السعداء بشفاعة المصطفى

المحاضرة بعنوان السعداء بشفاعة المصطفى، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر ٢٥ ربيع أول ١٤٣٦هـ ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم

أهمية الشفاعة في العقيدة وضوابطها

تبرز مكانة الشفاعة في كتب الاعتقاد وكثرة نصوصها في القرآن والسنة، مع التحذير من استغلال أهل البدع لجهل الناس بها لإدخال الشركيات. ويؤكد أن الشفاعة تُنال بأعمال وأقوال مشروعة وتُحرم بغيرها، ممهدة لمحاضرة «السُعداء بشفاعة المصطفى صلى الله عليه وسلم».

تعريف الشفاعة وأنواعها والشفاعة العظمى

يعرض المقطع تعريف الشفاعة لغةً واصطلاحاً، ويقسمها إلى دنيوية وأخروية، مفصلاً الشفاعة العظمى يوم القيامة (المقام المحمود) التي اختص الله بها نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم. كما يذكر نماذج من الشفعاء كالأفراط والشهداء، ويضرب مثالاً للشفاعة الدنيوية بدعاء النبي للاستسقاء.

الشفاعة الدنيوية: الحسنة والسيئة وأحكامها

يميز المقطع بين الشفاعة الحسنة التي تحقق مصالح مشروعة كالتوسط في علاج أو وظيفة مباحة، والشفاعة السيئة التي تعين على معصية كالتوسط في عمل ربوي أو إنشاء ملاهٍ. ويستدل بفعل النبي صلى الله عليه وسلم في الشفاعة لأصحابه حيّاً، وبآية ﴿مَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُن لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا﴾، مؤكداً أن الشفاعة بعد وفاته تكون بالأحياء الصالحين لا بالأموات.

الشرك في الشفاعة ودعاء الأولياء

يبيّن أن عبادة الأصنام في الجاهلية كانت لكونها تماثيل لصالحين يُرجى شفاعتهم، وأن هذا الاعتقاد لا يزال موجوداً لدى من ينسبون نزول المطر أو دفع البلاء إلى شفاعة الأولياء المسمين بالأقطاب. ويؤكد أن اعتقاد شفاعة غير الله بغير إذنه، أو دعاء الأموات وطلب الشفاعة منهم، هو شرك أكبر مخرج من الملة، لأن الشفاعة ملك لله وحده لقوله تعالى: ﴿قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، عباد الله، إن موضوع الشفاعة من المواضيع الملحة، ومن المسائل المهمة التي ينبغي على كل مسلمٍ ومسلمة أن يتعرَّفوا إلى أحكامها، وأن يتأملوا في مسائلها، إذ أنها من صميم الدين. وللأسف، من تمعنا في أحوال الناس، وخاصة في هذه الأزمان، لا يرى الجهل العميم الذي طمَّ وسرى على الناس في إزاء مسائل الشفاعة. وإن الجهل، إخواني في الله، في هذا المبحث العظيم من مباحث الدين لا يؤدِّي إلى عواقب وخيمة على المسلمين في دينهم ودنياهم. ويمكن أن تُختصر وتُختزل أهمية هذا الموضوع في المسائل الآتية: أولاها أن نعلم، إخواني في الله، أن موضوع الشفاعة كان العلماء ولازالوا يذكرونه في كتب الاعتقاد، فما تمر على كتاب من كتب الاعتقاد، سواء كان من المختصرات أو كان من المطولات، إلا وتجد أنهم قد أعدوا فصلًا أو فصولًا متعلقة ببيان هذا المبحث، مبحث الشفاعة. وما ذاك إلا لعلو أمره ولعلو مقامه، وفي ذلك إشارة إلى أن المسلم ينبغي أن يعتني بهذا الباب اعتناءً عظيمًا، ولو أنه يحيط بما يستطيع من أهم مباحثه وأهم مسائله. فهذا كتاب الله جل في علاه قد مُلئ بالآيات التي فيها ذكر الشفاعة وما يتعلق بشروطها، وهكذا السنة، بل هي أكثر وأكثر، حتى بلغت الأحاديث المتعلقة بالشفاعة إلى حد التواتر. ومما تواتر: حديث «من كذب»، و«من بنى بيتًا لله واحتسب»، و«رؤية شفاعة وحوض»، و«مسح خفين». وهذه بعض الأحاديث المتواترة التي بلغت العشرات وزيادة، ما كان من أحاديث الشفاعة. إذن ينبغي على المسلم أن يعتني اعتناءً عظيمًا بمباحث هذه المسألة. كذلكم، عباد الله، ومن أهم الأمور المتعلقة بهذا المبحث العظيم، مبحث الشفاعة، أن نعلم، إخواني في الله، أن أهل البدع وأهل الضلال كم استطاعوا أن يدُسوا في مجتمعات المسلمين البدع والشركيات والكفريات والخزعبلات، بمثل ما أدخلوه باسم الشفاعة. إذ تجد أنهم إذا وجهوا الناس إلى الاستغاثة بجاه النبي عليه الصلاة والسلام، أو الاستنجاد به صلوات ربي وسلام عليه، كان ذلك تحت شعار الشفاعة بالأنبياء والمرسلين. وإذا وجهوا الناس وحثوهم على الاستنجاد بالقبور والأضرحة والأموات، كان ذلك تحت شعار الشفاعة، شفاعة بالأولياء والصالحين، وهلما جر. فكم استطاع أهل البدع أن يدُسوا هذه الأشياء الدخيلة على ديننا باسم الشفاعة، مستغلين بذلك جهل الناس، جهل الناس الذين ما تفطنوا لأحكامها ولا لأركانها ولا لشروطها، فكانوا لقمة سائغة في الوقوع في هوة الشرك والبدع لما جهلوا أحكام هذا المبحث العظيم. وأيضًا، إخواني في الله، في النظر في مباحث الشفاعة والتعرف إلى هذا المبحث، تستطيع أنك تأتي بالموقف الصحيح الذي ينبغي أن يكون عليه المسلم في هذا الباب، إذ أن الناس من أمة محمد عليه الصلاة والسلام انقسموا إلى أقسام إزاء الشفاعة: فمنهم من فتح هذا الباب على مصراعيه، ففتح باب الشفاعة من دون تقيُّد بضوابط ولا بقيود ولا بشروط، فأدخل هذا الباب حتى أدخل من باب الشفاعة الوقوع في الشركيات والبدعيات. وبالمقابل، نجد أناسًا من الناس ينتمون لهذه الأمة، وهم بالمقابل أغلقوا باب الشفاعة. إن كان أولئك كسروا باب الشفاعة، فهذه الفرقة أغلقوا باب الشفاعة، مستدلين بقوله تعالى: ﴿ وَلَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ ﴾، وهم بهذا الحال أغلقوا بابًا من أوسع أبواب رحمة الله جل في علا التي يهبها من شاء لعباده الصالحين. وأخيرًا، إخواني في الله، يمكن من أهمية هذا الموضوع أن يُطرق في مثل هذه المجالس العامة وهكذا الخاصة، أن نعلم، إخواني في الله، أن باب الشفاعة يمكن أن يصل إليها المسلم عن طريق السلوكيات من أقوال وأفعال. لا تظن يا عبد الله أن باب الشفاعة قد أغلق، لا يا عبد الله، بل هو مفتوح، لكن ذلك بشروط وبصفات، أو ببعض الأعمال وببعض الأقوال، الذي من استطاع أن يصل إليها فإنه بإذن الله ينال شفاعة الرسول عليه الصلاة والسلام. وبالمقابل، يا عبد الله، فكما أن الشفاعة تكتسب، فإنك كذلك تُحرم من شفاعة النبي عليه الصلاة والسلام، إذ أن الشرع الحكيم ذكر أسبابًا، وذكر كذلك صفات وعلامات وأقوال وأفعال، من تورَّط فيها خُرِم من شفاعة النبي عليه الصلاة والسلام. إذن كان مثل هذه المجالس، عبد الله، معينة أن تتعرَّف على ما هي العلامات، وما هي الصفات، وما هي الأقوال والأفعال التي إن اعتنيت بها وسارعت إلى امتثالها تنال الشفاعة، فتكون حافزًا لك، وكذلك بالمقابل تتعرَّف على المسائل والصفات والعلامات والأقوال والأعمال التي إن ابتليت بها حُرِمت الشفاعة، فحاول أنك تبتعد منها. ولا أُطِيل عليكم، إخواني في الله، فإن مثل هذه المسائل بإذن الله ستمرُّ عليكم في هذه الليلة بعنوان لمحاضرة مُفيدة تكون بإذن الله جامعة مانعة لأهم شتات الموضوع، تحت عنوان: «السُعداء بشفاعة المصطفى صلى الله عليه وسلم»، يُلقيها علينا الأخ الفاضل والأخ العزيز أبو خالد وليد مقرم، حفظه الله تعالى ورعاه، وذلك بعد ركعتي السنة. فصبّروا أنفسكم، إخواني في الله، في مثل هذه المجالس المباركة. فأسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم. الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة، كشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، فصلوات ربي وسلامه عليه. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ ﴾، ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. نحمد الله عز وجل حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، الذي وفقنا لمثل هذا المجلس في بيت من بيوته جل وعلا نتذاكر ما ينفعنا في أمر ديننا، فنسأله سبحانه وتعالى أن يجعل جمعنا هذا جمعًا مباركًا، وأن يجزينا جميعًا الأجر والمثوبة. وأجز الله خيرًا أخانا الفاضل أبا هاشم، حفظه الله، على هذه المقدمة الطيبة التي قدم بها مختصرًا نقاطًا، نقاط أهمية هذا الموضوع، فجزاه الله خيرًا. والشفاعة موضوع عظيم، المسلم يحتاج حاجة ماسة إلى تفقه فيه، وذلك لاختلاط الأمور، فإن الناس قد اختلطت أفهامهم في فهم هذا الأمر العظيم، فخلطوا بين الحق والباطل، والصحيح من الخطأ، وغير ذلك. والشفاعة من نعم الله جل وعلا التي خص بها من شاء من عباده، فالله جل وعلا هو الذي يمن على من شاء من عباده بأن يجعله شفيعًا يوم القيامة، وأعظم من حُظي بهذه النعمة نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم. الشفاعة العظمى ليست لأحد إلا للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، وعده الله جل وعلا بذلك، كما قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿ وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا ﴾. والمقام المحمود، كما جاء في البخاري ومسلم وغيرهما في أحاديث كثيرة عن النبي عليه الصلاة والسلام، أنها الشفاعة العظمى يوم القيامة، حين يتخلف الأنبياء والرسل، فيأتي الناس إلى آدم عليه السلام، ويذكرون ما خصه الله جل وعلا به من خلقه بيده وإسجاد ملائكته له، وغير ذلك مما يثنون به عليه، ثم يقولون له: ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ لأن الأمر عظيم في ذلك اليوم، قد دنت الشمس من الرؤوس، قد رُمِلَ وألجمهم العرق إلجامًا، وغير ذلك من هذه الشدائد، فيقول له: ألا ترى ما قد بلغنا؟ اشفع لنا عند ربك. فيقول آدم عليه السلام: اذهبوا إلى غيري، ويذكر مخالفته حين أكل من الشجرة قد ناه الله جل وعلا عن ذلك. فيأتون إلى نوح، ويقول له ما قالوا لآدم عليه السلام، ويقول له: أنت أول رسول أرسله الله جل وعلا إلى أهل الأرض، ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ اشفع لنا عند ربك. فيعتذر نوح عليه الصلاة والسلام، ويذكر أنه استعجل دعوة على قومه، ثم يقول لهم: اذهبوا إلى غيري. فيذهبون إلى موسى، ثم إلى عيسى، وهكذا، والكل يعتذر، حتى يأتون إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فيسجد نبينا عليه الصلاة والسلام، يقول قبل ذلك: «أنا لها، أنا لها»، فيسجد تحت العرش، ويحمد ربه جل وعلا بمحامد يلهمها جل وعلا إياه، لم يلهم قبل تلك المحامد، فيقول الله عز وجل لنبيه محمد عليه الصلاة والسلام: «يا محمد، ارفع رأسك، وسل تعطَ، واشفع تشفع». فيقول: «اللهم أمتي، أمتي». فيقال: «أدخل من أمتك من لا يشرك بالله جل وعلا شيئًا من الباب الأيمن الجنة». فيشفع النبي عليه الصلاة والسلام في هذا المقام العظيم. فهذا من فضل الله جل وعلا العظيم الخاص لنبيه محمد عليه الصلاة والسلام، بأن أعطاه هذا المقام العظيم الذي يحمده عليه جميع الخلائق، جميع الخلائق تحمده على هذا المقام العظيم الذي أعطاه الله سبحانه وتعالى إياه، فهو صاحب الحوض المورود عليه الصلاة والسلام، وحامل لواء الحمد، وصاحب المقام المحمود، صلى الله عليه وسلم. وقال له: المقام المحمود، لأن الخلائق جميعًا تحمده على هذا المقام العظيم. قد جاء في حديث جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما، في الصحيحين وغيرهما، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «فُضِّلتُ بالست»، وذكر منها: «وأعطيت الشفاعة، وأعطيت الشفاعة»، أي مما خص الله جل وعلا به نبيه أن أعطاه هذه الشفاعة الخاصة، وهي الشفاعة لفصل القضاء، ليفصل ربنا جل وعلا بين عباده. وهكذا اصطفى الله جل وعلا من شاء من عباده بأن جعلهم شفعاء يوم القيامة، كالأفراط، الأولاد الصغار الذين يموتون صغارًا، فيشفعون لآبائهم إذا هم صبروا واحتسبوا ذلك عند الله جل وعلا. وهكذا أكرم الله جل وعلا الشهداء الذين ضحوا بأنفسهم في سبيل الله جل وعلا وبذلوها رخيصة لأجل إعلاء كلمة الله سبحانه وتعالى، فيكرمهم الله جل وعلا بهذا الإكرام الخاص، وهو أنهم يشفعون في سبعين من أهلهم، إكرامًا لهم منه جل وعلا. والشفاعة من حيث اللغة، كما يقول ابن الأثير رحمه الله تعالى: هي سؤال التجاوز عن الذنوب والجرائر بين الناس بعضهم لبعض، أي يسألون غيرهم أن يتجاوز عن ذنوب هؤلاء وعن جرائرهم، فيعفو ويغفر، فهذا من حيث اللغة. وأما الشفاعة في الاصطلاح: فهي التوسط للغير لجلب منفعة أو دفع مضرة. التوسط للغير، شافع يشفع لغيره، أي يتوسط له لجلب منفعة، منفعة له، أو دفع مضرة عنه، لأن الشفاعة قد تكون في جلب منافع وتحصيل منافع لذلك الذي طلب الشفاعة، أو لدفع مضار عنه. وهكذا أيضًا من حيث اللغة: الشفاعة من جعل الوتر شفعًا، فالشفع ضد الوتر، وسميت الشفاعة شفاعة لأن الذي طلب الشفاعة طلب آخر يشفع له، طلب من آخر أن يشفع له، فلما شفع له صار به شفعًا، كان واحدًا، طلب من يشفع له، فلما شفع له الآخر صار به شفعًا، أي صارا اثنين. فهذا من حيث اللغة والاصطلاح. الشفاعة على نوعين: شفاعة دنيوية، وشفاعة أخروية. الشفاعة الدنيوية هي الشفاعة التي تكون في الدنيا، هي التي تكون في الدنيا، يشفع الناس بعضهم لبعض، يشفع الناس بعضهم لبعض في هذه الدنيا. يشفع الأنبياء في الدنيا لأقوامهم، نعم، بإنزال الغيث الغيث، ويشفعون لهم بدعاء الله سبحانه وتعالى بإنزال الغيث. قد جاء في حديث أنس رضي الله عنه في البخاري ومسلم: أن رجلًا دخل على النبي عليه الصلاة والسلام يوم الجمعة وهو يخطب على المنبر، فقال: يا رسول الله، هلكت العيال، وهلك الزرع، وهلكت المواشي، يعني من قلة المطر والغيث، ادعُ الله أن يغيثنا. فشفع لهم المصلي بدعاء الله جل وعلا لهم، توسط لهم بدعائه عليه الصلاة والسلام بأن ينزل الله جل وعلا عليهم الغيث، فدعا لهم، فدعا لهم عليه الصلاة والسلام: «اللهم أغثنا، اللهم أغثنا»، فنزل الغيث وأمطروا أسبوعًا كاملًا، حتى كان من الجمعة الأخرى دخل الأعرابي، هل هو نفس الأعرابي السابق أم غيره؟ خلاف بينهم العلماء، منهم من يقول: نفس الأعرابي، ومنهم من يقول: لا، هذا آخر، وهذا لا يترتب عليه كبير فائدة، سواء كان الأعرابي السابق أو غيره. فقال: يا رسول الله، هلكت المواشي، وهلك العيال، وهلك الزرع، أي من كثرة نزول الغيث ومن كثرة نزول المطر. فدعا النبي عليه الصلاة والسلام ورفع يديه عليه الصلاة والسلام، فقال: «اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام والظِّراب، وبطون الأودية، ومنابت الشجر»، فكان عليه الصلاة والسلام كلما أشار إلى جهة في دعائه انقشعت تلك السحابة إلى الجهات التي يشير إليها النبي عليه الصلاة والسلام، حتى خرج الناس على حرارة الشمس. وهكذا كان النبي سلم يشفع، كان يشفع عليه الصلاة والسلام لأصحابه، يأتيه بعض الصحابة يطلب من النبي سلم أن يشفع له، فيشفع عليه الصلاة والسلام. بل ربما شفع ابتداءً، بل ربما شفع النبي السلم ابتداءً من قبل أن يطلب منه ذلك. قد جاء في قصة مغيث وبريرة رضي الله تعالى عنهما: كان مغيث يحب بريرة حبًا عظيمًا، ثم اعتقت ففارقت مغيثًا، فمن شدة ولع مغيث رضي الله عنه ببريرة كان يمشي وراها، كان يمشي وراها، حتى رأى ذلك ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، فجاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام، قال له: يا رسول الله، أما ترى ما يفعل مغيث؟ فكأنه يقول له: اشفع له، اشفع له عند بريرة، لعلها تعود إليه وتبقى معه. فذهب النبي عليه الصلاة والسلام بنفسه يشفع لمغيث عند بريرة، فلما ذكر لها ما صار إليه مغيث من الحال، قالت: يا رسول الله، آمر أم شافع؟ آمر أم شافع؟ يعني: إذا كنت آمرًا فسمعًا وطاعة، إذا كان هذا أمر أرجع إليه فسمعًا وطاعة، أم شافع؟ فقال المصلي: «بل شافع، بل شافع». قالت: لا يا رسول الله. فالنبي عليه الصلاة والسلام يشفع لأصحابه، بل حث أصحابه، حث أصحابه على الشفاعة، وأن يشفع بعضهم لبعض فيما هو في مرضات الله جل وعلا، وفيما لا يخالف شرع رب العالمين جل وعلا. قد جاء في الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «اشفعوا تُؤجروا، ويقضي الله على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم ما شاء». اشفعوا تُؤجروا، ويقضي الله على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم ما شاء. فكان عليه الصلاة والسلام يحث أصحابه على أن يشفع بعضهم لبعض. وهذا ربما صار في هذا الزمن، يعني قد قلّ، أي هذا الأمر، وغير ظاهر ذلك الظهور الذي ينبغي أن يكون الناس عليه، وأن يكون عليه أهل الإسلام، من شفاعة بعضهم لبعض. شفاعة بعضهم لبعض هذا أمر طيب، حث عليه النبي عليه الصلاة والسلام، ويترتب عليه الأجر العظيم من الله جل وعلا. تشفع لأخيك المسلم وهو يشفع لك، مرة أنت تشفع له، ومرة هو يشفع لك، فهذا يحصل به خير، نعم، لأن الناس يحتاجون إلى أن يشفع بعضهم لبعض. فهذه الشفاعة، وقال لها: شفاعة دنيوية، وقال لها: شفاعة دنيوية، لأنها تكون في الدنيا. وهذه الشفاعة لا بد أن يكون فيها الشافع موجودًا، حيًا، حاضرًا، حيًا حاضرًا، لا ميتًا. الصحابة إنما كانوا يأتون النبي عليه الصلاة والسلام ليشفع لهم، ويدعو الله جل وعلا لهم، أو يشفع لهم عند غيرهم، إنما كان هذا في حياته عليه الصلاة والسلام، إنما كان هذا في حياته عليه الصلاة والسلام. أما بعد أن مات عليه الصلاة والسلام، ما كان يأتون إلى قبره عليه الصلاة والسلام ويقولون: يا رسول الله، هلكت العيال، وهلك الزرع. نعم، وقد أجدبوا هناك عام الرمادة، عام كان فيه مجاعة، ما ذهبوا إلى النبي عليه الصلاة والسلام وقالوا: يا رسول الله، نحن في مجاعة، اشفع لنا عند الله، ادعُ الله لنا أن يكشف عنا هذا الضر وهذه المجاعة. وإنما كانوا يستشفعون ويستسقون بأصحاب النبي عليه الصلاة والسلام الأحياء. ففي البخاري: أن عمر طلب من العباس أن يستسقي الله جل وعلا لهم، فقال رضي الله عنه: «اللهم إنا كنا إذا أجدبنا توسلنا إليك بنبينا صلى الله عليه وسلم فتسقينا، واليوم نتوسل إليك بعم نبينا، نتوسل إليك بعم نبينا، يا عباس، ادعُ». فكان العباس يدعو الله جل وعلا. وهكذا في عهد معاوية، كان يستسقون برجل، يزيد بن الأسود الجرشي، من الصالحين. فما كان يأتي النبي عليه الصلاة والسلام يسألونه الشفاعة، ويطلبونهم الشفاعة، يشفع لهم بنزول مطر، ولا بكشف كرب، ولا مدلهمة، ولا مصيبة، ولا غير ذلك، وإنما كانوا يتوجهون إلى الله سبحانه وتعالى بدعاء الصالحين الأحياء الحاضرين. والشفاعة الدنيوية على نوعين أيضًا: الشفاعة الدنيوية على نوعين، حسنة وسيئة، حسنة وسيئة. قال جل وعلا: ﴿ مَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُن لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا وَمَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُن لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا ﴾. دلت هذه النصوص على أن الشفاعة على نوعين: شفاعة حسنة، ومن شفع في شفاعة حسنة كان له الأجر، ومن شفع في شفاعة سيئة كان له الوزر. والشفاعة الحسنة الدنيوية: هي ما يترتب على حصولها خير، وما يترتب في الشفاعة لأجلها خير. تشفع لأخيك المسلم فيما ينفعه، عند طبيب مثلًا، ينزل من سعر العملية، أو عند صاحب مصنع ليعمل عنده العمل المباح، أو في كذا، أمور كثيرة، أمور كثيرة من الشفاعات التي يترتب عليها خير، يترتب عليها خير، وهذه شفاعات كلها حسنة. وأما الشفاعة السيئة: فهي التي يترتب من خلالها ومن حصولها الشر والعياذ بالله، كمن يشفع في أمر يطلب حصوله وفيه مفاسد، وفيه كذلك حصول الشر للمسلمين. فهذه شفاعات سيئة، هذه شفاعات سيئة. لو شفع رجل مثلًا في قرية لا توجد عندهم سينما، لا توجد عندهم سينما، فذهب إلى المحافظ: يا محافظ، نحن قرية الوحيدة من سائر القرى، ما عندنا سينما، أنتم ما تهتمون فينا، أنتم ما تنظرون إلينا، ما عندنا سينما ولا عندنا مراقص ولا عندنا كذا وكذا، ما هي الفائدة؟ قال: أبشر، الشهر هذا والسينما موجودة، والمرقص، وسوق القات، نجعل لكم سوق قات إن شاء الله، ما عليكم، لنذهب مكان نمكان بعيد نشتري القات، لأن سوق قات عندنا داخل البلاد، ومن هذه المصائب، نعم. فهذه كلها شفاعات سيئة، لماذا؟ لا ترتب عليها الخير. اشفع في مدرسة، ما عندنا مدرسة، نعم، ما عندنا مدرسة، نريد مدرسة، نريد مستوصفًا صحيًا، ما عندنا صحة، هذه أمور خير ينتفع منها الناس، مدارس تعليم، نعم، مستوصفات، مستشفيات. أما تريد سينما وتريد مصائب وتريد كذا وتريد كذا، هذا كله من الشر السيئ، فهذه شفاعات سيئة. أو تشفع لشخص أن يعمل في بنك ربوي، هذه شفاعات سيئة، لأنك وردته ما خدمت، أنت وما عنت على الخير، يأتيك ويقول: لنا ما عندي عمل، محتاج العمل، يقول له: أبشر، صاحبي هو مدير البنك الفلاني، والبنك هذا ربوي، تتوسط له وتشفع له عند ذلك المدير، فإذا به يعمل في البنك الربوي، هذه شفاعات سيئة، لماذا؟ لأن الربا محرم، محاربة لله جل وعلا ورسوله. أو كذلك مثلًا تشفع له في عمل من الأعمال السيئة، السيئة ليست من الأعمال الطيبة، أو الأعمال المشبوهة، أو غير ذلك، وشر كثير وأنواع. فاحذر يا عبد الله أن تشفع شفاعة سيئة، انظر إلى هذا الذي يطلبه منك، هل هو في مرضات الله عز وجل أم لا؟ ما عليك من الناس، لا ترضي الناس بسخط الله، بل عليك أن ترضي الله جل وعلا. نعم، لا ترضي الناس بسخط الله، بل عليك أن ترضي الله جل وعلا، ولو سخط الناس. أما أن يسخط عليك الناس، فلا عليك من ذلك، قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن، يقلبها كيف يشاء، اليوم سخط عليك، قبل ساعة سخط عليك، لكن أنت أرضيت ربك جل وعلا، فقلب ذلك الرجل الذي سخط عليك بيد الله جل وعلا، بين أصبعين من أصابع الرحمن، فما ترى إلا وقد رضي عنك، إلا وقد رضي عنك، جزاءً لأنك أرضيت ربك جل وعلا. وفي حديث عائشة رضي الله عنها عن نبي صلى الله عليه وسلم عنه قال: «من التمس رضى الله بسخط الناس، رضي الله عنه وأرضى عنه الناس، ومن التمس سخط الناس... ومن التمس رضى الناس بسخط الله، سخط الله عليه وأسخط عليه الناس». والشفاعة كما سمعتم: دنيوية وأخروية، والشفاعة الدنيوية: حسنة وسيئة. والشفاعة الأخروية وهي النوع الثاني، على نوعين، على نوعين: الشفاعة الأخروية، والشفاعة الأخروية هي التي تكون يوم القيام، الشفاعة الأخروية سُميت أخروية لأنها تكون يوم القيامة في اليوم الآخر، وهذه على نوعين أيضًا، وهذه أيضًا على نوعين: شفاعة مثبتة، وشفاعة منفية. شفاعة مثبتة، وشفاعة منفية. شفاعة مثبتة يعني ثابتة، دلت عليها أدلة الشرع، جاءت أدلتها في كتاب الله وفي سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فهذه شفاعة ثابتة، وهي أنواع، لأن الشفاعة المثبتة يتعلق بها تفاصيل. مقدمة: الشفاعة المنفية وهي النوع الأول من الشفاعات الأخروية، شفاعة المنفية بمعنى أنها منتفية يوم القيامة، شفاعة منتفية يوم القيامة، أي غير حاصلة وغير واقعة. هذه الشفاعة المنفية هي التي يظنها المشركون، التي يظنها المشركون في آلهتهم الذين توجهوا إليهم. فمثلًا قوم نوح الذي أرسل إليهم نوح عليه الصلاة والسلام، غلوا في ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر، غلوا فيهم، في أول أمر صوروا تماثيلهم، ثم بعد ذلك عبدوهم من دون الله جل وعلا، يعتقدون أنهم شفعاء لهم عند الله، يعتقدون أنهم شفعاء يشفعون لهم عند الله سبحانه وتعالى، ولذلك عكفوا عند قبورهم، عكفوا عند قبورهم، ودعوهم من دون الله جل وعلا، ورجوهم وعظموهم، كل ذلك رجاء شفاعة هؤلاء لهم. هذه الشفاعة التي يظنها هؤلاء ويعتقد هؤلاء من ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر، لن تشفع لهؤلاء، لماذا؟ لأنه كما سيأتي معنا أن الشفاعة إنما تكون لأهل التوحيد والإخلاص، لأهل التوحيد والإخلاص. وهل التوحيد هم الذين طلبوا الشفاعة من الله جل وعلا أن يشفع جل وعلا فيهم أنبياءه وصالحيه، والقرآن والأفراط والشهداء. وأما هذا الاعتقاد الذي يعتقد هؤلاء ممن يأتي إلى الصالحين ويعكف عند قبورهم، هذه شفاعة منفية، شفاعة منفية، لماذا؟ لأنهم إذا حشروا إلى الله سبحانه وتعالى على هذا الاعتقاد فإنهم مشركون، فإنهم مشركون، وما داموا مشركين وما حشروا على هذا الحال، فلا شفاعة لهم. صَدَرَ الإمام المجدد محمد بن عبدالوهاب رحمه الله تعالى كتابه التوحيد في باب الشفاعة بهذه الآية، وهذا من فقهه رحمه الله تعالى: ﴿ وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ ﴾. ﴿ وَأَنذِرْ بِهِ ﴾، ﴿ وَأَنذِرْ بِهِ ﴾ أي بالقرآن، ﴿ وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ ﴾. هذه الآية فيها اعتقاد الموحدين، فيها بيان اعتقاد الموحدين، وهو أنهم يحشرون إلى الله جل وعلا على خوف من الله سبحانه وتعالى أن لا يكون لهم شفيع أو ولي من دون الله جل وعلا، من دون الله جل وعلا، بخلاف هؤلاء، فإنهم يحشرون إلى الله جل وعلا على اعتقاد أن لهم من دون الله جل وعلا وليًا وشفيعًا، يجزمون بأن هؤلاء شفعاء لهم يوم القيام. والآية فيها بيان أن عقيدة الموحد إنما هي أنه يعتقد حال حشره إلى الله جل وعلا أنه لا شفيع له ولا ولي من دون الله، وإنما له ولي وشفيع بإذن الله سبحانه وتعالى ورضاه. لكن هذا لا يوجد عند من اعتقد في الصالحين أنهم يشفعون، لأنه اعتقد فيهم جزمًا أنهم يشفعون، لأنهم يقولون: هؤلاء شفعاء عند الله، يجزمون بذلك، كما قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿ وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ ﴾، ويقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند الله. عندهم عقيدة أن هؤلاء يشفعون جزمًا، ويتوجهوا إليهم، ولذلك كذبهم الله سبحانه وتعالى وكفرهم بهذا الاعتقاد. وهكذا أيضًا قال جل وعلا في الآية الأخرى: ﴿ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى ﴾، ﴿ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى ﴾، يعني أنهم حين توجهوا إلى هؤلاء الأولياء وهؤلاء الصالحين إنما أرادوا منهم أن يقربوهم إلى الله زلفى، فأرادوا منهم التقريب إلى الله جل وعلا، ولذلك عكفوا عند قبورهم، ودعوهم من دون الله، وتعلقت قلوبهم بهم، رجاء الشفاعة، رجاء الشفاعة. شرك المشركين إنما كان في هذا، شرك المشركين، شرك أبي لهب وشرك أبي جهل، نعم، وشرك عمرو بن لحي الخزاعي، وشرك الوليد بن المغيرة، وشرك غيرهم من المشركين، إنما هو هذا، أنهم توجهوا إلى هؤلاء الصالحين، مثل اللات والعزة، ومثل اللات الذي هو رجل الأصل ورجل صالح، كما في الصحيحين عن ابن عباس، وهكذا توجهوا إلى غيرهم من هذه الآلهة، ما توجهوا إليها على أنها حجار ولا على أنها خشاب، لا، وإنما كان يعتقدون أن أرواح الصالحين قد حلت فيها، ما يسمونه بالروحانيات، فهم إذا توجهوا إلى هذه الأحجار وإلى هذه الأشجار لا يريدون ذات هذه الأحجار، وإنما يعتقدون أنها أمثال لأولئك الصالحين، كما جعل قوم نوح التماثيل، نعم، على مجالس ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر، ما يريدون الخشب، هذا الخشب لا، لكن هذا ود، هذا ود عندهم، لكن هذا التمثال له صورة تمثله، وهذا سواع، وهذا يغوث، وهذا يعوق، وهذا نسر، وقالوا: ﴿ لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا ﴾. وهكذا صارت هذه الأصنام، التماثيل، وهؤلاء الرجال الصالحين هم الآلهة في أحياء العرب فيما بعد ذلك، هم الآلهة في أحياء العرب. جاءت بعض القصص، لكن لا يجزم بثبوتها، لكن يذكر أهل العلم، قد أشار إليها العلامة عبد الرحمن بن قاسم، ذكر شيئًا من هذه في حاشيته على شرح الأصول الثلاثة، قال: هذه التماثيل جرفها السيل، يعني مما نقل في هذا، ومن الأخبار أن السيل قد جرف، جرف هذه الأوثان التي كانت في قوم نوح، كانت قد دفنت، لكن لما جاء سيل وأخرجها وألقاها، يعني كما جاء في الخبر في جدة، في جدة، جدة المعروفة الآن في البلاد، المملكة، بلاد الحرمين، وألقاها في جدة، فرأوها بعد ذلك واستحسنوها وأخذوها، وصارت تعبد في أحياء العرب، فكان في حي من أحياء العرب ود، وكان في حي من أحياء العرب سواع، وكان في حي من أحياء العرب يغوث، وهكذا. فهم إن عبدوا هذه الأصنام وهذه الأحجار وتوجهوا إليها، لا لأنها حجار وأصنام، لا، وإنما لأنها تماثيل لصالحين، تماثيل لرجال صالحين، فتعلقت قلوبهم بهؤلاء، ودعوهم من دون الله سبحانه وتعالى، كل ذلك رجاء شفاعة هؤلاء، رجاء شفاعة هؤلاء، ليكونوا لهم شفعاء عند الله جل وعلا. ولذلك يقولون: إذا نزل المطر، قالوا: هذا بشفاعة آلهتنا، إذا نزل المطر، قالوا: هذا بشفاعة آلهتنا، نعم، يعني بسبب أن الآلهة شفعت، نزل المطر، بسبب أن الآلهة شفعت لهم، فنزل المطر، فكانوا ينسبون ما يحصل لهم من خير إلى الآلهة، وأنها بسبب شفاعة الآلهة لهم. وهذا قد كان موجودًا ولا زال، قد كان موجودًا في السابق ولا زال، كان في السابق عند الناس اعتقادات أن هذا المطر الذي نزل إنما هو بشفاعة، بشفاعة الولي الفلاني، شفع المحضار، وشفع الجيلاني، وشفع البدوي، وشفع فلان، وشفع فلان، نزل المطر، نعم. وهكذا العدو الذي كان ربما أراد أن يهجم عليهم ثم صرف أو رجع، ينسبون ذلك إنما هو بشفاعة هؤلاء الأولياء والصالحين، بسبب هؤلاء الموجودين في البلاد، مما يسمونهم بالأقطاب، ممن يسمونهم بالأقطاب، القطب الفلاني، والقطب الفلاني، والقطب الفلاني، يعتقدون فيهم أنهم يشفعون، يشفعون لهم، فيدفعون عنهم هذه المصائب العظيمة وهذه البليات، أو إذا جاء الخير ونزل المطر وغير ذلك، نسبوا حصول هذا الشيء إلى هؤلاء الصالحين، وأنه بسبب شفاعة هؤلاء الصالحين لهم. وكل هذا من الشرك بالله سبحانه وتعالى، لأن من اعتقد أن غير الله جل وعلا يشفع من دون إذن الله جل وعلا ورضاه، فهذا شرك مخرج من ملة الإسلام، شرك مخرج من ملة الإسلام، شرك أكبر. وكذلك من توجه إلى غير الله عز وجل، من توجه إلى غير الله عز وجل يسأله الشفاعة، فقد أشرك بالله سبحانه وتعالى، كمن يذهب إلى ولي من الأولياء أو قبر من القبور فيدعوه، يسأله الشفاعة: يا ولي الفلاني، اشفع لي، اشفع لي، يا محضار، اشفع لي، يا بدوي، اشفع لي، يا جيلاني، اشفع لي، يا بن علوان، اشفع لي، يا فلان، هذا شرك بالله جل وعلا، لماذا؟ لأن الشفاعة إنما هي ملك الله عز وجل، لا يملك الشفاعة أحد إلا الله سبحانه وتعالى، كما قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿ قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا ﴾، ﴿ قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا ﴾، كل الشفاعات إنما هي لله، جميع الشفاعات إنما هي لله عز وجل، هو مالكها، لله، أي مالكها سبحانه وتعالى. فإذا كان الله جل وعلا هو الذي يملك الشفاعة، فلا تطلب من غيره، فمن طلب الشفاعة من غير الله جل وعلا فقد طلبها من غير مالكها، وجعل ذلك الغير شريكًا لله جل وعلا في ملك الشفاعة، جعل ذلك الغير شريكًا لله جل وعلا في ملك الشفاعة، ولا شريك مع الله سبحانه