتأصيل على أن تكون الهدي هو الهدي الكامل. وخاصة في بيوت الله، ومن هنا ما كان ينبغي أن تظهر مظاهر الإحداث، مظاهر المخالفات، مظاهر البدع والإحداث في دين الله أن توجد في بيوت الله، ما تجتمع المساجد هي مركز السنة فكرًا وعملًا وخلقًا والتزامًا، دخل عليه الصلاة والسلام المسجد ذات يوم فإذا هو بحبل ممدود بحبل ممدود بين ساريتين، فأسأل عن هذا الحبل فقالوا: يا رسول الله إنه حبل زينب تصلي الليل فإذا فترت تعلقت به. همه عالية تصلي الليل تعبت من القيام ما أرادت أن تجلس وإنما تعلقت بالحبل، فلما رأى ذلك نبينا وهذا ليس من سنته وهذه المساجد تقوم على الأصل السنة، فقال عليه الصلاة والسلام «حلوه حلوه فكوه»، أزير الحبال ما في مساجد حبال، «حلوه وليصلي أحدكم نشاطه فإذا فتر فليرقد وليصلي أحدكم نشاطه»، تربية للناس على أن هذه المساجد تبقى كما كان عليه نبينا عليه الصلاة والسلام. مع أن هذه المرأة ما رضي للخير تستعين بهذا الحبل على صلاة الليل، فما ظنك يا عبد الله بما هو أعظم من هذه المحدثات؟ كمن يدخل الطبول يدخل الدفوف؟ من يتغنى في بيوت الله؟ من يحرك الرؤوس؟ من لربما يأتي بالبدع والمحدثات؟ ما يكون أمره ما ينبغي يا عبد الله، إنما المساجد يا عبد الله جعلت لإقامة السنة، المساجد يا عبد الله معلم من معالم الدعوة، تنطلق الدعوة من طلقت الدعوة في زمانه عليه الصلاة والسلام إلا من المساجد. ما من ميدان من ميادين الدعوة إلا وللمساجد حظ عظيم، الوعظ، الإرشاد، النصيحة، الترهيب، الترغيب، الأمر بالمعروف، النهي عن المنكر، كل ذلك كان في المساجد، ليس المسجد يا عبد الله عبادة فقط فحسب، لا إرشاد وتوجيه ونصيحة وبذل، هذا الذي ينبغي، نبينا صلوات ربي وسلامه عليه في القصة ذاك الذي بال في المسجد فقام الصحابة وأرادوا أن يمنعوه ويقعوا عليه، نهاهم نبينا عن ذلك. نهاهم عن ذلك ثم قال عليه الصلاة والسلام «إنما بعثتم ميسرين»، اليسر دعوا إلى الله، هذا رجل جاهل يعلم باليسر ليس بالشدة ليس بالعنف ليس بالتهديد ليس بالتنفير عن بيوت الله جل وعلا، الصبر على الجاهل يعلم بالترهيب بالترغيب، فالمساجد لهذا كان عليه الصلاة والسلام يستخدم المساجد في استقبال الوفود، تأتي الوفود من جهات العرب من شرقًا وغربًا، شمالًا وجنوبًا. يأتون لكي يتعرفوا على الإسلام وعلى سماحة الدين، فما كان يدعوهم عليه الصلاة والسلام إلا في بيت من بيوت الله، تبيان للناس أن هنا منطلق منطلق الدعوة، كذلك يا عبد الله المساجد معلم من معالم الفقه والعلم الشرعي، ما كان في تلكم الأزمان كليات ولا معاهد ولا روضة ولا مدارس، إذا كيف تخرج العلماء؟ تخرج القراء؟ تخرج الحفاظ؟ من أين تخرجوا؟ في تلك الأزمان منذ الصدر الأول إلى أزمان سبقت. كأنما كان ذلك من هذه البقاع من بيوت الله جل وعلا من المساجد، كان الصحابة يتربون فيها يعلمهم نبينا الأحكام الشرعية، ولهذا تجد الأحاديث الكثيرة الذي فيها الربط بين المساجد وبين العلم، قال عليه الصلاة والسلام «ما جلس قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه فيما بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله في من عنده». قال عليه الصلاة والسلام «أفلا يغدو أحدكم إلى المسجد فيتعلم آيتين أو يقرأ آيتين خير لهم من ناقتين وثلاث آيات خير لهم من ثلاث من النوق وأربع خير لهم من أربع»، لن يغدو أحدكم إلى المسجد لتلقي العلم الشرعي، قال عليه الصلاة والسلام كما جاء عند الطبراني من حديث أبي أمامة قال عليه الصلاة والسلام «من غدا إلى المسجد لا يريد بذلك إلا خيرًا يتعلمه أو يعلمه إلا كان له كأجر حاج تاما حجته». يأتي المسجد ما يريد بذلك إلا العلم إما أن يعلم أو أن يتعلم كان بمنزلة أو كانوا أجر الحاج، وهكذا أيضًا ما جاء عند ابن ماجة قال عليه الصلاة والسلام «من جاء إلى مسجدي هذا ما أراد إلا خيرًا ما أراد إلا خيرًا كان بمنزلة المجاهد في سبيل الله»، وبهذا إخواني في الله نعلم أن المساجد لم تبنى إلا لأداء الرسالة، فيا عبد الله فاحمد الله يا عباد الله وخاصة مثل هذه المنطقة التي حباها الله جل وعلا بمثل هذا المسجد المبارك. فما علينا إلا أن نساهم جميعًا في إحياءه بعدما عمر بعمارة أهل الخير، فلا نقصر نحن جميعًا في عمارة العمارة المعنوية بالتعليم، نقبل بأبنائنا بأنفسنا بالتعليم، وكما تعلمون أن هذا المسجد ولله الحمد من مساجد السنة مما ينشر الله جل وعلا به العلم به الخير به السنة، فالتكاتف أن نتعاض جميعًا عباد الله على إحياء مثل هذه البيوت لأن هذه البيوت متى ما ظهرت فإن الله جل وعلا يزيح الهموم والغموم والكروبات والفرود. وكذلك والمعضلات عن الأفراد والمجتمعات، فأسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا وأسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إن ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم، السلام عليكم ورحمة الله وبر