العناية بالشباب

المحاضرة بعنوان العناية بالشباب، وكانت بسجد التوحيد بعتق ١٥ ربيع أول ١٤٣٨هـ ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

التغيرات والفتن في عصرنا الحاضر

يتحدث الخطيب عن التغيرات الكبيرة التي تحدث في عصرنا الحالي، مثل انتشار الفتن والمعاصي وظهور الفرق الباطلة. يشدد على ضرورة أن يكون المسلم حكيمًا في التعامل مع هذه التغيرات.

ضرورة إصلاح النفس والاشتغال بالعبادة

ينبغي للمسلم في زمن الفتن أن يستغل هذه الأحداث بما يعود عليه بالنفع، وذلك بإصلاح نفسه والاشتغال بالعبادة والطاعات. يجب عليه إصلاح الآخرين حوله ليكون على بصيرة وتمييز بين الحق والباطل.

أهمية الدعوة إلى الله وإصلاح المجتمع

الدعوة إلى الله وإصلاح المجتمع من أعظم ما يستدفع به البلاء، وأهل الإصلاح لن ينزل عليهم بلاء أو عذاب من الله. يجب على كل مسلم أن يشتغل بإصلاح نفسه وغيره.

الدعاء والختام

المقطع يتضمن دعاءً بأن ينفع الله المستمعين بما قيل، ويجعلهم من أهل الهداية والاستقامة. يختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

﴿إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ تَعَالَى وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَسَيِئَاتِ أَعْمَالِنَا مِنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنْ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ﴾. «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا». أما بعد، إخواني في الله، فإننا نحمد الله جل في علاه حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، نحمده سبحانه وتعالى حمدًا من بعد حمد، على ما أعطى وأزدى، وعلى نعمه التي علينا تترى، نحمده سبحانه على ما أولى به علينا من النعم الكثيرة وآلائه العظيمة، ومن أعظمها، إخواني في الله، ما وفق نبيه، المولى جل وعلا، بأنحبانا واصطفانا على هذا الصراط المستقيم، وعلى هذا المنهج القويم، من بين الخلائق أجمعين، فلك الحمد ربي حتى ترضى، ولك الحمد حين الرضى، ولك الحمد بعد الرضى. ونحمده سبحانه وتعالى على ما يسر به وأعان من الوصول إلى هذه الدار، والتي تعتبر من دور الحديث التي تميزت بمنارة العلم والسنة، نحسبها كذلك، والله حسيبها، هذه الدار، إخواني في الله، التي سمع بها القاصي والداني، بما ينشر فيها من العلم، وبما ينشر فيها من الخير، والذي يقوم عليه وعلى شؤونه شيخنا المفضال، الشيخ أبو الحسين، حفظه الله تعالى ورعاه، وسدد ربي على الخير خطاه، فجزاه الله خيرًا على بذله وعطائه وتعليمه وإرشاده، مع إخوانه الذين يعاونونه في هذا المركز. وإن كنا، والله، نحب أن نسمع منه، وأن نسمع من تدريسه وتعليمه حتى نستفيد، فإن كان ولابد، إخواني في الله، من حديث في هذا المقام، فيكون حديثنا، إخواني في الله، عن هذه الأزمان التي نعيشها جميعًا وسويًا، هذه الأزمان التي من تأمل فيها وتمعن لما فيها، علم علم اليقين أنها هي بحق زمن التغيرات، تغيرت الأحوال جدًا على العباد، وأعني بالأحوال على أي نمط من أنماط الحياة، تغيرات حصلت في واقع الناس، سواء كان على مستوى الأفراد أو المجتمعات، تغيرات حصلت على أمر الدين وأمر الدنيا، تغيرات حصلت في العلم والفكر، وأيضًا تحصلت في العلم والسلوك. هذه التغيرات، إخواني في الله، التي جاءت الأدلة الكثيرة، وخاصة في السنة المطهرة، تدل على الذي حصل في حال الناس وفي أحوال الخلق، من هذه التغيرات، إخواني في الله، ما نرى من انتشار الفتن ومن ظهورها يمنة ويسرة، ما يأتي زمان إلا والذي بعده شر منه، تأتي الفتن تتكالب على العبد المسلم حتى يرى المسلم أنه هالك لا محالة، يقول: هذه مهلكتي، هذه مهلكتي، ثم تنفرج، يفرجها ربنا عز وجل من عنده، ثم ما إن يلبث حتى تأتي فتنة أخرى أشد من الأولى، حتى يقول المسلم: هذه، هذه، أي هذه، فيه هلاك لا محالة، وهكذا، إخواني في الله. من التغيرات ما كان ولا يزال من انتشار المعاصي والفواحش والمنكرات والمحرمات، حتى أصبح لأرباب الباطل متنفسًا يتنفسون فيه في إظهار باطلهم وجرائمهم، انتشر الزنا والربا والخنا والغنى، حتى أصبحت كالماء الزلال، يقترف المسلم هذه المعاصي ولا يبالي، وما كأنه أتى شيئًا مما يغضب الرب سبحانه وتعالى، بل أصبح كذلك القوانين تقنن، وهكذا تقنن فيها مشروعية فعل المعاصي والذنوب، على أي مستوى كان. من التغيرات، إخواني في الله، ظهور الفرق الباطلة الفاسدة، ملل وأحزاب ونحل هنا وهنالك، حتى أصبح لها رؤوس، بل أصبح لبعضها دول، دول تتبنى آراء المبتدعة، فتحميهم وتأويهم وتنشر لباطلهم، وهكذا، إخواني في الله، من التغيرات ما كان من غربة الإسلام ومن غربة أهله، ومن غربة أهل الحق، حتى أصبح الذي يعتصم بحبل الله جل وعلا وحيدًا فريدًا طريدًا شريدًا بين أهله وبين قريته وبين بلدته. وهكذا من التغيرات، إخواني في الله، ما كان من انتكاسة أفهام الناس، أصبحت الأفهام منكوسة والموازين معكوسة، أصبح الباطل حقًا والحق باطلًا، والسنة بدعة والبدعة سنة، وما كان مذمومًا مدوحًا عند الخلق، فقد أخبر نبينا في أحاديث كثيرة عن هذه الظاهرة، ظاهرة الانتكاسة في الأفهام. قال عليه الصلاة والسلام: «يأتي على الناس سنوات خدّاعات، يصدق فيها الكاذب، ويكذب فيها الصادق، ويؤتمن فيها الخائن، ويخوّن فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة»، فسئل عليه الصلاة والسلام عن هؤلاء، ومن الرويبضة يا رسول الله؟ قال: «رجل التأفه يتكلم بأمر العامة». وجاء في الصحيح، قال عليه الصلاة والسلام: «إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة». وجاء في الصحيح، من حديث حذيفة، قال عليه الصلاة والسلام: «يقال للرجل: ما أجلده، ما أضرفه، ما أعقله، وما في قلبي حبة خردل من إيمان»، هذه الانتكاسة، انتكاسة أن يرفع بحق أقوام، وحقهم السفول وحقهم الدنو، لبغضهم ولبعدهم عن دين الله جل وعلا. لكن انتكاسة، ونحن نرى، إخواني في الله، الانتكاسة في أفهام الناس، تجد أن الناس لربما أشاروا بالبنان إلى الجهلة من عباد الله، وأما العلماء فما لهم إلا الطعن في أعراضهم والغمز في عقولهم وأفهامهم، ولا حول ولا قوة إلا بالله. إخواني في الله، هذه التغيرات، وغيرها كثير، ما الذي ينبغي للمسلم إزاء ما يجري من هذه التقلبات التي طرأت في الأفراد والمجتمعين والمجتمعات، طرأت في دينهم وفي دنياهم؟ ليس من العقل، وليس من الدين، حتى أن تترك لنفسك، يا عبدالله، هذه الحالة، وأنت لا تغير شيئًا من نفسك، هذا لا يكون، بل هذا هو الضياع بحد ذاته. وإن المسلم الحصيف، إخواني في الله، مهما تكالبت عليه الفتن وتكالبت عليه المحن وتكالبت عليه مثل هذه التغيرات، ينبغي أن يجعلها مما تعود عليه بالنفع، لأنه ينتكس، لأنه يتقهقر، لأنه يرجع إلى الوراء. فبعض الناس، إخواني في الله، إذا وجد شيئًا من هذه التغيرات، لربما طأطأ برأسه، وانشغل بخاصة نفسه، ولربما مسك زاوية من زوايا بيته، ويقول: حسبي نفسي، هذا إذا سلم له دينه، وإلا بعضهم ينحرف. لا، يا عبدالله، المسلم إذا جاءته هذه التغيرات والتطورات وه, هذه الفتن والمحن، ينبغي أن يستغل هذه بما يعود عليه بالنفع. قال ربنا جل في علاه: «الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانًا»، انظر، يا عبدالله، لهذه المعادلة، هذا ما الذي يفعله هذا المسلم النجيب الفقيه، الذي متى ما توالت عليه الفتن، لا أن ينتكس، بل يعتز، «الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانًا»، يزداد المؤمن، إخواني في الله، يجعل هذه الحوادث تعود عليه بالنفع، فيما يقربه إلى ربه ومولاه جل في علاه. وإن المسلم، إخواني في الله، إذا جاءته هذه التغيرات التي سمعتموها، أول ما يشتغل به أن يشتغل بإصلاح نفسه، إصلاح نفسه التي بين جنبيه، اتفق السالكون وأرباب التربية وأهل التربية والسلوك على أن النفس قاطعة بين القلب وبين الوصول إلى الرب، وأنه لا يمكن لأحد من عباد الله أن يدخل على الله جل في علاه إلا إذا ضغط على نفسه، ضغط على نفسه. وإن الله عز وجل، كما ذكر في كتابه وبيّن، أن سعادة العبد في الدارين إنما تكمل في إصلاح نفسه، سعادته بإصلاح نفسه، وفساده وهلاكه إنما يكمل في ترك نفسه على هواها، بل ربنا أقسم على ذلك، فقال جل في علاه: «والشمس وضحاها والقمر إذا تلاها والنهار إذا جلاها والليل إذا يغشاها والسماء وما بناها والأرض وما طحاها ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها»، هذا القسم الذي أدل به ربنا عز وجل، قسم بعد قسم، قسم بعد قسم، لهذه الحقيقة، وهو أن سعادة العبد، إخواني في الله، تكمل في إصلاح نفسه. «قد أفلح من زكاها»، من زكا نفسه، من هذبها، من رباها، من روضها على طاعة الله جل وعلا، «قد أفلح من زكاها»، «وقد خاب من دساها»، تركها، أهملها، بلا تربية، بلا شيء. وهذا نبينا عليه الصلاة والسلام، كذلك، كم كان يحدثنا عن خطر النفس التي بين جنبينا، حتى كان من قوله، صلوات ربي وسلامه عليه: «ونعوذ بالله من شرور أنفسنا»، النفس، إخواني في الله، شريرة، تكمل فيها الشرور، تكمل فيها الشر، فكان بها يستعاذ بالله من شر النفس التي بين جنوبنا. ومن هنا كان من أمره عليه الصلاة والسلام أنه دعا ربه، ويتضرع إلى ربه سبحانه وتعالى، في أن يعينه على إصلاح نفسه، فكان من دعائه، صلوات ربه وسلامه عليه: «اللهم آتي نفسي تقواها، وزكها، أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها»، دعاء وتضرع من نبينا عليه الصلاة والسلام، أن يعينه على إصلاح نفسه، «اللهم آتي نفسي تقواها، وزكها، أنت خير من زكاها». فإخواني في الله، فينبغي إذا جاءت هذه التغيرات التي يجدها المسلم في مجتمعاته، وفي أوقاته، وزمانه، ومكانه، علينا أن نشتغل جميعًا، إخواني في الله، في إصلاح أنفسنا، ومن أعظم ما تصلح به النفس أن تأخذ بها إلى باب الطاعة، خذها، يا عبدالله، إلى باب العبادة والتعبد، اشتغل بهذا الباب، فإن العبادة والتعبد في زمن المتغيرات تعتبر حصنًا حصينًا، تدفع عنك البلاء، تدفع عنك الفتن. قال عليه الصلاة والسلام: «العبادة في الهرج كهجرة إلي»، رواه مسلم في صحيحه، من حديث معقل بن يسار، «العبادة في الهرج»، أيام الفتن، في أيام التغيرات، أشار نبينا إلى أن العبد يشتغل بالعبادة، اشتغل، يا عبدالله، بالتعبد لله سبحانه وتعالى. وهكذا ينبغي أن ندفع هذه المجتمعات في إزاء هذه التغيرات أن تنشغل بعبادة الله سبحانه وتعالى، من الحرص على الطاعات، من الواجبات والنوافل والسنن والقربات، وإلى كل ما يُقرّب إلى الله سبحانه وتعالى. ثبت في البخاري أيضًا، من حديث أم سلمة، أنه صلوات ربي وسلامه عليه استيقظ ذات ليلة فزعًا من منامه، وهو يقول: «سبحان الله، سبحان الله، ماذا أنزل الله من الخزائن؟ وماذا أنزل من الفتن؟ أيقظوا صواحب الحجرات لكي يصلين»، انظر، يا عبدالله، إلى هذا الرابط، ألحى ربنا إلى نبيه، صلوات ربي وسلامه عليه، بأن الله أنزل، وكتب على الأمة فتنًا ستنزل عليها، حينها أمر رب نبينا، عندما قام فزعًا من هذه الرؤية، ومن هذا الوحي، قائلًا: «أيقظوا صواحب الحجرات، لما؟ لكي يصلين»، ما العلاقة؟ ما العلاقة بإلحاح الله على نبيه بإنزال الفتن، وبين إقامة الصلاة؟ الإشارة واضحة، وهو أنك، يا عبدالله، إذا ابتليت بفتن من الفتن، عليك أن تنشغل بالصلاة، أو قل بالعبادة، انشغل بالعبادة، اشتغل بها، يا عبدالله، قم، اهتم بالصلاة، بالفريضة، بالواجبات، اشتغل بكل ما يُقربك إلى الله. ومن هذه العبادات العلم الشرعي، اشتغل، يا عبدالله، بالعلم الشرعي، فإنه من أعظم الطاعات، ومن أعظم القربات، والذي يجعلك، يا عبدالله، في حصن حصين من الفتن، ومن هذه التغيرات، بل يجعلك على بصيرة، والله، يجعلك على بصيرة، بالعلم، يا عبدالله، تميز بين الحق وبين الباطل، بين الهدى وبين الرشاد والفساد. «أبا بكر، دعوتك، لو أجبت إلى ما فيه حظك، لو عقلت إلى علم تكون به إمامًا مطاعًا، إن نهيت وإن أمرت، ويجلو ما بعينك من غشاها، ويهديك الطريقة إذا ضللت»، العلم، إخواني في الله، هداية، يهديك الله به إلى سبل النجاة، لا تتخبط إزاء هذه التغيرات، وإزاء هذه الفتن والمحن والتقلبات. فيا عباد الله، ننشغل في مثل هذه الأزمان بالعبادة والتعبد، من إقامة الصلاة، ومن فعل الطاعات، وصلة الأرحام، من الإقبال على قراءة القرآن، ومن ذكر الله عز وجل، ومن الحرص على طلب العلم، الذي قال فيه نبينا عليه الصلاة والسلام: «طلب العلم فريضة على كل مسلم». وبعد هذا، إخواني في الله، كذلك، بعد أن نشتغل بإصلاح أنفسنا، نشتغل كذلك بإصلاح الآخرين، نشتغل بإصلاح الناس، فإن هذا مما ينبغي كذلك علينا في زمن التغيرات. ثبت في صحيح مسلم، قال عليه الصلاة والسلام: «بدأ الإسلام غريبًا، وسيعود غريبًا كما بدأ، فطوبى للغرباء»، وفي رواية خارج الصحيح، وإن كان في بعضها مقال، قال عليه الصلاة والسلام، عندما سئل عن الغرباء، قال: «الذين يصلحون ما أفسد الناس»، يصلحون ما أفسد الناس. فمن كان، إخواني في الله، من أهل الصلاح، ما يكتفي بإصلاح نفسه فحسب، وإنما يشتغل أيضًا بإصلاح غيره، بإصلاح مجتمعه، بإصلاح من حوله، بل إن، إخواني في الله، وإن عملية الإصلاح للمجتمعات من أعظم ما يستدفع به البلاء النازل من السماء. قال ربنا جل في علاه: «وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون»، وأهلها مصلحون، ما دام الإصلاح موجود، لن ينزل بلاء، ولا عذاب من الله عز وجل، الإصلاح علامة على خيرية الأمة، الإصلاح دلالة على أن الأمة حية، تنبض بالخير، تصلح، هذا، اشتغل، يا عبدالله، بإصلاح الآخرين، اشتغل، يا عبدالله، ببث العلم، بالتعليم، بالإرشاد، بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بالنصيحة، اشتغل، يا عبدالله، بالدعوة إلى الله. وهذه نصيحة أوصي بها نفسي أولًا، وإخواني من طلاب العلم، الاشتغال بالدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، ليس العبرة، يا عبدالله، في طلب العلم أنك تشتغل فقط بإصلاح نفسك، وإن كان هو الجوهر، لكن كذلك يتبع ذلك أنك تشتغل بإصلاح غيرك، بإصلاح الناس، الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، تعتبر وسام شرف للأمة المحمدية. قال نبيه، قال ربنا عز وجل: «ومن أحسن قولًا ممن دعا إلى الله وعمل صالحًا وقال إنني من المسلمين»، ما هناك أحد أبدًا، ما هناك عبادة توازي، ولا تساوي، من كان هذا حاله، من كان هذا أمره، ومن والاه، «ومن أحسن قولًا ممن دعا إلى الله»، لا أحد يوازيه، ولا أحد يساويه، ولا أحد يدانيه، الداعي لله عز وجل، أخذ وقته وعمره، وتفرغ للدعوة إلى الله سبحانه وتعالى. إخواني في الله، لنا عبرة، عبرة بغيرنا من العوالم، ممن اهتمت بإصلاح قومها، وذلك، يا عبدالله، بعالم الجن، قال ربنا سبحانه وتعالى: «وأصرفنا إليك نفرًا من الجن يستمعون القرآن، فلما حضروه قالوا: أنصتوا، فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين»، قال: «يا قومنا إلى آخر الآيات»، ذكروا آيات تدل على أنهم حرصوا على دعوة أقوامهم، خرجوا منذرين، بماذا؟ بجلسة، بحضور لقرآن قرأه نبيه في صلاة الفجر، فاستمعوا لهذا القرآن، ثم خرجوا منذرين إلى أقوامهم. وهكذا ما حكاه ربنا عز وجل عن تلكم النملة، عندما رأت ذلكم الجيش الجرار، جيش سليمان عليه السلام، قادم عليها، قالت نملة: «يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون»، نملة، إخواني في الله، كان من الممكن أن تهرب وتفر بجلدها، من صح التعبير، لكنها آثرت أن تنذر بني جنسها: «يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم». كم من، إخواني في الله، يجب أن يكون حالك حال النملة، الكثير من، إخواني في الله، ربما يرى هذا الخطر المحدق، وهذه التغيرات من الفتن والبدع والشهوات والشبهات والملذات تتوالى على أمته من كل حدب وصف، وواحد منهم حاله حال النعامة، يدس رأسه في التراب، كأنه ما رأى شيئًا، ما رأى شيئًا، وهو يتفرج، ذاك في بحر من الشبهات، وآخر في بحر من ملذات وشهوات، وواحد منهم يضع رأسه على التراب، كأنه ما رأى شيئًا. لا، يا عبدالله، هذه نملة أفضل منك، قامت وانبرت تدعو بني جنسها للنجاة: «يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون»، هذا ذئب، ذكره شيخنا مقبل رحمه الله تعالى في «الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين»، من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه، في قصة ذاك الذئب الذي فر بشاة، أخذ شاة وفر بها، فإذا بالراعي يجري خلفه، فلما علم الذئب أن الراعي مدركه لا محالة، إذ بالذئب التفت وجلس على ذنبه وتكلم بفمه، وقال: «يا أيها الراعي، اتق الله، أتنزع مني رزقًا ساقه الله إلي؟»، فقال الراعي: «منظر مدهش»، قال: «وإعجبي، ذئب مقع على ذنبه يكلم كلام الإنس، أنا في خيال، ولا في عالم الجنون، وإعجبي، ذئب مقع على ذنبه يكلم كلام الإنس»، فما ترى فعل هذا الذئب، إخواني في الله، الذي أحب أن يجعل هذا الراعي على خير؟ قال: «يا أيها الراعي، ألا أخبرك بما أعجب؟ بما أعجب من ذلك؟ محمد صلى الله عليه وسلم، يثرب، يخبر الناس بأخبار ما قد سبق»، فذهب الراعي بغنمه إلى رسول الله، قال: «الشراع»، وكان فيه إسلامه، كان فيه إسلامه، أسلم الراعي، بماذا؟ بدلالة الذئب. وأنت، يا عبدالله، ما الذي عندك من الدلالات؟ عندك التوحيد، عندك العقيدة، عندك المنهاج، عندك، يا عبدالله، الفقه، وعندك الكثير من الخير، ما الذي فعلت به؟ أدعوت الناس إلى هذا الخير؟ إخواني في الله، إخواني في الله، رعاكم الله، ينبغي أن نعلم أن مناط الدعوة، يا الله، عز وجل، ليس فقط منصب أمام الميكروفون، حتى نكون واقعيين، ليس فقط منحصر الدعوة، يا الله، بالدروس العامة والدروس الخاصة، الدعوة، يا الله، تشمل كل شيء، كل ما كان فيه منفعة للآخر، هي دعوة، ولو حتى في الدروس الخاصة، ولو حتى في دروس الأطفال، حتى في حلقات الأطفال، دعوة، يا عبدالله، شارك الناس بالخير. «الأعمش»، رحمه الله تعالى، على حفظه وعلى إمامته، كان يعلم الصبيان، حتى جعل من بعض الناس من يستغرب من هذا الجلوس منه، حتى قيل: إنه مر عليه رجل وهو يدرس الأطفال، قال: «يا أبا محمد، إيش بجلالتك مع الأطفال؟»، قال: «أسكت، هؤلاء يحفظون عليك دينك»، هذه دعوة، تربي، يا عبدالله، أطفال المسلمين. لا تستنكف، يا عبدالله، ولا تتخاذل، في كل مرة دعيت إلى تعليم الناس، إلى تعليم الصغار، تعليم الكبار، دعوة، يا عبدالله، شارك بها، بل انظر، يا إخواني في الله، إلى حال أم سليم رضي الله تعالى عنها، حتى تعلم ما ذاك الدعوة، كيف تكون؟ جاءها أبو طلحة، وكان على شركه، فأرادت أن تقدم إليه خطبتها، فماذا قالت؟ قالت: «يا أبا طلحة، إن مثلك لا يرد، لكنك مشرك، وإني مسلمة، إن تسلم يكن هذا مهر منك»، فأسلم، وحسن إسلامه، انظر الدعوة، إخواني في الله، في مسألة هي اجتماعية بحتة، اجتماعية بحتة، لكن جعلت هذه المسألة الاجتماعية دعوة إلى الله عز وجل: «إن تسلم يكن هذا مهر منك»، فأسلم، وكان من خيار الصحابة رضي الله تعالى عنه. وهكذا، إخواني في الله، ننشغل جميعًا بالدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، فنبث هذا الخير، والنبي صلوات ربي وسلامه عليه قال: «بلغوا عني ولو آية». فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم، وإلى الله تُرجع الأمور.